مجتمع < الرئيسية

التقدم مع الإصلاح والانفتاح

: مشاركة
2018-12-11 11:32:00 الصين اليوم:Source وانغ هوي ياو:Author

إذا كان عام 1978 يُعتبر السنة الأولى لانتهاج الصين سياسة الإصلاح والانفتاح، فإن عام 1977، الذي شهد إعادة نظام امتحان القبول بالجامعات كان البشير الذي صدح بشرف لانطلاق الإصلاح والانفتاح، حيث جاء عصر جديد يهتم بالمعرفة ويحرص على الأكفاء. باعتباري من الدفعة الأولى للجامعيين بعد إعادة نظام امتحان القبول بالجامعات، بدأت مسيرة حياتي مع الإصلاح والانفتاح.

على شرف الإصلاح والانفتاح: إعادة نظام امتحان القبول بالجامعات

في الثاني عشر من أكتوبر سنة 1977، كانت قد مرت سنتان على وجودي في الريف في كومونة لونغوانغ لمحافظة جينتانغ في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان لقبولي "إعادة التهذيب". ذات مساء، كنت أقرأ الكتب تحت ضوء مصباح الكيروسين الخافت بعد الأعمال المرهقة اليومية التي كنت قد تعودتها، وفجأة سمعت صوتا ينساب من مكبر الصوت لإذاعة الكومونة: أن البلاد ستعيد في ديسمبر نظام امتحان القبول بالجامعات الذي توقف قبل عشر سنوات! هاجت مشاعري، ومن خلال الضوء الخافت لمصباح الكيروسين لاح أمامي أمل البلاد الذي سيؤمن مستقبل حياتي.

بعد شهرين، تدفقت مع 570 خمسة ملايين وسبعمائة ألف طالب من مختلف الطبقات وفئات العمر في الحقول وورشات المصانع والمعسكرات وغيرها إلى قاعات الامتحان مثل المد العارم. في ربيع السنة التالية، وبعد التنافس الحاد والمنصف، دخل مليونان وسبعمائة ألف شاب إلى حرم الجامعات التي كانوا يحلمون بها في نهارهم وليلهم. كنت واحدا من هؤلاء الشبان المحظوظين.

في ربيع عام 1978، ركبت القطار من تشنغدو إلى قوانغتشو حاملا إشعار القبول بمعهد قوانغتشو للغات الأجنبية (جامعة الدراسات الأجنبية بقوانغدونغ حاليا). استغرق السفر ثلاثة أيام وليلتين، واجتزت أكثر من نصف مساحة الصين على متن القطار، ووصلت إلى المركز الأمامي للإصلاح والانفتاح في الصين. بدأت الدراسة في الجامعة، بينما كنت أتابع تطورات المجتمع الصيني في بداية الإصلاح والانفتاح، وأفكر في معنى الحياة. خلال سنوات الدراسة الأربع في معهد قوانغتشو للغات الأجنبية، تأثرت أفكاري وتطلعاتي وعقلي وقلبي، وتوسعت مداركي وتجددت رؤيتي ونظرتي للعالم والحياة وموقفي من الحياة، مما وضع أساسا لاتجاهي إلى مجال أوسع في العالم.

الإصلاح والانفتاح: توجه النظر إلى العالم

أعمال الاقتصاد والتجارة الخارجية هي رائدة الانفتاح على الخارج. بعد تخرجي في عام 1982، تم تعييني مسؤولا عن التعاون الاقتصادي الدولي بوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، فأصبحت أحد المسؤولين الصينيين الذين يتحملون المسؤولية عن "توجه المؤسسات الاقتصادية الصينية نحو الخارج". خلال هذه الفترة، كنت أدرك أن معرفتي حول الأعمال الدولية محدودة، فقررت أن أترك العمل الرسمي، وسافرت إلى خارج الصين لأرى العالم عن قرب. درست للحصول على شهادة الماجستير في تخصص إدارة الأعمال الذي كان معظم الصينيين لا يعرفونه. وفي رأيي، أن انفتاح الأكفاء على الخارج هو الخطوة الأولى للإصلاح والانفتاح، وأن الإجراءين اللذين اتخذهما دنغ شياو بينغ في بداية الإصلاح والانفتاح والمتمثلين في إعادة نظام امتحان القبول بالجامعات وتشجيع السفر إلى خارج الصين لإكمال الدراسة، وضعا أساسا راسخا لبناء الأكفاء في مختلف المجالات للدولة.

