مسلمون صينيون < الرئيسية

((سكين في مياه صافية)).. فيلم يغوص في العالم الروحي لمسلمي نينغشيا

: مشاركة
2019-10-30 17:00:00 الصين اليوم:Source هناء لي ينغ:Author

يؤرخ عام ألف وتسعمائة وخمسة لميلاد السينما الصينية، حيث أنتج في ذلك العام أول فيلم صيني، وهو "معركة جبل دينغجيون". وخلال أكثر من مائة عام الماضية، شهدت السينما الصينية تطورا هائلا، وقدم أجيال من السينمائيين الصينيين مساهمات عظيمة في تطوير الأفلام الصينية. في العصر الجديد، ينبثق كثير من السينمائيين الصينيين الشبان الموهوبين، ويحققون منجزات رائعة في مجال السينما على المستوى العالمي، ومن بينهم المخرج الشاب وانغ شيويه بوه، مخرج فيلم ((سكين في مياه صافية)) الذي شارك في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية، وفاز بجوائز كثيرة وأثار أصداء قوية في أوساط السينما داخل الصين وخارجها.

من قصة قصيرة إلى فيلم

 ((سكين في مياه صافية))، مقتبس من قصة قصيرة تحمل نفس العنوان للروائي الصيني المسلم شي شو تشينغ، ابن قومية هوي. السيد شي يحمل في جعبته عددا وافرا من الأعمال الأدبية، وتزين عنقه أوسمة وجوائز كُثر، ومنها الجائزة الخاصة للنقد الفني بمنطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي، في دورتها الخامسة؛ وجائزة جيونما، في دورتها الخامسة لفرع أدب الأقليات القومية؛ وجائزة تشوانغ تشونغ ون الأدبية، في دورتها الحادية عشرة؛ وجائزة الأدب لمجلة ((أكتوبر))، في دورتها الثامنة؛ وجائزة الأدب الشعبي لكأس ماوتاي، في دورتها الثالثة. قصة ((سكين في مياه صافية)) نشرت على صفحات مجلة ((الأدب الشعبي)) وتناقلتها مجلة ((مختارات القصص القصيرة)) في عام 1998، وفازت هذه القصة بجائزة العمل الممتاز لمجلة ((مختارات القصص القصيرة)). في عام 2001، فازت بجائزة لو شيون الأدبية، في دورتها الثانية.

 

تعرض هذه القصة للعلاقة بين أسرة فقيرة ومصدر رزقها، عبارة عن ثور هَرِم. صاحب الثور، السيد ما تسي شان مسلم مسن من أبناء قومية هوي، التي ينتمي إليها أيضا كاتب القصة، يعيش في منطقة شيهايقو بمنطقة نينغشيا. زوجة السيد ما، الورعة والملتزمة أخلاقيا، توصي في مرضها الأخير بسداد مبلغ بسيط استدانته من إحدى قريباتها. في ذكرى الأربعين لوفاة زوجته، تتنازع في نفس الشيخ ما تسي شان رغبته في إكرام زوجته المتوفاة بإكرام المعزين في وفاتها، بذبح ثوره الهرم، ورغبته في الحفاظ على حياة ذلك الثور الذي عاش في حظيرة بيته لسنين طويلة.

 تقول الأسطورة إن الثور الذي يعتزم أصحابه ذبحه يرى "سكينا في مياه صافية"، ويرفض بالتالي شرب الماء وأكل العشب ولو كان نضرا. السيد ما، وعندما يقترح ابنه عليه ذبح الثور الهرم، الذي لم يعد يقوى على العمل، تستبد به الحيرة ويرفض إعطاء أي جواب، ويسلم الأمر لله كعادته، ويتم ذبح الثور. السكين حادة جدا كي لا يتعذب، وعينا الثور معصوبتان بقماش حتى لا يرتعد لمرأى السكين.

عندما كان وانغ شيويه بوه طالبا في السنة الثالثة الجامعية، قدم له هذه القصة زميله سعيد شي يان وي، وهو مسلم من قومية هوي أيضا، فشعر بهزة في قلبه بعد أن تصفحها، وجذبه موضوعها بكلماتها المفعمة بالبساطة والسكون. شجعه سعيد شي يان وي على تحويل هذه القصة إلى فيلم.

