كلنا شرق < الرئيسية

فَيَضَان هنا، فَيَضَان هناك.. رابطة المصير المشترك للبشرية

: مشاركة
2019-01-28 12:38:00 الصين اليوم:Source محمد علام:Author

في فترة حالكة وأيام نحسات، ضربت الفيضانات مناطق واسعة في الصين والولايات المتحدة الأمريكية بشكل شبه متزامن، وكذلك حدث الأمر ذاته في غربي اليابان. بين شهري يوليو وأغسطس من العام الماضي 2018، واجهت هذه الدول وغيرها مصيرا مشتركا، وتجربة على قسوتها كانت تأكيدا جديدا على مبدأ "رابطة المصير المشترك للبشرية"، فلا نجاة لأمة على حساب أمة؛ فإما أن ننجو جميعا أو نواجه مصيرا قاتما وجميعا أيضا. هكذا أخبرتنا الطبيعة بواحد من أمضى سيوفها؛ "الفيضانات"التي تخلف وراءها أثرا يذكر الشاهدين عليه بقول الشاعر العباسي أبو تمام: "السيف أصدق إنباء من الكتب"، فمهما خط القلم عن الفيضانات ودمارها فلن يكون كافيا وافيا.

تعددت الأسباب

على أي حال، لا يمكن إنكار أن الفيضانات واحدة من الظواهر الطبيعية التي عرفناها نحن البشر منذ بداية قصتنا على كوكبنا هذا. وجاء ذلك في كتابات ورسومات الحضارات القديمة، وفي العصر الحديث كذلك. نجد في الصين على سبيل المثال ذكرى أليمة تحملها الذاكرة الجمعية للأمة الصينية لفيضانات عُرفت باسم فيضانات هوانغهو، والتي تكررت ثلاث مرات أولها في عام 1887 ثم في عام 1931 وجاء آخرها في عام 1938، بسبب فيضان مياه النهر الأصفر. هذه الفيضانات التي قتلت الملايين من البشر، اعتبرت واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية في التاريخ سوءا، ومن الملفت أن نهر المسيسبي تسبب في نفس الإطار الزمني وتحديدا في عام 1927 في فيضان دخل بدوره قائمة أسوأ الكوارث الطبيعية المسجلة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن يخطئ من يظن أن هذا العرض التاريخي يعني إلقاء المنديل، والاستسلام لظواهر الطبيعة المدمرة. لقد تغيرنا منذ عام 1887 أو حتى 1938 كثيرا، فتضاعفت معارفنا بشكل لا يصدق، طورنا في هذا المجال تحديدا العديد من الوسائل لمواجهة الفيضانات وتوقعها، والمطلوب الحقيقي الآن أن نصاب بإدراك حميد، فما حدث بالأمس وتكرر اليوم ما هو إلا رسالة بوحدة مصير هذا النوع البشري.

إن عدم الإيمان بهذه الحقيقة، رغم كل الدعوات الصينية المتكررة لجعلها دستور عمل للبشر في كل المجالات، ورغم ضربات الطبيعة المتتالية سيكون ذا ثمن باهظ. وهذا بالضبط ما انتهت إليه الهيئة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، في دراسة علمية محكمة وضعتها عام 2014، وخلصت في النهاية إلى أن الفيضانات بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر والمحيطات الناتج عن ذوبان الأنهار الجليدية في القطبين وخصوصا الشمالي، هو أكبر المخاطر التي يمكن أن تواجه الولايات المتحدة الأمريكية بسبب التغير المناخي.

ومع توافق المؤسسات البحثية والعلمية الصينية مع نظيراتها في الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأخرى حول خطورة نتائج التغير المناخي، وتوفر الإرادة السياسية الصينية للعمل العالمي المشترك، بل والإرادات السياسية لدول العالم كلها تقريبا، تم توقيع معاهدة باريس للمناخ والتي تعرف باسم "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي" عام 2015، بهدف احتواء ارتفاع معدل درجات الحرارة دون الدرجتين المئويتين مقارنة بمستويات درجات الحرارة في الحقبة ما قبل الصناعية.

لقد تميزت هذه الاتفاقية أساسا بتوزيع الالتزامات على كل دولة مع تحميل الدول الصناعية مسؤولية أكبر، وتزداد مسؤولية الدول ذات التاريخ الصناعي الأكثر قدما، مما وفر نوعا من العدالة في تحميل الأعباء على الجميع. لقد مثلت هذه الاتفاقية تطبيقا عمليا لفكرة الصين القائلة برابطة المصير المشترك للبشرية. سيعمل البشر جميعا من أجل هدف يتعلق بمصيرهم الذي آمنوا أنه واحد.

مع كل هذه الأدلة العلمية الدامغة، وتوافر الإرادة السياسية للصين صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، غابت الإرادة السياسية للإدارة الأمريكية الحالية، ونقضت التزام واشنطن السابق في هذه الاتفاقية بانسحابها منها من طرف واحد، وهذا الأمر ينبغي أن تعرفه البشرية جمعاء دون مواربة.

