مسلمون صينيون < الرئيسية

الإمام ما تشانغ تشينغ

: مشاركة
2018-10-15 16:40:00 الصين اليوم:Source محمد علام:Author

في مسجد دونغقوان بمدينة شينينغ في مقاطعة تشينغهاي، وتحديدا في السابع عشر من يوليو سنة 2018، مشهد مهيب لأكثر من ثلاثمائة ألف فرد صيني مسلم، خرجوا جميعا للمشاركة في جنازة رجل واحد، هو الإمام عبد الله ما تشانغ تشينغ. حشد هائل من الناس، على اختلاف أعمارهم وأحوالهم، ينتهون من صلاة الجنازة حسب تعاليم الشريعة الإسلامية ليدخل الكثيرون منهم في سباق للإمساك للمرة الأخيرة بنعش الراحل، وهم يغادرون جميعا معه في رحلته الأخيرة نحو قبره، في مشهد قدسي مؤثر.

في السادس عشر من يوليو سنة 2018، رحل الإمام عن عمر ناهز 83 عاما، أفنى معظمها علما ونبراسا يعلم المسلمين في الصين أمور دينهم، وذاعت شهرته جميع أرجاء العالم الإسلامي باعتباره "إمام المسلمين في تشينغهاي"، وهو أيضا نموذج عملي لحرية المسلم الصيني في اعتقاده وممارسة شعائر دينه بحرية تامة، وكان أيضا عنصرا فاعلا بإيجابية ومضيفا ومؤثرا في مجتمعه ككل، فكان رحيله خسارة للصين كأمة كاملة.

السنوات الأولى

ولد الإمام ما تشانغ تشينغ، في منتصف ثلاثينات القرن العشرين لعائلة تعنى بالتعليم وتشتهر بتفقيه المسلمين الصينيين في أمور دينهم، فجده الشيخ ما وان فو كان أحد كبار أئمة المسلمين في الصين. وسط هذه البيئة ظهرت علامات بزوغ الطفل الصغير مبكرا، ففي الثالثة عشرة من عمره اعتلى الإمام عبد الله المنبر ليلقي الخطب.

لكن الأمور لم تكن دائما سهلة، فبعد عامين فقط من مولده، أشعلت النزعة الاستعمارية اليابانية المدججة بآلة حربية قوية حربها ضد الصين، لتدخل البلاد مرحلة مروعة من تاريخها استمرت حتى بعد عام 1945، حينما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، إذ استمرت بعض النزاعات مشتعلة في الداخل الصيني إلى أن أستقر الوضع في عام 1949، مع وصول الحزب الشيوعي للسلطة في البلاد.

وبالنظر لهذه السنوات الأولى من عمر الإمام الراحل، نجد فيها على قسوتها فرصة أكسبته انتماء غريزيا وحبا جارفا لوطنه الذي شاهده في طفولته يتعرض لحرب ظالمة. ورغم عدم تكافؤ الإمكانيات العسكرية رأى أبناء بلدته يحققون الانتصارات المتتالية، لتطير إلى مسامع الطفل الصغير حكايات وأخبار البطولات التي حققتها الفصائل الإسلامية مثل "فصيلة قومية هوي"، و"الفيلق الإسلامي"، و"فصيلة جيتشونغ"، وما أبلاه الصينيون المسلمون من تضحيات ودماء دفاعا عن وطنهم بجوار أبناء مختلف القوميات الصينية المتعددة.

حمل ثقيل

وضعت الأقدار مولد الإمام عبد الله ما تشانغ تشينغ في فترة جعلت حياته على الدوام ترتبط بالأحداث الجسام في مسيرة أمته طوال القرن العشرين، إذ بدأت الثورة الثقافية في الصين في شهر أغسطس من عام 1966، تلك الفترة الصعبة على الشعب الصيني بكامله، سنوات متتالية لم يعرف فيها هذا الشعب أي استقرار أو تنمية، وشمل الأمر التضييق الفكري أيضا.

وسط هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، لم يجد الإمام ما تشانغ تشينغ وسيلة لكسب عيشه سوى العمل في مهنة إصلاح الساعات، وفي الليل كان يواصل رسالته في التعليم والتدريس للناس سرا.

