مسلمون صينيون < الرئيسية

تساي يونغ تشينغ.. رفيق للجيش محب للوطن والدين

: مشاركة
2018-05-02 13:27:00 الصين اليوم:Source هناء لي ينغ:Author

خلال حرب مقاومة الشعب الصيني ضد العدوان الياباني، التي بدأت في عام 1931 وانتهت في عام 1945، هب أبناء الأقليات القومية الصينية حاملين السلاح للدفاع عن وطنهم. وقد كانت مفرزة قومية هوي بقيادة ما بن تشاي عضو الحزب الشيوعي الصيني، القوة الميدانية الرئيسية في سهل جيتشونغ (وسط مقاطعة خبي). كان أفراد هذه المفرزة المسلمون يحتاجون إلى أئمة يرشدونهم في الدين والحياة، فبدأت المفرزة في أغسطس عام 1938 تبحث عن أئمة لمرافقة الجيش. كان قد انضم دفعة من رجال الدين الإسلامي المحبين لوطنهم ودينهم إلى قوات مقاومة العدوان الياباني. كانت المهمة الرئيسية للإمام المرافق للجيش هي ذبح البقر والغنم والطيور وفقا للشريعة لإسلامية لضمان الطعام الحلال للجنود من أبناء قومية هوي، وترتيب الجنازات الإسلامية لدفن جثامين الشهداء من أبناء هوي الذين ضحوا بأنفسهم في الحرب، وإمامة الجنود في صلاة الجمعة وغيرها من النشاطات الدينية الإسلامية، إذا سمحت الظروف، فضلا عن الدعوة إلى مقاومة العدوان الياباني وتحفيز أبناء قومية هوي على الانضمام إلى الجيش وخوض الحرب ضد العدوان الياباني، ودعم مقاومة اليابانيين الغزاة. تحمل هؤلاء الأئمة مسؤولية مقاومة العدوان الياباني وإنقاذ الوطن المهدد بالخطر خلال فترة الحرب. كان من بين هؤلاء الأئمة، الشيخ تساي يونغ تشينغ الذي أفنى حياته في سبيل وطنه ودينه.

الإمام المناضل

وُلد الإمام تساي يونغ تشينغ في أسرة ريفية فقيرة من قومية هوي، في بلدة تشانغلو بمحافظة شنشيان التابعة لمدينة لياوتشنغ في مقاطعة شاندونغ في عام 1898. تتلمذ على يد إمام كبير، فتعلم القرآن الكريم منذ صغره في المساجد في غربي مقاطعة شاندونغ وجنوبي مقاطعة خبي ومدينة نانجينغ وبكين وغيرها، حتى تخرج في مسجد دونغتشيمنواي ببكين. ثم عاد إلى مقاطعة شاندونغ وأصبح إماما في محافظة لينتشينغ ومحافظة يانغقو بهذه المقاطعة. كان واسع المعرفة والعلم، ومتضلعا في علوم الدين الإسلامي واللغة العربية واللغة الفارسية، وذا روح نزيهة، فحظي بمحبة ودعم كثير من المسلمين.

وقعت "حادثة 7 يوليو" عام 1937، التي تؤرخ لاندلاع حرب مقاومة العدوان الياباني، وكانت مقاطعة شاندونغ قد وقعت بكاملها في يد اليابانيين المعتدين. وعندما احتل المستعمرون اليابانيون مدينة جينينغ بمقاطعة شاندونغ، قتلوا برصاصهم الغادر سبعة وعشرين مسلما، من بينهم إمام مسجد جينينغ الغربي وانغ هوا تشاي وعامل المسجد ما جي شيانغ. كانت الدماء تسيل في كل الشوارع. وفي مدينة فيتشنغ ومحافظة يينان بمقاطعة شاندونغ، ارتكب الجنود اليابانيون داخل المساجد جرائم الاغتصاب والحرق والقتل بلا رادع ولا وازع من ضمير، بل وصل بهم الأمر إلى ذبح الخنزير وتلطيخ أبواب المساجد بدمائها. الأكثر من ذلك، أنهم لجأوا إلى الخونة والعملاء لدعمهم، فقدموا الرشى للخائن ما ليانغ من قومية هوي والخائن تانغ يانغ دو وغيرهما لتأسيس جمعية حفظ الأمن بمدينة جينان وحكومة شاندونغ العميلة، بذريعة أن " أبناء قومية هوي يديرون شؤونهم بأنفسهم "و"أبناء قومية هوي يحكمون الصين". بيد أن أعمالهم أثارت السخط الشديد من أبناء قومية هوي وقومية هان وغيرهما من أبناء كافة القوميات الصينية. في عام 1940، عندما وقعت محافظة يانغقو في مقاطعة شاندونغ في يد الغزاة اليابانيين مرة أخرى، قرر تساي يونغ تشينغ الذي كان إماما في بلدة تشانغتشيو بالمحافظة، أن يعود إلى موطنه في بلدة تشانغلو للمشاركة في مقاومة العدوان الياباني.