عمل ليس سهلا

وانغ شيويه بوه، المولود في سنة 1984، مخرج ومؤلف ومنتج سينمائي ومسرحي. تخرج في تخصص التأليف والإخراج بجامعة الشمال الشرقي للمعلمين. وشارك في العديد من الأفلام الفائزة بالجوائز باعتباره منتجا لها. من أبرز أعماله ((تارلو)) و((المطرقة والمنجل نائمان)) و((ارتياح وسرور)) وغيرها. ((سكين في مياه صافية)) هو أول فيلم من إخراجه.

في عام 2007، وبينما كان وانغ شيويه بوه لا يزال طالبا في الجامعة، بدأ يهتم بأبناء قومية هوي في منطقة شيهايقو بتأثير من زميله شي يان وي. منذ ذاك، راوده حلم تحويل قصة ((سكين في مياه صافية)) إلى فيلم، وساعده شي يان وي على تحقيق ذلك الحلم. في ذلك الوقت، نشر هذان الطالبان الجامعيان دعوة عامة على شبكة الإنترنت للمشاركة في إنجاز عمل هذا الفيلم. ولم يتوقعا أن يستجيب كثيرا من الناس لدعوتهما، وشارك اثنا عشر شخصا في تصوير الفيلم القصير. من دون رأس مال، سافروا جميعهم إلى منطقة شيهايقو، على نفقتهم الخاصة، لتحقيق الهدف المشترك لإنجاز تصوير هذا الفيلم.

بعد ذلك، تعاون وانغ شيويه بوه مع زميله شي يان وي في تحويل رواية ((عام القحط)) للكاتب شي شو تشينغ إلى فيلم، وكذلك تحويل قصتين من أعمالهما المسرحية إلى الفيلم أيضا. هذه أفلام الثلاثة القصيرة كونت ما يُسمى بـ"الثلاثية من أفلام منطقة شيهايقو" وشاركت في مهرجان الصين للسينما المستقلة، حيث تعرف وانغ شيويه بوه على العديد من المخرجين المشهورين، وبعضهم اقترح عليه أن يطور الفيلم القصير ((سكين في مياه صافية)) الذي لا تتجاوز مدته 26 دقيقة إلى فيلم طويل، وأبدوا الرغبة في مساعدته.

باعتباره مخرجا جديدا غير مسلم، كان إنتاج فيلم موضوعه حياة المسلمين في شمال غربي الصين تحديا صعبا. جدير بالذكر أن أكثر من 80% من محتوى القصة وصف للعوالم النفسية، فبطل القصة ما تسي شان مسن قليل الكلام ومشغول البال، وتدور تبادلات وتفاعلات كثيرة بينه وبين ثوره، فكيف للمخرج أن يجعل المشاهد يعايش هذه الحالة الروحانية؟ في عام 2010، دعا الزميل شي يان وي الكاتبة المسلمة ما جين ليان والأستاذة ما يويه لمساعدته في كتابة السيناريو السينمائي لتلك القصة. سافر وانغ شيويه بوه إلى منطقة شيهايقو مرة أخرى لتجربة الحياة المحلية لعشرة أشهر، حيث قام بأعمال تحضيرية كثيرة لتصوير الفيلم. قال وانغ شيويه بوه: "في الأيام التي أمضيتها بالمناطق الريفية في شيهايقو، كنت كلما أمر ببوابة دار، يخرج رب الأسرة ويدعوني إلى بيته، أو يقدم لي الشاي والخبز من دون أن أطلب. شاركت أبناء القرية أفراحهم وأتراحهم. كنت أسير في ركابهم إلى السوق المحلية لأتحدث معهم وأعرف اللهجة المحلية وعادات وتقاليد المسلمين المحليين وأسلوب حياتهم." ولكن بسبب عدم وجود التمويل الكافي وانسحاب الممثلين ونقص التجارب، لم يبدأ وانغ شيويه بوه أعمال التصوير رسميا إلا في أكتوبر عام 2015، حتى أنجز هذا الفيلم الذي تبلغ مدته 90 دقيقة في عام 2016.