إن النقطة الأكثر أهمية التي يمكن أن نخرج بها من أحداث تلك السنوات، هي إدراك الإمام ما تشانغ تشينغ أن قسوة هذه الفترة طالت الجميع وأن ثقل الحجر الكبير جثم على الصدور الكافة، ولم يكن اضطهادا موجها ضد المسلمين تحديدا كما يحلو للبعض الادعاء بذلك ليلبس الأمر صورة غير حقيقية. وقد ظهر هذا جليا عندما بدأ التغيير مع نهاية السبعينات من القرن العشرين وانطلقت حركة الإصلاح والانفتاح، فوقتها كان الإمام ما تشانغ تشينغ أحد أبرز الأسماء التي استعانت بها الحكومة الصينية لإعلان عودة الحرية الدينية بشكل كامل، إيذانا ببداية المرحلة الأبرز وسنوات العطاء في حياة الإمام والتي ترافقت مع سنوات انطلاق الصينيين عموما لبناء أمة عظيمة مجددا.

سنوات العطاء

عندما اختير ما تشانغ تشينغ إماما لمسجد دونغقوان في شينينغ، بدأت بذلك الفترة الأهم من حياة الإمام الراحل، فعرف الناس عنه الإخلاص الشديد والتفاني في عمله، إماما يحمل رسالة الإسلام للمسلمين في الصين، مشرفا على حلقات تدريس العديد من أهم الكتب الإسلامية، سواء تلك التي كتبها علماء دين صينيون أو أمهات الكتب العربية والإسلامية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر كتاب ((إحياء علوم الدين)) لصاحبه الإمام أبي حامد محمد الغزالي، وكتب المذهب الحنفي، ودرّس أيضا للناس بعضا من أهم كتب البلاغة والنحو، وتخرج من تحت يديه أعداد كبيرة من الدعاة المستنيرين. هكذا أفنى الراحل حياته يعلم الناس دينهم، حلاله وحرامه، والقيم الأهم فيه بأن يكون الشخص صادقا وأمينا ومخلصا وحافظا للوعود، ومحبا للوطن الذي ينتمي إليه، وبطريقة عملية ومن مسجده وخارجه أثبت الإمام تلك القيم.

لا ينسى أحد من أبناء مدينة شينينغ موقفا أفصح عن بلوغ إخلاصه وتفانيه لدعوته مبلغا قل وجوده. بعد أدائه لفريضة الحج- والتي تزداد سنويا أعداد من يؤديها من مسلمي الصين، بمتوسط يصل حاليا إلي 15 ألف حاج سنويا، بينما كانت أول بعثة صينية تصل الأراضي السعودية لأداء فريضة الحج عام 1955 لا تتجاوز العشرين حاجا- وفور وصول الإمام إلى مدينته عاد إلى المسجد رأسا ليواصل عمله حتى قبل أن يعود إلى منزله ليلتقي بأهله أو يستريح من مشقة الرحلة الطويلة زمنا ومسافة. هكذا كان عبد الله ما تشانغ تشينغ دوما، مخلصا لعمله مدركا لرسالته، نموذجا ونبراسا للمسلمين وغيرهم من أبناء الصين في إتقان ما يفعلون، وهذه قيمة ومبدأ من قيم ومبادئ الإسلام.

وبجوار ذلك، لم يكن الإمام ما تشانغ تشينغ رجلا يجلس في المحراب دون تأثير في حياة الناس اليومية العادية، فلقد عمل لسنوات عديدة بنشاط في "الجمعية الإسلامية الصينية" التي تأسست سنة 1953، والتي تقوم بالكثير من الأنشطة والخدمات المجتمعية، مثل القوافل الطبية، وتجديد وعمارة المساجد، وتوزيع نسخ القرآن الكريم. ومن جهة أخرى، تعتبر الجمعية حلقة من حلقات الوصل المثمر والإيجابي بين الحكومة الصينية وأبناء الشعب من معتنقي الديانة الإسلامية، ومؤسسة تمثل المسلمين وتعبر عنهم وعن مبادئ دينهم الحنيف. ولذا، لم يكن مستغربا أن يشغل الإمام مناصب رسمية هامة في المجالس الحكومية والحزبية، فشغل مقعد نائب رئيس المؤتمر الاستشاري السياسي في مقاطعة تشينغهاي، والعضو الدائم للدورة الحادية عشرة والدورة الثانية عشرة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني.

