مسلمون صينيون < الرئيسية

ما تشونغ هوا ومطعم زهرة سالار

: مشاركة
2019-07-01 14:42:00 الصين اليوم:Source هناء لي ينغ:Author

قبل عشرين سنة، وصل إلى بكين لأول مرة الفتى ما تشونغ هوا وعمره ثماني عشرة سنة، قادما من محافظة شيونهوا بمقاطعة تشينغهاي. كان الفتى، ابن قومية سالار، غريبا في أرض غريبة، وكان معه حوالي خمسين يوانا فقط، ولا يعرف في بكين غير شارع اسمه نيوجيه، وهو منطقة مأهولة بأبناء قومية هوي، حيث يمكن أن يتناول طعاما إسلاميا حلالا، ولكنه لا يعرف موقع نيوجيه بالضبط. بعد وصوله إلى بكين، سار ما تشونغ هوا في شوارع العاصمة الصينية، وأمضى ليلة تحت جسر بجانب الشارع، حتى وجد مطعما إسلاميا في شارع بيوي بمنطقة تيانتشياو، فتناول أول وجبة له في بكين، ووجد عملا في هذا المطعم.

الكفاح ثمره وفير. ما تشونغ هوا، الذي كان ينام تحت الجسر ويمارس كافة أنواع العمل في المطعم، فتح بعد سنوات سلسلة مطاعم في بكين باسم "زهرة سالار"، يبلغ دخل أعماله التجارية منها عشرات الملايين يوان كل سنة. بالإضافة إلى ذلك، دعا أبناء مسقط رأسه في محافظة شيونهوا إلى بكين للمشاركة في إدارة المطاعم، مما حل مشكلة توظيف أكثر من ألفي شخص.

مهما كانت صعوبة الظروف، يتحقق الحلم طالما الأمل موجود، وقد أثبت ما تشونغ هوا ذلك.

تأسيس المشروع في بكين

محافظة شيونهوا بمقاطعة تشينغهاي هي المنطقة الرئيسية المأهولة بأبناء قومية سالار في الصين. أبناء قومية سالار برغم أن عددهم ليس كبيرا، ينتشرون في أنحاء الصين، ويمارسون التجارة، وكثير منهم يشتغلون في مجال الأطعمة الإسلامية. صاحب المطعم الذي دخله ما تشونغ هوا جائعا، ابن محافظة شيونهوا بمقاطعة تشينغهاي، وقد اهتم به ما تشونغ هوا كثيرا لأنهما من نفس مسقط الرأس. كان ما تشونغ هوا أكثر اجتهادا من العاملين الآخرين في المطعم.

بفضل تحمله للمشقات والأعمال الثقيلة وذهنه الحاضر وبديهته السريعة، عرف ما تشونغ هوا معلومات إدارة المطعم وحالة سوق المطاعم الإسلامية في بكين معرفة جيدة خلال عمله في المطعم. بعد عمله في بكين لمدة سنتين، وتحديدا في عام 2000، فتح ما تشونغ هوا مطعما إسلاميا صغيرا في منطقة يونغدينغمين في بكين، وكانت مساحته ثمانية وعشرين مترا مربعا، وفيه خمس طاولات طعام فقط. ثم جاءه الرخاء بفضل جده في العمل. فبعد سنة، ضم ما تشونغ هوا إليه مطعما مساحته مائة وعشرون مترا مربعا بجانب مطعمه الصغير، وذاعت شهرة مطعمه في منطقة يونغدينغمن بفضل الأطباق الحلال بأسلوب شمال غربي الصين والجودة الجيدة والأسعار المعقولة والخدمات الدقيقة الشاملة، وازدهرت أعماله، حتى كان الزبائن يصطفون في طابور أمام المطعم انتظارا لدورهم.