المشاركة في المقاومة

تشانغلو بلدة هامة يقطنها أكثر من خمسة آلاف من أبناء قومية هوي، وفي غربها مقاطعة خبي وفي جنوبها مقاطعة خنان، ويمثل نهر ماجيا والمجرى القديم للنهر الأصفر حاجزين لها، ما يجعلها ذات موقع إستراتيجي هام. فضلا عن ذلك، تتميز بوجود قاعدة جماهيرية راسخة لمقاومة العدوان الياباني، فقد تأسست فيها فرقة حرب العصابات لأبناء قومية هوي لمقاومة العدوان الياباني بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، وبلغ عدد أفرادها أكثر من ثلاثين شخصا. عاد الإمام تساي يونغ تشينغ إلى بلدته ودعم المقاومة ضد العدوان الياباني بنشاط، فكان يوفر غطاء لرجال حرب العصابات لإخفاء الأسلحة داخل مسجد الإمام خه تشي كوان، حتى يهربوا من تفتيش الجنود اليابانيين الغزاة.

في أكتوبر عام 1942، قاد الجنرال ما بن تشاي مفرزة قومية هوي للانتقال من منطقة جيتشونغ في وسط مقاطعة خبي، إلى قاعدة مقاومة العدوان الياباني في شمال غربي مقاطعة شاندونغ، وأقيم مقر القيادة في بلدة تشانغلو. في حفل استقبال أقيم في المسجد، طرح الجنرال ما بن تشاي فكرة طلب إمام للجيش، فتم ترشيح تساي يونغ تشنيغ بتوصية من حكومة بلدة تشانغلو والأئمة والعاملين في مسجد تشانغلو الجنوبي ومسجد تشانغلو الشمالي وأبناء قومية هوي. بعد موافقة ما بن تشاي ومفرزة قومية هوي، أصبح تساي يونغ تشنيغ الإمام المرافق لمفرزة قومية هوي رسميا. وفي ذلك الوقت، كان تساي يونغ تشينغ في الرابعة والأربعين من عمره، وله أم عمرها نحو سبعين سنة وأربعة أولاد لم يبلغ أحد منهم سن الرشد. محبته لوطنه ودينه جعلته يختار من دون تردد السير في درب حرب العصابات ضد العدوان الياباني.

على مدى عامين، في سنة 1942 وسنة 1943، ضرب الجفاف منطقة شمال غربي مقاطعة شاندونغ. بارت الحقول، وكان على الجيش أن يواجه الحصار الذي فرضه الرجعيون لإبادتهم. ظل الإمام تساي يونغ تشينغ برفقة قيادة المفرزة، وزحف الجيش وقاتل نهارا وليلا في منطقة خبي وشاندونغ وخنان، فحظي بمحبة ودعم القائد ما بن تشاي وزميله ليو شي تشانغ من قومية هوي، ونال احترام المفوض السياسي للمفرزة تشانغ تونغ يوي ونائب القائد تشاو جيان مين للمفرزة وغيرهما من الرفاق من قومية هان.