أبت الإدارة الأمريكية أن تعيد حساباتها وتؤمن بالمبدأ والدعوة الصينية قبل دفع المزيد من الأثمان، فها هي حرائق كاليفورنيا في بلادها تأتي على أكثر من 13600 منزل في شهور متواصلة ومستمرة من النار الموقدة، لتخلف وراءها أيضا مئات القتلى والمفقودين. لقد كانت هذه الأحداث المأساوية الثمن تنبيها لكي تعترف الإدارة الأمريكية أخيرا بوجود تأثيرات مباشرة للتغير المناخي، وأنه سبب كبير في اندلاع مثل هذه الحرائق، بتأثيراتها، ونطاقها الزمني، ومعدل تكرارها. لكن رغم ذلك لم يحدث حتى الآن أي تحرك لمراجعة الانسحاب من اتفاقية باريس.

المثير في الصورة الأمريكية، أن هناك الآن أكثر من خمسة عشر ولاية قررت الالتزام بمعاهدة باريس للتغير المناخي، حتى بعض الشركات والمؤسسات الصناعية العملاقة قررت الانضمام لهذه التعهدات، حتى أن بعض نجوم الفن الأمريكيين طالبوا بالإبقاء على حالة العمل الجماعي مع مختلف الدول لمواجهة التغير المناخي. كل هذه التحركات تشير إلى حالة من إدراك خطورة التغير المناخي وأن المسألة أهم بكثير من المصالح الحزبية الضيقة.

قوة العقول والعلم

عندما تتحدث الصين كدولة عن مبدأ رابطة المصير المشترك للبشرية، ونربطه نحن بالأحداث والقضايا الهامة للدول كافة، فهذه هي الفكرة وهذا هو التطبيق. وعندما اخترت الحديث عن الفيضانات والكوارث الطبيعية كمحور حديث، لم أقصد الصين والولايات المتحدة الأمريكية فحسب، فهذا ليس جوهر المفهوم العالمي للمبدأ الصيني، بل الأمر يتسع ليشمل كافة دول الكوكب المعمور.

ففي كثير من دولنا العربية مثلا واجه السكان فيضانات دفعوا أثمانها غاليا، وآخرها في ذاكرتي تلك التي ضربت المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الكويت.

لقد تابعت مأساة الحافلة المدرسية التي وجدت نفسها بمن فيها من أطفال ومعلميهم وسط فيضان مميت، قضى على أحلام 21 منهم غالبيتهم كانوا من أطفال المدرسة الابتدائية. لم يكن ذلك سوى جزء من صورة أكبر نتيجة أمطار غزيرة تحولت إلى فيضانات، أعادت إحياء ذكرى أليمة في ذهن الشعب الأردني وهي فيضانات معان عام 1966 والتي سقط خلالها أكثر من مائة ضحية. وفي الكويت، ونتيجة الأمطار كذلك، تسببت فيضانات كبيرة في إغراق منازل وقطع طرق وجرف مركبات.

كل هذا يؤكد الفكرة والمبدأ الصيني، لكن ما الحل؟ لقد استعرضنا كل هذه الأضرار وصفتها العالمية، فما طريقة التعامل معها؟  تلجأ الصين هنا لقوة العقول والعلم في تجربة ملهمة للبشرية كلها، دفعت البنك الدولي لاقتفاء أثرها والحديث عما حققته من نجاحات. فهناك على سبيل المثال تجربة شينينغ حاضرة مقاطعة تشينغهاي، وأكبر مدن هضبة التبت في غربي الصين، التي تحظى بموقع جغرافي فريد وخطير في آن واحد، فمع إحاطة الجبال شديدة الانحدار بها والتي تتعرض دوريا لأمطار غزيرة في فصل الصيف تصبح أمام تحديات كبيرة لأمان حياة السكان وممتلكاتهم.

تقاطعت في شينينغ خطط الصين العالمية لمواجهة التغير المناخي، وخطتها الوطنية لتنمية التبت وتطوير حياة سكانه، ليخرج للنور "مشروع شينينغ لإدارة الفيضانات وتجمعات المياه"، الذي أمد المدينة ببنية تحتية كاملة لمواجهة فيضانات ضخمة من نوعية تلك التي لا تتكرر سوى مرة واحدة كل مائة سنة؛ سدود وطرق ومنظومة صرف كاملة وسبعة مناطق لتجميع المياه وعمل شاق لتحسين نوعية التربة وخفض معدل تآكلها بمقدار مليون طن سنويا، كلها شكلت منظومة واحدة لحماية المدينة من أخطار الفيضانات.

ثمرة هذا المشروع الذي استمر منذ عام 2009 وحتى العام 2015، تمثلت في حماية حوالي نصف مليون مواطن صيني من الفيضانات، يستطيعون الآن مواصلة حياتهم والنوم باطمئنان فلن يطيح فيضان بحياتهم أو بكل ما صنعوه في حياتهم.