ولكن جاءته مصيبة فجأة، إذ قررت حكومة بكين إعادة بناء منطقة يونغدينغمن وإنشاء حديقة يونغدينغمن من أجل المحافظة على التراث التاريخي الثقافي، وكان لا بد من إزالة كافة المحلات حولها في عام 2003. تمت إزالة مطعم ما تشونغ هوا، وكان ذلك صدمة شديدة له، ولكنها لم تكسره، بل زادته إصرارا. وجد ما تشونغ هوا مكانا قريبا من منطقة قوانغآنمن، وبدأ ترتيب واجهة المطعم بعد استئجار المكان. وكان يتابع أعمال ترتيب وزخرفة المطعم خلال تلك الفترة، ولم يهتم بوباء سارس الذي انتشر في بكين، وترك تأثيرات سلبية كبيرة على المجتمع والاقتصاد والنظام الطبيعي للإنتاج والحياة. مع ازدياد عدد ضحايا سارس، ازداد عدد الناس الذين اختاروا مغادرة بكين. في تلك الأيام الصعبة، لم يفقد ما تشونغ هوا ثقته، بل انتظر يوم إعادة افتتاح المطعم بعد انتهاء سارس. في 16 مايو 2003، أعلنت حكومة بكين انخفاض عدد المصابين بوباء سارس إلى صفر، وتمت السيطرة التامة عليه. في 17 مايو، افتتح ما تشونغ هوا مطعم "زهرة سالار" من جديد. خلال فترة انتشار وباء سارس، لم يكن أحد يجرؤ على تناول الوجبات خارج البيت، فشعر الناس بالانقباض لفترة، وبعد انتهاء الوباء خرجوا، فازدهرت أعمال المطعم بعد افتتاحه.

اكتشاف الأطباق الشعبية على طريق الحرير

أطلق ما تشونغ هوا على مطعمه اسم "زهرة سالار" لأنه ابن قومية سالار، وكلمة "زهرة"، التي تُنطق بالصينية "هوا أر" تحمل معنى آخر، وهو نوع من الألحان الشعبية المنتشرة في شمال غربي الصين، وهو من الثقافة القومية التقليدية لقوميات هوي ودونغشيانغ وسالار وغيرها من الأقليات القومية في شمال غربي الصين، ويعتبر ممثلا للثقافة في هذه المنطقة.

يثق ما تشونغ هوا بأن الأطباق الحلال بأسلوب شمال غربي الصين مميزة من بين الأطعمة الحلال الصينية، ومنها الأطباق الكلاسيكية اللذيذة والتي تتمتع بالثقافة التاريخية العريقة، وخاصة أن كثيرا من الأطباق الحلال بأسلوب شمال غربي الصين تنتشر على طريق الحرير القديم، وتتمتع بمزايا قومية وإقليمية. قرر ما تشونغ هوا أن يبدع ماركة "زهرة سالار" ذات الخصائص التاريخية الثقافية لطريق الحرير ويروجها في بكين.

استضافت بكين دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008، فأتاها الناس من أنحاء المعمورة. أدرك ما تشونغ هوا أن هذه المناسبة فرصة لترويج ماركة "زهرة سالار" وفرصة لعرض ثقافة الأطعمة الحلال الصينية وثقافة قومية سالار أمام العالم. فأنشأ فرعا جديدا لمطعم "زهرة سالار" في شارع نيوجيه في بكين. من أجل فتح هذا الفرع للمطعم، دعا ما تشونغ هوا بعض الخبراء والمصممين والطباخين في بكين لزيارة مسقط رأسه في محافظة شيونهوا، سعيا إلى دمج تاريخ هجرة أسلاف قومية سالار على طريق الحرير وتكاثرهم في أراضي الصين وتشكيلهم لقومية سالار، في تصميم مطعم "زهرة سالار" وتصميم أطباقه.

