مسلمون صينيون < الرئيسية

ما فو شينغ.. مبتور اليدين يحمل مشعل العلم

: مشاركة
2020-09-09 08:35:00 الصين اليوم:Source هناء لي ينغ:Author

يتجاوز عدد المعاقين من سكان العالم مليار نسمة حاليا، من بينهم مشاهير كثيرون يكافحون ويحققون منجزات عظيمة.

ما فو شينغ، معلم مسلم مبتور اليدين، يضئ طريق العلم لجم غفير من التلاميذ في منطقة شديدة الفقر، ويساعدهم على الخروج من الجبال وتحقيق أحلامهم.

معاق يتعطش إلى المعرفة

وُلد ما فو شينغ في أسرة مسلمة فقيرة تعمل بالزراعة في قرية شيامار التابعة لناحية هاندونغ لقومية هوي في محافظة هوانغتشونغ بمدينة شينينغ في مقاطعة تشينغهاي، في سنة ألف وتسعمائة وتسع وخمسين. عندما كان عمره أربعة أشهر، سقط في موقد سرير كانغ (مصطبة مجوفة تُحمى من الداخل بالحطب للتدفئة)، فأصيب بحروق واسعة وبترت يداه.

لأنه لا يستطيع تدبير أموره بنفسه، ترعرع ما فو شينغ تحت عناية ورعاية أفراد أسرته وأبناء قريته. بيد أن الفتى العزيز النفس قرر أن يواجه مصيره القاسي بشجاعة ويعتمد على نفسه ويكافح في سبيل التقدم، ولا يكون عبئا على أسرته والمجتمع. تخطى صعوبات جمة قد يصعب على الشخص العادي أن يتخيلها. تعلم، بمساعدة من إخوته، كيف يرتدي ملابسه ويتناول طعامه بنفسه. أضحى ما فو شينغ يساعد أبويه في بعض الأعمال المنزلية البسيطة. برغم ذلك، كان مشهد خروج إخوته وأخواته إلى المدرسة وعودتهم مسرورين محزنا له، وهو حبيس البيت بين الملل والحزن.  وقد حدث غير مرة أن تسلل الفتى الصغير سرا إلى مدرسة القرية ورنا إلى داخل حجراتها ليرى التلاميذ يقرأون ويكتبون، فازداد نهما للمعرفة. كان إذا لمحه المعلم خارج نافذة حجرة الدرس، يتوارى فورا.

ذات يوم، أفصح ما فو شينغ لأمه عن مكنون نفسه، فقال: "أريد أن أذهب إلى المدرسة." ترقرقت الدموع في عيني الأم، وقالت: "كيف ستكتب؟" بسرعة خلع ما فو شينغ حذاءه ولقط عود حطب صغيرا بأصابع قدمه وكتب مقطعا صينيا كبيرا على الأرض. أوضح لأمه أنه تمرن على الكتابة في وقت لعب إخوته بعد انتهاء المدرسة كل يوم. صحبت الأم ابنها إلى معلم مدرسة القرية، وعرض ما الصغير مهارته في الكتابة أمامه، فوافق على قبوله في المدرسة. في قريته التي تقع على ارتفاع 2700 متر فوق سطح البحر يكون برد الشتاء قارسا مما يجعل الكتابة بأصابع القدم مهمة بالغة المشقة. بدأ ما فو شينغ يتمرن على لقط القلم بذراعيه المشوهتين. بفضل عزيمته القوية وجهوده الدؤوبة، ظلت نتائج دراسته ممتازة في المدرسة.

قبل إتمام الدراسة في المرحلة الثانوية، أخبره المعلمون أن المعاقين غير مؤهلين للمشاركة في الاختبار الوطني للقبول بالجامعات، وأن الجامعات لا تقبل الطلاب المعاقين. بكى ما فو شينغ حزينا بصوت عال، فقد بدا له أن السماء تسقط فوق رأسه وأن جهوده قد ذهبت سدى. وبينما هو في هذه الحالة من القنوط والانكسار، تذكر عبارة قالتها أمه في الزيارة الأولى لمعلم المدرسة، "إبني عالي الهمة، لا يخشى الصعاب". فشحذ عزيمته من جديد.

في عام واحد وثمانبن وتسعمائة وألف، لاحت أمام ما فو شينغ إشراقة الفجر، فقد قررت لجنة الحزب الشيوعي الصيني في قرية شيامار أن تعين ما فو شينغ معلما تحت الإدارة المحلية في المدرسة الابتدائية للقرية. شجعه أمين اللجنة قائلا: "نثق بأنك ستكون معلما ممتازا!" وثب ما فو شينغ من الفرحة، وقرر أن يكرس حياته لمهمة التدريس.