حول الأنهار

برغم أهمية مثال شينينغ، فإن الجهد الرئيسي للصين يتركز حول أنهارها الكبرى، فالصين واحدة من أكثر خمس دول حول العالم يتركز مواطنوها حول ضفاف الأنهار، ويكتسب الأمر البعد الدولي أيضا، مما يحيلنا إلى مبدأ وحدة رابطة المصير المشترك للبشرية، مع وجود 16 دولة تمر بأراضيها أنهار تمر في الصين أيضا، فحتى الجغرافيا تؤكد وحدة مصيرنا الجمعي.

منذ عام 1994، تعقد الصين اجتماعات دورية مع المسؤولين في تلك الدول سواء في شكل التعاون الثنائي أو التعاون مع منظمات دولية، بهدف التعاون في دراسات مشتركة حول تلك الأنهار، مما يوفر الإنذار المبكر ضد الفيضانات، ويحسن من نفعها وعائدها على السكان المحليين في كل تلك الدول، والهند واحدة منها، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن سكان الصين والهند فحسب يشكلان معا ما يقارب من 40% من سكان العالم، سيتضح لنا حجم ما كسبته البشرية جمعاء، فهذا كما قلنا مجرد مثال واحد.

بالنظر لما فعلته الصين مع الهند، نجد أن البلدين وقعا أربع اتفاقيات تعاون بين عامي 2000 و2013، تقوم الصين بمقتضى بنودها بتوفير كافة المعلومات الهيدرولوجية- الهيدرولوجيا يقصد بها علم المياه وهو أحد فروع علم الأرض- عن الأنهار العابرة لحدود البلدين وخصوصا في مواسم الفيضانات. ووفقا للتقديرات الصينية، جعلت هذه الجهود الأنهار بين البلدين هي الأنهار التي تتمتع بأقصى حماية عالميا. لقد قدمت الصين الحماية لأرواح مواطنين هنود وصانت ممتلكاتهم.

وهناك مثال عملي آخر للتعاون مع الاتحاد الروسي، والذي يصل عدد سكانه إلى 142 مليون نسمة مما يضعه في المرتبة التاسعة عالميا من حيث عدد السكان. ففي العام 2008 وقع البلدان "اتفاقية الاستخدام الرشيد والحماية للمياه العابرة للحدود"، والتي بان أثرها عام 2013 عندما واجهت الدولتان اختبارا حاسما مع فيضان كان الأكبر والأسوأ منذ قرن لنهر هيلونغ/ آمور. تعاونت سلطات البلدين بشكل فوري وتمت إقامة مركز مكافحة الفيضانات في مقاطعة هيلونغجيانغ ومحطة لينينسكوي المائية الروسية التي أصبحت نموذجا رائعا للعمل المشترك واللحظي، لقد كان لذلك التعاون بين البلدين نتيجة لا تخطئها العين في تقليل آثار ذلك الفيضان الضخم.

ولا يتوقف التعاون عند الدول التي تتشارك الصين الأنهار معها، فإيمانا بمبدأ رابطة المصير المشترك والذي تدعو له من الأساس، تبادلت الصين خبراتها ومعلوماتها مع دول في كل أرجاء العالم، فنجد في القائمة الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، ومع دول مبادرة حوض النيل ومنها مصر والسودان. إن كل هذا العمل لا يعني فقط بيئة أفضل وكوكبا نستطيع كبح إفساده، وإنما أيضا تصفو نفوس البشر، ويتحقق السلام بين الجميع.

نحو التزام دولي

تتشعب فروع القانون الدولي، فيشمل القانوني الجنائي الدولي، وقوانين دولية متعددة للبحار والتجارة، إلخ. ومن وجهة نظري كقانوني في الأساس، أصبح من الضروري العمل على تفعيل قانون بيئي دولي، تحميه محكمة دولية متخصصة في هذا الإطار، أو حتى توسيع دائرة اختصاص محكمة العدل الدولية ليشمل مثل هذه النوعية من القضايا الجدلية. ولكن هذا لن يحدث  إلا بإدراك جمعي لقادة الدول لمعنى المبدأ الذي تدعو إليه الصين من أن مصيرها واحد، ولا بد للصين أن تسعى حثيثا لتحقيق ذلك المبدأ الذي أصبح قدرها كما يقول الرئيس شي جين بينغ: "يتعين على السياسيين من جيلنا الحفاظ على السلام، وتعزيز التنمية باستمرار ونشر الحضارة، لذا تقدم الصين مشروعها؛ ألا وهو إنشاء رابطة المصير المشترك للبشرية وتحقيق الفوز المشترك والتمتع بالثمار المشتركة".

هذا ما تطرحه الصين لعالم يدور فيه الحديث عن احتمال اندلاع الحروب والصراعات من أجل التنازع على مصادر المياه في بعض مناطقه، وتضرب الطبيعة من يخرج عن نظامها في مناطق أخرى، فهل يلتقط راديو البشرية إشارات من أرض الصين، مدركا أن تجاهلها سيتسبب في انعدام الأمن البيئي فيخرج من رحمه عدم استقرار مجتمعي وسياسي مهددا أمن العالم على جميع المستويات.

--

محمد علام، باحث مصري متخصص في الشؤون الدولية.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037