مسلمون صينيون < الرئيسية

ما بين مكة والمدينة.. الصينيون يشهدون منافع لهم ولوطنهم

: مشاركة
2019-08-30 17:44:00 الصين اليوم:Source أحمد إسماعيل:Author

في الحادي والثلاثين من شهر يوليو عام ألفين وتسعة عشر الميلادي، الموافق الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة ألف وأربعمائة وأربعين هجرية، نظم الحجاج الصينيون في السعودية فعالية لتعليم بعض المحليين، الحوارات اليومية البسيطة باللغة الصينية. وحسب قاو تشان فو، نائب عميد المعهد الصيني للعلوم الإسلامية في بكين، فإن تلك الفعالية أبرزت الروح الوطنية المتزايدة لمسلمي الصين وفخرهم الوطني. وفي صورة نشرتها صحيفة ((هوانتشيو)) (غلوبال تايمز) الصينية في الرابع من أغسطس 2019، يبدو مسلم صيني يرتدي القبعة البيضاء المميزة لمسلمي قومية هوي وهو يعلم مجموعة من الشباب بعض حركات ألعاب الووشو الصينية التي يجيدها أبناء القوميات المسلمة في الصين. وتضمنت الفعاليات أيضا، إضافة إلى الووشو، تعليم فن الخط الصيني وطرق طهي الطعام الصيني. وحسب السفارة الصينية في السعودية، فإن أفرادا من وفد حجاج مقاطعة يوننان قاموا بنشاط وطني في المملكة العربية السعودية للتعبير عن حبهم لبلدهم، من خلال كتابة قصائد الشعر وعمل لوحات فن الخط والرسم.

وكانت الدفعة الأولى من الحجاج الصينيين لعام 2019، قد وصلت إلى مكة المكرمة في الخامس عشر من يوليو، قادمة من منطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي الواقعة في شمال غربي الصين ومن مقاطعة يوننان الواقعة في جنوب غربي الصين.

في عام 2018، أدى حوالي 12 ألف مسلم صيني فريضة الحج، وتشير التقديرات إلى أن العدد في موسم 2019 لن يكون أقل من العام السابق له، وإن كان العدد الرسمي لم يتم حتى الآن الإعلان عنه. ويرافق حجيج الصين بعثة رسمية مكونة من أكثر من ستمائة فرد، منهم المتخصصون في الخدمات الطبية ومسؤولو الطعام والتنقلات والإقامة، وفقا للجمعية الصينية الإسلامية.

إن هذا يعيدنا إلى بداية رحلة الصينيين مع الحج إلى بيت الله الحرام. فمنذ دخول الإسلام إلى الصين في فترة أسرة تانغ (618-907 م)، صارت زيارة بيت الله الحرام في مكة المكرمة أمنية كل مسلم صيني. وكما هو الحال في كافة أصقاع العالم التي عاش فيها المسلمون قبل مئات السنين، كانت رحلة الحج شاقة قاسية في زمن لم تكن وسائل المواصلات فيه ميسرة. وثمة آراء تذهب إلى أن خصي البلاط الصيني المشهور تشنغ خه، المسلم ابن قومية هوي، الذي قاد أسطولا بحريا ضخما في الفترة من عام 1405 وحتى عام 1433، وهي فترة حكم الإمبراطور يونغ له والإمبراطور شيوان ده، إبان عصر أسرة مينغ، في رحلة تكررت سبع مرات منطلقا من ميناء ليوجيا القريب من مدينة سوتشو في مقاطعة جيانغسو، كان غرضه ودافعه للقيام برحلاته إلى الدول العربية والإفريقية، هو أن يصل إلى مكة المكرمة ويؤدي فريضة الحج. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن تشنغ خه، واسمه الأصلي ما سان باو، هو الجيل السابع والثلاثين من نسل رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأن جده الشيخ مي دي نا، وكان رئيس بلدة تشنيانغ التي تنتمي لها أسرته، أدى فريضة الحج، وكان أبوه رئيس تلك البلدة، وأدى فريضة الحج أيضا، ومن ثم فإن أداء الحج من تقاليد هذه العائلة. وتذكر سجلات التاريخ الصينية أن أسطول تشنغ خه وصل إلى شاطئ البحر الأحمر، وحيث أن المسافة المستقيمة بين مكة وبين البحر الأحمر لا تزيد عن مائة كيلومتر، فمن المنطقي أن يكون تشنغ خه حج البيت، وتؤكد سجلات أسرة مينغ أن تشنغ خه كان يعرف شعائر الحج وأنه أدى الفريضة.