"لن أتخلى عن أحد من تلاميذي"

أمسك ما فو شينغ بهذه الفرصة التي حصل عليها بشق الأنفس، وصمم على أن يساعد تلاميذه على تحقيق حلم الالتحاق بالجامعة؛ ذلك الحلم الذي لم يحققه لنفسه.

شيامار قرية متخلفة محشورة في منطقة جبلية نائية، ووعي أبناء القرية بالتعليم ضعيف، فتوقف كثير من التلاميذ عن الدراسة وعادوا إلى بيوتهم للمساعدة في الأعمال الزراعية. من أجل منع التلاميذ من التسرب من المدرسة، زار ما فو شينغ عائلات التلاميذ من بيت إلى بيت، لإقناعهم بإعادة أبنائهم إلى المدرسة. من ناحية أخرى، بذل جهوده في دراسة طرق التعليم وتحضير الدروس، لتشويق التلاميذ وتحفيزهم على العودة إلى المدرسة. قالت زوجته تشاو يو هوا، وهي معلمة وزميلة له، إن ما فو شينغ يمضي في تحضير الدروس أضعاف الوقت الذي يمضيه المعلمون الآخرون. يستغرق تحضير درس واحد أربعين دقيقة في العادة، ولكن بالنسبة  لما فو شينغ  يستغرق ساعات. في مدرسة شيامار أكثر من سبعين تلميذا وستة معلمين فقط، ولهذا فإن أعمال المعلمين ثقيلة، ونصيب كل معلم أكثر من عشرين حصة كل أسبوع. خلال ثلاثين سنة ونيف من العمل بالتدريس، كتب ما فو شينغ عشرة دفاتر من خطط التدريس، وأنجز تأليف خطة تدريس تتكون من أكثر من مليون مقطع صيني. ومن أجل تسهيل تصفح الكتب في تحضير الدروس، أخذ ما فو شينغ قطعة حجرة خشنة من ضفة النهر، يضعها على صفحة الكتاب ليقرأ ويكتب في نفس الوقت. صارت قطعة الحجر لامعة مصقولة مثل اليشم.

برغم بتر يديه، يبدو خط ورسم المعلم ما على الورق والسبورة جميلا. يمسك بالطباشير بين ذراعيه المشوهتين، ويقترب من السبورة للكتابة عليها. يتراكم غبار جير الطباشير مكونا  طبقة سميكة بيضاء فوق شعر رأس وكتفي المعلم ما، فيصبح أمام تلاميذه "رجلا ثلجيا" بعد انتهاء الدرس. في الشتاء، يتحول غبار الطباشير إلى اللون الوردي، فقِطَعُ الطباشير تهرأ ذراعيه وينزف الدم منهما ويصبغ غبار الطباشير فيتحول لونه إلى الوردي. اقترحت عليه ابنته أن يقرأ الكتاب للتلاميذ في الدرس ولا يكتب على السبورة، ولكنه رفض قائلا: "المعلم شاخص التلاميذ، وكلما كان الشاخص عاليا، كلما امتد بصرهم إلى مدى أبعد. ينبغي أن أتغلب على الصعوبات ليتعلم التلاميذ مني."

أكبر أمنية للمعلم ما هي محبة التلاميذ وعدم تخلف أحد منهم عن الركب. في أغسطس عام 1993، توقف تلميذه يانغ يونغ تشينغ عن الدراسة وهو في السنة الأخيرة بالمرحلة الإعدادية بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة لأسرته. فزار المعلم ما أسرة التلميذ لإقناعهم بضرورة عودة ابنهم إلى المدرسة. تحدث معهم حتى جف حلقه، وفي النهاية فهموا أن الصعوبات مؤقتة وأن تعليم الابن لا ينبغي أن يتوقف. بعد ثلاث سنوات، أصبح يانغ يونغ تشينغ أول طالب في قرية شيامار يلتحق بالجامعة. حتى الآن، التحق أكثر من ثلاثين طالبا فقيرا بالجامعات بمساعدات مالية من المعلم ما.

المدهش أن ثمانمائة فرد في القرية التي يبلغ عدد سكانها أكثر من تسعمائة نسمة، كانوا تلاميذ ما فو شينغ. يعامل المعلم ما تلاميذه بكل صدق وإخلاص، ويحبه أبناء قرية شيامار من صميم قلوبهم. ما إن يصل إلى المدرسة، حتى يأتيه التلاميذ للحديث معه ويدعونه إلى اللعب معهم. قال المعلم ما: "بالنسبة لي، هم كنوز. لن أتخلى عن أحد منهم. وعلى مدى سنوات عديدة من العمل، أشعر بأن المدرسة بيتي الحقيقي."