"النظافة" كلمة مفتاحية في هذا الفيلم، تتجلى في كل جانب منه. مثلا، لا يطعمون ولا يسقون الثور قبل ذبحه حتى يصير جسده نظيفا من الداخل، يغسل ابن السيد ما جسد الثور بجد ودقة ويقدم له أفضل العشب والمياه النقية. ذات مرة، وبينما عم الجفاف، قال الشيخ المسن إن الثور لا ينبغي أن يشرب ماء غير عذب. قال المخرج وانغ: "عرضت في الفيلم كرامة وإصرار هذه الأسرة وعواطفهم تجاه الثور. كما يتضمن الفيلم مشاهد الوُضوء والغُسل للمسلمين، وغيرها من المشاهد التي ترمز إلى النظافة. كما أن وصية الجدة بسداد الدين، نوع من الطهارة، فسداد الدين وسيلة لتطهير الذات."

الحصاد

في أكتوبر عام 2016، عُرض فيلم ((سكين في مياه صافية)) لأول مرة في الدورة الحادية والعشرين لمهرجان بوسان السينمائي الدولي، وفاز بجائزة "التيارات الجديدة" للمهرجان. وقال رئيس لجنة تحكيم هذه الدورة للمهرجان المخرج المالي سليمان سيسيه للمخرج وانغ شيويه بوه، إنه عندما شاهد الرجل المسن في نهاية الفيلم، ذرف الدموع، وشعر بأن قلبه "ثقيل يشبه سقوط برج إيفل"، وإن أداء الممثل المسن رائع وقوي، له وجه يثير صدى عالميا.

في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته السادسة عشرة في ديسمبر عام 2016، عُرض فيلم ((سكين في مياه صافية)) وفاز بجائزة أفضل إخراج. وبعد عرض الفيلم، نهض جميع المشاهدين وصفقوا لمدة خمس دقائق تقديرا لهذا الفيلم. من بين هؤلاء المشاهدين المخرج والمنتج وكاتب السيناريو المجري بيلا تار رئيس لجنة تحكيم تلك الدورة للمهرجان، وقال إنه الفيلم الأكثر إثارة للصدى منذ تأسيس المهرجان الدولي للفيلم بمراكش. ومنحت لجنة التحكيم جائزة أفضل إخراج للمخرج وانغ شيويه بوه، تقديرا لتقديمه منطقة شيهايقو بنينغشيا عبر الفيديو لسنوات، والثناء عليه لإبداعه مجموعة من المشاهد الروحانية ذات المغزى للمسلمين من قومية هوي في منطقة شيهايقو.

بالإضافة إلى ذلك، فاز ((سكين في مياه صافية)) بالجائزة الخاصة لأفضل تصوير للجنة التحكيم وجائزة شبكة ترويج السينما الآسيوية بمهرجان هاواي السينمائي الدولي في دورته السادسة والثلاثين، وجائزة المخرج الجديد الممتاز لمنتدى الشباب للأفلام باللغة الصينية لدورته الحادية عشرة وجائزة أبرز مخرج للدروة السابعة لمهرجان بكين السينمائي الدولي، والجائزة الخاصة للجنة التحكيم للدورة الثامنة لجمعية الصين لمخرجي السينما، وجائزة الروح الدينية للدروة الخامسة والثلاثين لمهرجان فجر السينمائي الدولي في إيران. وعُرض في مهرجانات السينما الدولية في فانكوفر وطوكيو وروتردام وغوتبورغ وميونيخ وسياتل وغيرها من عشرين مهرجانا. وفي الرابع من إبريل عام 2018، بدأ عرض هذا الفيلم في العديد من المدن الصينية، وشهد إقبالا جماهيريا واسعا أيضا.

وانغ شيوه بوه، أعرب عن شكره للكاتب شي شو تشينغ على ثقته به واقتراحاته، وشكر المخرجين على مساعدته، وشكر الممثلين في الفيلم. أما بالنسبة لزميله شي يان وي، يبدو أنه لا يستطيع أن يعبر له عن شكره بالكلام. يعقد وانغ شيوه بوه العزم على إبداع المزيد من الأفلام الرائعة للمشاهدين في أنحاء العالم.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037