وعلى مدى هذه السنوات، كان العام 2006 محطة بارزة ودليلا ناطقا لإخلاص الإمام للمسلمين الصينيين، ولاتباعهم لقيمة مساعدة المحتاج التي علمها لهم الإمام طويلا وكان قائدهم في تطبيقها. ففي هذا العام ضرب زلزال كبير منطقة "التبت"، وبجانب جهود المساعدة المختلفة، قاد الإمام الراحل حملة تبرعات جمع خلالها مبلغا يعادل مليوني دولار أمريكي لمساعدة ونجدة الضحايا وتقديم يد العون لهم.

من بلد الأزهر، تحية وسلام

كان عقد الثلاثينات من القرن الماضي حافلا بالمحطات الهامة، ففيه ولد الإمام ما تشانغ تشينغ، وفي مطلعه أيضا وصلت أول بعثة طلاب صينيين للدراسة في الأزهر الشريف، وفي عقد الثلاثينات كذلك برزت فكرة "الأخوة العالمية" في الأزهر وراودت أحلام علمائه. وعن ذلك يقول الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر إنها لا زالت تراود الأزهر حتى هذه اللحظة، تبدأ من الأخوة بين رجال الدين أولا، أو كما يقول اللاهوتي الكبير هانز كينج: "لا سلام للعالم بدون سلام ديني". على هذا الخط سار "مرصد الأزهر"، الذي يعمل به مختصون بتتبع الأخبار المتعلقة بالمسلمين من جميع أنحاء العالم، وتوضيح حقيقة الجماعات المتطرفة التي تتخذ من الدين ستارا لها. ويعنى المرصد كذلك بنشر الكتب والأبحاث بلغات العالم العديدة لتوضيح الدين الإسلامي للغير، وكذا يهدف للقضاء على الوهم المعروف باسم الإسلاموفوبيا. وقد سار المرصد على هذا الخط حينما نعي الإمام عبد الله ما تشانغ تشينغ، ووصفه بـ"الداعية الصيني النموذج"، ذاكرا أن الكثيرين من الدعاة المسلمين في الصين لا يعرف الكثير من المسلمين سيرهم، لكن المرصد يذكرهم ليكونوا "قدوة تحتذى لشباب المسلمين في العالم أجمع".

ومما قاله المرصد أيضا، إن البشرية في حاجة ماسة إلى تذكر من جاءوا إلى الدنيا ورحلوا عنها وقضوا حياتهم في نفع الناس وليس في ما يضرهم، وإن العالم في أمس الحاجة لتلمس ذكرى من فهموا دينهم فهما صحيحا ولم يجنحوا بفكرهم أو يشذوا في عقيدتهم، وإنه لا شك أنه فرق شاسع بين من فهم الدين وعمل بمقتضاه ونفع من وراءه وبين من شذوا عن المنهاج القويم فأضاعوا حقيقة الدين.

لقد رأى مرصد الأزهر الشريف في نهاية حديثه عن الإمام الراحل أن نموذج هذا العالم الصيني دلالة واضحة على أهمية أن يكون هناك رجال يكملون مسيرته في الحفاظ على الهوية الإسلامية في المجتمع الصيني.

هذه الفقرة الأخيرة من حديث مرصد الأزهر تحديدا شديدة الأهمية، ولا تمر مرور الكرام، وبها نختم حديثنا نحن أيضا، فالحكومة الصينية والأزهر الشريف يتشاركان فلسفة أن الأوطان بمجموع أبنائها على اختلافاتهم، فبينما تعتبر الحكومة في الصين المواطنين المسلمين جزءا لا يمكن فصله من نسيج مجتمعها ومن قومياتها الست والخمسين، يشكلون معا الصين الواحدة.

رحم الله إمام مسلمي تشينغهاي، وأبقى ما زرعه وما عمل من أجله.

--

محمد علام، باحث مصري في الشؤون الدولية

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037