عند الاستعداد للقتال، كان الجنود من قومية هوي يتوضؤون قبل الانطلاق، ويقاتلون بشجاعة. وبعد تحقيق الانتصار في القتال، يعد الجنود أرغفة الخبز المقلية، وهي نوع من الأطعمة الإسلامية لقومية هوي، احتفالا بالنصر الذي أحرزوه. وإذا استشهد أحد منهم، يغسله الإمام تساي يونغ تشينغ بيديه، ويصلي عليه صلاة الجنازة ويدفنه حسب الشريعة الإسلامية. كانت الأطعمة اليومية للمفرزة كلها حلال. كان الإمام تساي يذبح البقر والغنم، فلا يأكل الجنود المسلمون الميتة. إن وجود الإمام في مفرزة قومية هوي كان تجسيدا لتضامن أبناء القوميات وسياسة حرية الاعتقاد الديني، وقد حظي ذلك بدعم ومحبة أبناء قومية هوي وقومية هان وغيرهما من القوميات المختلفة. خلال أقل من سنة، التحق أكثر من ثلاثمائة شاب من قومية هوي وقومية هان بالجيش، فزاد عدد أفراد مفرزة قومية هوي من نحو سبعمائة شخص إلى أكثر من ألف شخص.

تطلب الوضع العام لمقاومة العدوان الياباني، انتقال مفرزة قومية هوي من مكانها في بداية عام 1944. وعندما تحدث المفوض السياسي للمفرزة تشانغ تونغ يوي مع الإمام تساي يونغ تشينغ راجيا منه أن يستمر في مرافقة الجيش، قال الإمام على الفور إنه لن يتخلف أينما انتقل الجيش. في اليوم الرابع من الشهر الأول وفقا للتقويم القمري الصيني، انطلق الإمام تساي يونغ تشينغ مع قادة المفرزة من محافظة بوشيان (محافظة فانشيان حاليا) بمقاطعة خنان إلى مستشفى في منطقة جيلويوي (خبي وشاندونغ وخنان) العسكرية لزيارة ما بن تشاي الذي لحقت به إصابة خطيرة. سالت دموع الإمام تساي وهو يودع القائد ما بن تشاي. في اليوم التاسع من الشهر الأول وفقا للتقويم القمري الصيني، بدأ الجيش التحرك. في الطريق، أحاط الضباط والجنود الإمام تساي، البالغ من العمر 46 عاما، بالعناية والرعاية، فوفروا له حصانا يركبه، ولكنه أصر على أن يسير على قدميه مثل الجنود الشباب نهارا وليلا. خلال شهرين، اخترق الجيش خط حصار العدو في سكة بينغهان الحديدية ودخل قاعدة تايهانغشان لمقاومة العدوان الياباني أولا، ثم واصل التوجه إلى الغرب لاختراق خط حصار العدو في سكة تونغبو الحديدية، واجتاز جبل ليويليانغ وعبر النهر الأصفر، حتى دخل قاعدة شنبي (شمالي مقاطعة شنشي). في ذلك الوقت، أعلن القائد يانغ ده تشي أن الرفيق ما بن تشاي توفي في السابع من فبراير، فألم حزن شديد بالإمام تساي يونغ تشينغ الذي كان يكبر ما بن تشاي بثلاث سنوات، وازداد إصرارا على التضامن مع الجيش في القتال، تعبيرا عن امتنانه لرعاية القائد ما بن تشاي وتحقيقا لأمنيته، وهي "دحر المعتدين اليابانيين".

في نهاية الشهر الثالث حسب التقويم القمري الصيني لعام 1944، عادت مفرزة قومية هوي إلى قرية وانغتشوانغ بمحافظة قانتشيوان التابعة لمدينة يانآن في مقاطعة شنشي، وهي قريبة من مدينة يانآن مقر اللجنة المركزية للحزب والرئيس ماو تسي تونغ، فشعر الإمام تساي يونغ تشينغ بأن كل شيء هنا جديد تماما. كان شديد التأثر ومنشرح الصدر. بعد ذلك، أعيد تشكيل مفرزة قومية هوي إلى لواء تدريب بقيادة الرفيق يانغ ده تشي، وتم تخصيص حصان وحراسة للإمام تساي يونغ تشينغ وفقا لمكافأة الأكفاء على مستوى الفوج، كما تم رفع مستواه المعيشي نسبيا، وواصل الإمام المرافق للجيش قيادة النشاطات الدينية الطبيعية.