استمرت تقاليد الحرص على الحج لمسلمي الصين عبر التاريخ، إلى أن تعرضت الصين للغزو الياباني في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. وبينما كان الصينيون يخوضون حرب مقاومتهم ضد العدوان الياباني، قرر عدد من المسلمين الوطنيين، السفر إلى مكة المكرمة لتعريف مسلمي العالم، في طريق ذهابهم وعودتهم، بأهمية حرب مقاومة العدوان الياباني وفضح محاولة الغزاة اليابانيين الذين أرسلت حكومتهم العميلة في الصين وفد حج، لكسب دعم العالم الإسلامي والعربي. في عام 1937، بعد وقت قليل من عودة بعثة الحج الصينية برئاسة الشيخ ما لين، رئيس حكومة مقاطعة تشينغهاى، اقتحمت القوات اليابانية مدينة وانبينغ (حادث 7 يوليو). وبعد ذلك احتلت شانغهاي، وقطعت طريق الحج البحري التقليدي للمسلمين الصينيين، مما أثار غضب من كان يستعد من الصينيين المسلمين للحج. من أجل إظهار حبهم للدين والوطن، سافر مئات المسلمين الصينيين إلى مكة المكرمة للحج، وقد استغرقت رحلة الذهاب والعودة سنتين، وأُستشهد ثمانية أفراد منهم في الطريق. في عام 1939، وعندما أرسل المحتلون اليابانيون بعثة من الحجاج الموالين لهم، نظم الطلبة الصينيون الذين كانوا يدرسون بالأزهر الشريف في مصر برئاسة محمد مكين ما جيان في يناير عام 1939 وفد حج باسم "بعثة حجاج قومية هوي الصينية". وقد استقبل الملك عبد العزيز آل سعود أفراد بعثة الحج الصينية الأزهرية، حيث أطلعوه على موقف مسلمي الصين الموحد من قضية مقاومة العدوان الياباني وإنقاذ الوطن. وتقديرا لجهود الصينيين المسلمين في النضال ضد العدوان الياباني، وقع تشانغ كاي شيك، رئيس حكومة الكومينتانغ، في عام 1940 بيانا وصف مسلمي الصين بأنهم وطنيون بواسل، هبوا موحدين لمقاومة العدوان الياباني، منهم من يناضل بالبندقية ومنهم من يجمع التبرعات، وآخرون يدعون لقضية الصينيين العادلة في مكافحة العدوان الياباني. وجاء في ذلك البيان أيضا، أنه في تلك الحرب المصيرية والحاسمة للشعب الصيني في مكافحة الغزو الياباني، لم يهتم المسلمون الصينيون إلا بسلامة الوطن وإنجاز تلك المهمة التاريخية، وما قام به المسلمون لم يحظ باحترام وتقدير عال من قبل الصينيين غير المسلمين فحسب، بل حاز تعاطف ودعم الأصدقاء الأجانب أيضا، وإن ذلك يمثل حافزا لكل الصينيين للنهوض الذاتي.