في عام 1984، زار دنغ شياو بينغ جنوبي الصين، حيث كتب "أن تنمية وتجربة شنتشن أثبتتا صحة سياستنا في إقامة المنطقة الاقتصادية الخاصة"، بعد زيارته لمنطقة شنتشن الاقتصادية الخاصة، الأمر الذي ثبّت ثقة أبناء المنطقة الاقتصادية الخاصة بالإصلاح والانفتاح، وحث خطى المنطقة الاقتصادية الخاصة في الانفتاح على الخارج. في الشهر الثاني من مغادرة دنغ شياو بينغ لمقاطعة قوانغدونغ، اتخذت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني قرارا هاما، وأعلنت "انفتاح 14 مدينة ساحلية وجزيرة هاينان أمام المستثمرين الأجانب". وبذلك تطور انفتاح الصين على الخارج، وتشكل هيكل انفتاح كل المناطق الساحلية نهائيا.

في أواسط ثمانينات القرن الماضي، كنت متدربا في اتحاد المدينة الكندية، حيث شاركت ذات صيف في استقبال البعثة الصينية للأربع عشرة مدينة ساحلية برئاسة لي لان تشينغ الذي كان عمدة مدينة تيانجين حينذاك، ورافقته لزيارة بضع عشرة مدينة كندية وسوق البورصة في تورونتو وفانكوفر، واستطلاع المنظومة المتقدمة للمواصلات والاتصالات في كندا. خلال ذلك الشهر، جابت البعثة كل أنحاء كندا واستطلعنا كل المجالات للمجتمع الغربي الحديث، مما قدم تجارب جيدة لبناء الأربع عشرة مدينة الساحلية المفتوحة في الصين، ووفر أفكارا ومفاهيم جديدة لإصلاح اقتصاد السوق للصين.

إعادة الانطلاق من أجل الإصلاح والانفتاح: العودة إلى الصين لتقديم المساهمة

في أواخر ثمانينات وأوائل تسعينات القرن العشرين، شهدت الأوضاع الصينية والدولية تغيرات معقدة كبيرة، ما جعل الكثير من الصينيين حائرين ومترددين في مسألة "مواصلة الإصلاح"، وقد وصل طريق الإصلاح والانفتاح إلى نقطة مفصلية تاريخية. في عام 1992، غادر دنغ شياو بينغ، وكان عمره سبعة وثمانين عاما، بكين لزيارة ووتشانغ وتشانغشا وشنتشن وتشوهاي وشانغهاي، وقام بسلسلة من الأحاديث الهامة مع المسؤولين المحليين حول مسيرة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، حيث أكد على التمسك بالخط الأساسي للحزب لمائة سنة بدون تزعزع، والجرأة على التجربة في تنفيذ الإصلاح والانفتاح. تيار مواصلة تعميق الإصلاح والانفتاح الذي أثارته أحاديث دنغ شياو بينغ أثناء الجولة التفقدية في جنوبي الصين أعاد الحيوية والنشاط لكل أنحاء الصين.

قال دنغ شياو بينغ للطلاب الصينيين الدارسين في الخارج: "إذا أردت أن تقدم مساهمات إلى الوطن، فمن الأفضل أن تعود إليه." هذه العبارة أثرت كثيرا بالطلاب الصينيين خارج الصين. وخلال الأعمال الخارجية لأكثر من سنتين، ازدادت معرفتي لوطني، وأدركت أن تنمية الصين لن تنفصل عن التعاون مع الخارج، وأن الصين تحتاج إلى دفعة كبيرة من الأكفاء لتعزيز التعاون، فتمنيت أن أكون شجاعا ومتقدما  ومساهما في إصلاح وانفتاح الصين. عدت إلى الصين في أواسط تسعينات القرن الماضي، وأصبحت من الدفعة الأولى للطلاب المبعوثين الصينيين الذين عادوا إلى الصين لتأسيس المشروعات. في تسعينات القرن الماضي بعد عودتي إلى الصين، انضممت إلى رابطة الصين للعلماء المغتربين العائدين للوطن، راجيا جمع مزيد من الأكفاء الذين يتمتعون بتطلعات مشتركة وهدف واحد ويسيرون على طريق واحد  من أجل دفع قضية الطلاب الصينيين المبتعثين الذين عادوا إلى أرض الوطن عبر هذه المنصة التي ضمت أكبر عدد من الطلاب المبعوثين الصينيين. في عام 2002، اقترحت تأسيس غرفة التجارة لرابطة الطلاب المبعوثين الصينيين سعيا لبناء منصة للنخبة التجارية بين الطلاب المبعوثين الصينيين العائدين إلى الوطن، واُنتخبت أول رئيس لغرفة التجارة، فكان ذلك نمطا جديدا لأعمال رابطة الصين للعلماء المغتربين العائدين. أرى أن رجال الأعمال هم أشخاص تحركهم الطموحات ويتمتعون بقوة الابتكار ويبحثون عن الفرص الجديدة ولا يتراجعون عن قرارهم، ويبذلون كل الجهود في سبيل بناء مجتمع أفضل. إن كل مجتمع سليم يتطلب تكامل الحكومة والمؤسسات الاقتصادية والمنظمات الاجتماعية وغيرها، ولا يشتغل رجال الأعمال في تنمية المؤسسات الاقتصادية فقط، بل يشاركون في دفع تغير المجتمع أيضا، ويساهمون في بناء المجتمع المنتاغم.