قرية وانغتشوانغ ليست بعيدة عن مدينة يانآن، فكان الإمام تساي يونغ تشينغ يذهب دائما إلى مسجد يانآن لزيارة الإمام ما تشنغ فو (واحد من الثمانية عشر عضوا بحكومة منطقة حدود شنشي- قانسو- نينغشيا) لتبادل الرأي والمناقشة معه حول الشؤون الدينية والعقيدة والشريعة الإسلامية وغيرها من الموضوعات. وذات مرة، استقبله لين بوه تشيوي رئيس حكومة منطقة حدود شنشي- قانسو- نينغشيا، وأجرى محادثات ودية معه لمدة نصف ساعة. وحضر الإمام تساي يونغ تشينغ المؤتمر التحضيري للحكومة المشتركة في مدينة يانآن، حيث جلس مع ماو تسي تونغ وشو أن لاي وغيرهما من قادة اللجنة المركزية للحزب. وبعد انتهاء المؤتمر، جاء شو أن لاي إليه وصافحة وسأله عن أحواله وأوصاه بعدم القلق على أسرته والعمل في يانآن من دون قلق، وقدره قائلا: "أنت رجل دين، وقد التحقت بصفوف الثورة، طريقك صحيح ومتقدم."

العودة إلى الموطن

في خريف عام 1945، انتهت حرب مقاومة العدوان الياباني، فانتقل الإمام تساي يونغ تشينغ مع الجيش إلى قرية شيجياتشاي بناحية لانوه في محافظة قوانشيان التابعة لمدينة لياوتشنغ في مقاطعة شاندونغ، على الضفة الشرقية للنهر الأصفر، انتظارا للأوامر. تقديرا لظروف أمه المسنة وأولاده الصغار، وافق قادة الجيش على عودته إلى موطنه لزيارة أسرته، ومنحه نفقات السفر وحمار. بعد ثمانين يوما من السفر الشاق، عاد الإمام تساي يونغ تشينغ إلى موطنه وأسرته. بعد أيام من ذلك، حشد تشيانغ كاي شيك الجنود واستدعى القادة لشن الحرب الأهلية، فأصبح طريق العودة إلى يانآن محفوفا بالمخاطر، فضاق صدر الإمام وحزن كثيرا. وبعد اندلاع الحرب الأهلية، انسحبت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي من يانآن، وركزت قوات الكومينتانغ هجومها على مقاطعة شاندونغ. بذل الإمام تساي يونغ تشينغ جهودا جبارة في محاولة العودة إلى الجيش ولكنه فشل، وانقطع تواصله مع الجيش منذ ذلك الوقت.

عمل تساي يونغ تشينغ إماما في مساجد مختلفة بموطنه. بعد التحرير، انتخب عضوا دائما للدورات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة للجمعية الإسلامية الصينية على التوالي منذ عام 1955، وتولى منصب نائب رئيس الجمعية الإسلامية بمقاطعة شاندونغ ونائب رئيس اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني لمحافظة شنشيان وغيرها من المناصب. في عام 1984، ذهب وزير الجيولوجيا والموارد المعدنية تشانغ تونغ يوي، المفوض السياسي لمفرزة قومية هوي سابقا، من بكين إلى تشانغلو في محافظة شنشيان التابعة لمدينة لياوتشنغ في مقاطعة شاندونغ، لزيارة الإمام تساي يونغ تشينغ، وهناك كتب بخط يده:

"إلى السيد تساي يونغ تشينغ،

أزور بلدة تشانغلو في محافظة شنشيان، القاعدة الثورية القديمة، في مايو عام 1984، ويسرني أن ألتقي بصديقي القديم بعد فراق طويل. عملت مع الإمام تساي قبل 42 سنة، وكان إماما أوصت به الحكومة المحلية لمرافقة مفرزة قومية هوي. أعُده رجلا دينيا ساميا، ولكنه عاش مثل الجنود العاديين، فزحف مع الجيش في الليل وقطع ستين كيلومترا لاجتياز الجبال. نلتقي اليوم، قد بلغ عمره 86 سنة، ما زالت ملامحه وصحته طيبة مثلما كان في شبابه، أكتب هذه الكلمات متمنيا له صحة جيدة وعمرا مديدا."

في عام 1987، فاضت روح الإمام تساي يونغ تشينغ عن عمر ناهز تسعة وثمانين عاما، بعد حياة حافلة بمحبة الدين والوطن.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037