قصة ما فو شينغ تثير تعاطفا شعبيا

ظروف المدرسة في المنطقة الجبلية صعبة، ويسعى المعلم ما دائما لتحسين أحوال مدرسته على نفقته الخاصة. يدعو أبناء أخيه لإصلاح أنابيب المياه في المدرسة خلال العطلة، ويستأجر نجارا لإصلاح نوافذ حجر الدرس، ويتقدم المعلمين والتلاميذ لتسوية أرض الملعب. وقد أثار مشهد المعلم وهو يحمل الجاروف بين ذراعيه دهشة وإعجاب أبناء القرية، فهبوا لمشاركته في أعماله. ذات مرة، تعطلت ماكينة تصوير الورق في المدرسة، ولم يعد ممكنا نسخ المراجع التدريسية، فاستأجر عربة لنقل ماكينة التصوير إلى مدينة شينينغ لإصلاحها ثم إعادتها إلى المدرسة، ودفع كل التكاليف من دخله الضئيل.

تولى المعلم ما منصب رئيس مدرسة شيامار الابتدائية في مارس عام 2012. من أجل حل مشكلة نقص المعلمين، طلب المعلم ما من ابنته الصغيرة أن تعود إلى القرية لتعمل في مدرسة شيامار بعد التخرج. قال: "ترعرعت بمحبة ومساعدة أبناء القرية في صغري. عندما كانت عروة حذائي تنحل، كان أحد رفقائي يأتي لربطها؛ وعندما لم أكن أستطيع أن ألبس البنطلون بعد قضاء الحاجة في دورة المياه، كان أحد أبناء القرية يأتي لمساعدتي. لن أنسى فضلهم، فكيف أرد الجميل لهم؟" تخرجت صغرى ابنتيه في معهد المعلمين بمدينة شيانيانغ بمقاطعة شنشي. كانت تريد أن تبحث عن عمل في مدينة شيآن حاضرة مقاطعة شنشي، ولكنها استجابت لرغبة والدها في العودة إلى مسقط رأسها. قالت ابنته ما هاي هونغ: "أراد والدي أن أعمل معلمة في مدرسة شيامار، لأنه ترعرع بمساعدة وعناية الأصدقاء والأقرباء في القرية، ويود أن يعبر عن شكره لرعايتهم له. يريد أن يعلم أبناؤه أبناء تلاميذه." كانت ما هاي لي، ابنته الكبيرة، أول طالبة جامعية في القرية، وتعمل حاليا معلمة في المدرسة المركزية في ناحية هاندونغ. تضم أسرته أربعة معلمين ريفيين.

في عام 2008، اختارت محطة التلفزيون المركزية الصينية المعلم ما من "الشخصيات العشر الأكثر تأثيرا في الريف والزراعة والفلاحين"، وحصل على ميدالية العمل الوطني أول مايو؛ وفي عام 2009، تم اختياره للقب "الشخصية التعليمية الصينية" وحصل على شرف "قدوة الاعتماد على النفس" على المستوى الوطني؛ وفي عام 2012، فاز بلقب "أجمل معلم ريفي" على المستوى الوطني، وتم تصوير فيلم ((معلم بدون يدين)) حول حياة المعلم ما في نفس العام. ومع انتشار قصة المعلم ما، جذبت مدرسة شيامار أنظار المجتمع، فتبرعت شركة جياكانغلي بالأموال والتجهيزات التدريسية الإلكترونية والكتب وأجهزة الرياضة البدنية وسيارة للمدرسة، والملابس والحقائب الدراسية للتلاميذ والمعلمين، والفحم المستخدم للتدفئة في الشتاء، وركّبت نوافذ جديدة في كل المدرسة. وقدمت جمعية الصليب الأحمر بمقاطعة تشينغهاي دفعة كبيرة من المواد الدراسية لتلاميذ مدرسة شيامار. أنشأ المعلم ما "صندوق ما فو شينغ الخيري" لمساعدة الطلاب الفقراء في المرحلة الثانوية على تحقيق حلم الالتحاق بالجامعة.

في أغسطس عام 2018، شارك المعلم ما في برنامج ((الذكاء الاصطناعي)) لمحطة التلفزيون المركزية الصينية، وتم منحه يد آلية اصطناعية إلكترونية. عندما أخذ المعلم ما كتابا باستخدام اليد الاصطناعية لأول مرة، تأثر كثيرا وفاض الدمع من عينيه. الكتاب الذي يحمل عنوان ((معلمنا رجل خارق))، فيه مجموعة من الصور التي رسمها تلاميذ المعلم ما، ومنها صورٌ تخيل فيها التلاميذ معلمهم لديه يدان ويقود الطائرة والسيارة ويقطف التفاح ويقاتل الأشرار. أحلام التلاميذ شجعت مخترع اليد الاصطناعية على تطوير التقنيات لمساعدة المعلم ما.

يسجل المعلم ما مآثر رائعة بيدين مبتورتين. إنه فقد يديه، ولكن لديه جناحين غير مرئيين، ظل يرشد التلاميذ ويضيء قلوبهم الصغيرة ويساعدهم على تحقيق أحلامهم.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037