العصر الجديد للإصلاح والانفتاح: إطلاق المسيرة الجديدة للعولمة

في عام 2008، كنت قد بلغت الخمسين عاما، وأسست مع زوجتي الدكتورة مياو ليوي مركز الصين والعولمة، الذي يقوم بأبحاث عن الصين والعولمة والحوكمة العالمية والعلاقات الدولية وعولمة الأكفاء والمؤسسات الاقتصادية وغيرها من المجالات. خلال السنوات العشر الأخيرة، ظل مركز الصين والعولمة يبحث ويعمم معنى العولمة الهام في الصين، وإقامة مختلف المنتديات والندوات المتعلقة بالعولمة على مدى سنوات، وأصدر سلسلة من "الكتاب الأزرق" حول العولمة والكتب المتخصصة في أبحاث العولمة.

من أجل دفع التفاهم والثقة المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية في ظل الحرب التجارية الصينية- الأمريكية، نظم مركز الصين والعولمة بعثة من الخبراء والعلماء إلى الولايات المتحدة الأمريكية مرارا لإقامة سلسلة من النشاطات الدبلوماسية والاستطلاعية المتعلقة بالاقتصاد والتجارة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، في واشنطن ونيويورك، وتعاون مع الجانب الأمريكي في إقامة "ندوة استعراض وتطلعات ومقترحات للعلاقات الاقتصادية التجارية الصينية- الأمريكية" بمناسبة الذكرى السنوية الأربعين لإقامة العلاقات الصينية- الأمريكية. وأصدر سلسلة من التقارير حول العلاقات الصينية- الأمريكية ((العلاقات الاقتصادية والتجارية الصينية- الأمريكية والتحديات: الماضي والحاضر والمستقبل والاختيارات السياسية))، ودفع التبادلات بين الكفاءات والمسؤولين المتخصصين في مختلف المجالات بين الجانبين الصيني والأمريكي. وهكذا أصدر المركز صوت فكر صينيا لحل المشاكل الاقتصادية والتجارية الدولية حول الحوكمة العالمية، ولعب دورا في إزالة الحواجز الاقتصادية والسياسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

اليوم، أصبحت العولمة لحنا رئيسيا لتنمية الصين، حيث ألقى الرئيس شي جين بينغ كلمة في منتدى دافوس العالمي الذي عُقد في بداية عام 2017، ورفع دعم الصين لمفهوم العولمة إلى مستوى غير مسبوق، فحصل على تقدير عال من دول العالم. أصبحت الصين قوة دافعة هامة للنمط الجديد للعولمة، وقد طرح التقرير المقدم للمؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني بوضوح "المبادرة بالمشاركة في عملية العولمة الاقتصادية ودفعها، وتنمية الاقتصاد المنفتح إلى مستوى أعلى". يتطور تيار العولمة في الصين، ولهذا يتحمل مركز الصين والعولمة عبئا ثقيلا وأمامه درب طويل.

من حسن الحظ، أنني صادفت الإصلاح والانفتاح قبل أربعين سنة، وبدأت أستفيد من الإصلاح والانفتاح. وبعد أربعين سنة، ما زالت الصين في مسيرة الإصلاح والانفتاح اليوم، وتحتاج إلى الانفتاح على المستوى الأعلى في المستقبل، يجب علينا باعتبارنا جيلا يعيش في عصر الإصلاح والانفتاح أن نمهد الطريق ونبني الجسر للشباب ونواصل دفع تطور الإصلاح والانفتاح للصين بخطوات ثابتة في الأربعين سنة التالية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037