قال ما تشونغ هوا: "يرجع تاريخ كثير من الأطباق الأصيلة لقومية سالار إلى أكثر من ثمانمائة سنة، وترجع أصولها إلى تركمانستان في آسيا الوسطى وجاءت إلى الصين عبر طريق الحرير القديم. على سبيل المثال، لأبناء قومية سالار طعام، يسميه أبناء قومية هوي "حساء عاشوراء"، ونحن أبناء قومية سالار نسميه "قوجيه". ذات مرة، دعوت سفيرة تركمانستان لدى الصين السيدة تشينار روستاموفا لتناول وجبة، وكان طباخنا لا يعرف كيفية إعداد هذا الطعام بالأسلوب التقليدي، فدعوت أمي لإعداده وفقا للأسلوب التقليدي لأبناء قومية سالار، وعندما تذوقت السفيرة الطعام، قالت: "قوجيه". وأضاف ما تشونغ هوا، "إن أبناء تركمانستان يسمون هذا الطعام "قوجيه"، ونسميه نحن أبناء قومية سالار "قوجيه" أيضا. هذا الطعام المتوارث منذ مئات السنين، اسمه وطريقة إعداده ومذاقه نفس الشيء عندنا وعندهم." هذا الأمر يحفز ما تشونغ هوا على إعادة إحياء وتطوير الأطباق الشعبية والقومية، فأسس فرقة خاصة لزيارة شينجيانغ وتشينغهاي وقانسو وممر خشي وغيرها من المناطق الأخرى المأهولة بأبناء الأقليات القومية ودراسة الأطباق الشعبية والقومية فيها. قال ما تشونغ هوا، "زرنا بيوت الفلاحين، وطلبنا من المسنين في الأسر إعداد الأطباق بالأسلوب التقليدي واستخدام التوابل التقليدية، وقمنا بالتسجيل والدراسة، ثم عدنا إلى بكين للتجربة والتطوير." ما تشونغ هوا دقيق للغاية في تطوير الأطباق، ويطلب من الطباخين أن يقوموا بالتعديل مرة بعد مرة، سعيا للمحافظة على ثقافة الأطعمة الأصلية وعرضها إلى أكبر حد وملاءمة لأذواق الجماهير.

بالإضافة إلى ذلك، إذا قرر ما تشونغ هوا إعداد الأطباق الشعبية والقومية في مكان معين، يختار المواد الخام المنتجة في ذلك المكان لضمان الذوق الأصلي للأطباق الشعبية القومية. وأثبتت الحقيقة أن إستراتيجية ما تشونغ هوا نافعة، حيث لا يمكن للمطاعم الأخرى أن تقلد كثيرا من أطباق مطعم زهرة سالار، مما أرسى أساسا ثابتا لهذه الماركة وفتح الأسواق لها، وصار ذلك سلاحا سحريا للفوز بالإقبال في السوق.

في عام 2013، أسس ما تشونغ هوا شركة زهرة سالار المحدودة ببكين، التي تضم سبعة مطاعم باسم "زهرة سالار" وفندقا تجاريا، فتحول ما تشونغ هوا من صاحب مطعم إلى رجل أعمال.

مساعدة الآخرين

مسقط رأس ما تشونغ هوا هو محافظة شيونهوا في مقاطعة تشينغهاي والتي تصنف من المحافظات الفقيرة على المستوى الوطني. منذ فتح أول مطعم له، دعا ما تشونغ هوا أبناء مسقط رأسه لفتح وإدارة المطاعم في بكين، لإخراجهم من قريتهم الجبلية وقيادتهم لتوسيع الآفاق وتطوير أعمالهم في مجال أرحب. منذ عام 2003 حتى الآن، ساعد ما تشونغ هوا أبناء محافظة شيونهوا على فتح أكثر من مائة مطعم في بكين، ودفع توظيف أكثر من ألفي شخص من أبناء محافظة شيونهوا في بكين. يعتقد أن ظروفه أفضل من كثيرين من أبناء مسقط رأسه الذين يبحثون عن مصدر رزق، فتكون مساعدتهم بكل ما في وسعه عملا خيريا، وواجبا عليه كمسلم.

بينما يساعد ما تشونغ هوا أبناء مسقط رأسه، يشارك أيضا في نشاط "خزانة يباي للكتب" الخيري الذي نظمه صندوق الصين للرعاية الاجتماعية، حيث يتبرع لسنوات عديدة بالكتب للأطفال في المدارس الواقعة في المناطق الفقيرة في الصين، من أجل إثراء قراءة الأطفال. حتى الآن، استفاد أكثر من مائة ألف طفل من أكثر من عشرين قومية مثل قوميات هوي وهان والتبت ومنغوليا والويغور، من هذا النشاط.

يثق ما تشونغ هوا بأن الشخص الجاد يستطيع أن يغير نفسه، والشخص المثابر يستطيع أن يغير مصيره. في هذه السنوات، غير ما تشونغ هوا نفسه ومصيره، بينما ساعد مزيدا من الناس على تغيير حياتهم.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037