بعد تأسيس الصين الجديدة في عام 1949، تبنت الحكومة الصينية سياسة حرية الاعتقاد الديني، بما في ذلك حق المسلمين في تأدية فريضة الحج. ولكن في ذلك الوقت، لم تكن هناك علاقات دبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والسعودية، فلم يستطع المسلمون الصينيون الحصول على تأشيرات دخول إلى السعودية. في عام 1955، وأثناء مشاركته في مؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز، التقى رئيس مجلس الدولة الصيني الراحل شو أن لاي برئيس الوزراء السعودي آنذاك الأمير فيصل بن عبد العزيز، وبحث معه مسألة حج الصينيين. وعلى ذلك، وفي أغسطس سنة 1955، أرسلت الجمعية الإسلامية الصينية بعثة الحج الصينية برئاسة نائب رئيس الجمعية، نور محمد دا بو شنغ، بعد أن حصل أعضاؤها على تأشيرة دخول السعودية من سفارة المملكة لدى باكستان، كما استقبل ملك السعودية عبد العزيز آل سعود أفراد البعثة.

وقد بلغ عدد أفراد بعثات الحج العشر التي نظمتها الجمعية من عام 1955 حتى عام 1964، 132 شخصا، ولكن توقفت بعثات الحج في فترة الثورة الثقافية في الصين (1966- 1976م)، ولم تستأنف إلا في عام 1979، عندما توجه فوج الحجاج الصينيين إلى مكة المكرمة برئاسة محمد علي تشانغ جيه، نائب رئيس الجمعية الإسلامية الصينية والإمام صالح آن شي وي، عضو اللجنة الدائمة للمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني وإمام مسجد نيوجيه.

وبعد أن انتهجت الصين سياسة الإصلاح والانفتاح، ومع نمو الاقتصاد الصيني بمعدلات عالية وتحسن مستوى معيشة الصينيين المسلمين على نحو متواصل، زاد عدد المسلمين القادرين على أداء فريضة الحج، فشرعت الجمعية الإسلامية الصينية في تنظيم أفواج الحج رسميا. وفي عام 2011، سمحت السلطات الصينية لأول مرة بتسيير رحلات لطائرات مستأجرة لنقل نحو ألفي حاج من ينتشوان في منطقة نينغشيا إلى المدينة المنورة مباشرة، لتضاف إلى أربع نقاط انطلاق أخرى في بكين وأورومتشي وكونمينغ ولانتشو.

وكانت الصين قد بدأت في ثمانينات القرن العشرين، تنظم بعثة حج للصينيين المسلمين الذين يحجون على نفقتهم الخاصة، بعد أن كانت بعثة الحج قاصرة على أشخاص رسميين وعلى نفقة الدولة، فارتفع عدد الحجيج الصينيين حتى وصل في عام 1990 إلى 1459، من بينهم 250 على نفقتهم الخاصة. وفي عام 1985، قام وفد صيني مسلم برئاسة خه بو لي، الرئيس الأسبق لمنطقة نينغشيا الذاتية الحكم لقومية هوي بزيارة لباكستان، قام خلالها الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق بكتابة رسالة بشأن مسلمي الصين إلى العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز، وجهت بعدها المملكة دعوة للوفد الصيني لزيارة السعودية في موسم العمرة وأداء فريضة العمرة. في نفس العام، أرسلت الصين بعثة الحج الصينية للمرة السابعة عشرة منذ تأسيس الصين الجديدة، وضمت 1900 حاج على نفقتهم الخاصة و40 عضوا للوفد الرسمي المرافق للبعثة. في عام 1989 ومع إقامة كل من الصين والسعودية مكتب تمثيل تجاري لكل منهما لدى الطرف الآخر، وصلت ست طائرات خاصة أرسلتها الصين لنقل المسلمين إلى مطار جدة مباشرة، حيث حصل 900 مسلم صيني على التأشيرة من هناك، وفي يوليو عام 1990، ومع إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والسعودية، صار وفد الحجاج الصينيين ملمحا مميزا في المشاعر المقدسة كل عام.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037