مسلمون صينيون < الرئيسية

جنبية باوآن

: مشاركة
2018-03-01 13:38:00 الصين اليوم:Source :Author

الأمة الصينية أسرة كبيرة مكونة من ست وخمسين قومية، أبدعت كل منها خلال تطورها ثروة مادية وثروة معنوية، فتشكلت الحضارة الصينية. قومية باوآن، واحدة من عشر قوميات صينية تدين بالإسلام، ويقيم معظم أبنائها في بلدة داخجيا بسفوح جبل جيشيشان الواقع على حدود مقاطعة قانسو ومقاطعة تشينغهاي، وبعضهم الآخر يعيش في مدينة لانتشو عاصمة مقاطعة قانسو ومنطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم. من الأشغال الفنية اليدوية التي تشتهر بها قومية باوآن، سكين الخصر (الجنبية)، والذي يعتبر واحدا من "السكاكين المشهورة الثلاثة للأقليات القومية الصينية"، مع سكين ييكسار لقومية الويغور وسكين هوسا لقومية آتشانغ. وفي عام 2006، أدرج فن صنع جنبية قومية باوآن ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني.

بفضل ابتكار وتوارث أبناء قومية باوآن لفن صنع الجنبية جيلا بعد جيل، تتمتع جنبية باوآن بدقة الصنع وجمال الشكل وحدة الشفرة، فضلا عن مغزاها الثقافي. هذه الجنبية ليست من المستلزمات اليومية لأبناء قومية باوآن فحسب، وإنما أيضا زينة جميلة وهدية تذكارية تقدم إلى الأقرباء والأصدقاء. ذاع صيتها بين أبناء الأقليات القومية المقيمين في شمال غربي الصين ووصلت شهرتها إلى الدول العربية. جدير بالذكر أن رئيس مجلس الدولة الصيني الراحل شو أن لاي، كان يقدمها هدية إلى الضيوف الأجانب.

قومية الحدادين

لجنبية باوآن حكاية قديمة. في فترة أسرة سونغ الجنوبية (1127- 1279 م)، افتتح حدادون من قومية باوآن دكان حدادة خارج بوابة المدينة التي كان يرابط فيها جيش مملكة سونغ. في ذلك الوقت، كان يتنازع على الحكم في الصين ست سلطات سياسية، هي: ممالك سونغ ولياو ومنغوليا وجين وشيشيا ودالي، ولم تكن الحروب بينها تتوقف. رأى جيش مملكة سونغ أن قيام الحدادين بصنع الأدوات الزراعية وأدوات القطع خارج بوابة المدينة يهدد أمن المدينة، فأرسل الجنود لإبعاد الحدادين، ولكن الحدادين قالوا: "نحن نصنع المستلزمات اليومية لعامة الشعب وملتزمون بالقانون، فلماذا يبعدنا جيش مملكة سونغ؟" تشاجر الحدادون مع الجنود وفقأوا عين أحد الضباط، وامتطوا خيولهم وفروا هاربين حتى وصلوا إلى بوابة المدينة التي كان يرابط فيها جيش مملكة منغوليا. بعد أن عرف جيش مملكة منغوليا، الذي ينتمي أفراده إلى قبائل ويحتاجون إلى حدادين، رحبوا بهم وأكرموا ضيافتهم، بل سمحوا لهم بإقامة دكان حدادة داخل المدينة. بعد انتصار المغول وتأسيس أسرة يوان (1271- 1368 م)، التحق الحدادون بجيش أسرة يوان بفضل مهارتهم في صنع مستلزمات الفرسان والأسلحة، واستوطنوا في منطقة داخجيا مع جيش أسرة يوان. كانت الجنبية من أسلحة الدفاع العسكري التي استخدمها أسلاف قومية باوآن كجنود يحرسون حدود الدولة، وبعد أن اعتنقوا الإسلام صارت الجنبية من مستلزمات حياتهم لذبح البقر والغنم.

وفقا للسجلات التاريخية، ترك إمبراطور المغول جنكيز خان بعض الجنود الذين جلبهم من آسيا الوسطى، في محافظة تونغرن بمقاطعة تشينغهاي، حيث عاشوا مع أبناء قوميات منغوليا وهوي وهان والتبت وتو، فشكلوا معا قومية باوآن. في السنة الأولى لحكم الإمبراطور تونغ تشي لأسرة تشينغ (1644- 1911م)، هاجر أسلاف قومية باوآن من محافظة تونغرن إلى الشرق، وعاشوا في محافظة شيونهوا أولا. في فترة الإمبراطور شيان فنغ لأسرة تشينغ، هاجروا إلى بلدة داخجيا وناحية ليوجي داخل محافظة جيشيشان. الآن، يعيش أبناء قومية باوآن في "القرى الثلاث لقومية باوآن"، وهي: دادون وقانمي وقاولي. بسبب قلة الغطاء النباتي وبرودة الجو وكثرة الكوارث في منطقتهم، لم يكن ممكنا ضمان الموارد المعيشية المستقرة اعتمادا على الزراعة، فبدأت صناعة التعدين تحتل مكانة رئيسية في الحياة الاقتصادية لهم. في عام 1957، ساعدت الحكومة المحلية الحدادين على تأسيس مصنع لأدوات القطع في بلدة داخجيا، وبدأ إنتاج جنبية قومية باوآن بكميات كبيرة. حاليا، يتقن نحو 20% من فلاحي باوآن في محافظة جيشيشان صنع الجنبية، ويمارسون هذا العمل في موسم الفراغ الزراعي.

حرفة يدوية رائعة

في بلدة داخجيا لمحافظة جيشيشان الذاتية الحكم لقوميات باوآن ودونغشيانغ وسالار بولاية ليشيا الذاتية الحكم لقومية هوي بمقاطعة قانسو، أكثر من عشرين دكان حدادة تصنع جنبية باوآن. في عام 2017، فاز الحداد ما كه لونغ، بلقب "العامل الحرفي" لولاية لينشيا، تقديرا لجهوده في توارث فن صنع جنبية قومية باوآن، كما فاز بلقب "الوارث الممتاز" للدورة الثالثة لمعرض الصين للتراث الثقافي غير المادي.

وُلد ما كه لونغ في أسرة تعمل بالحدادة في قرية دادون في عام 1980، اسمه الديني محمد شوقي. توارث فن صنع جنبية قومية باوآن من أسرته التي تعمل بالحدادة جيلا بعد جيل، ويمثل الجيل الرابع في أسرته. ترعرع ما كه لونغ داخل ورشة أبيه على رنين طرق الحديد. في سن العاشرة، بدأ تعلم تركيب أجزاء الجنبية وصقل الشفرة وطرق الحديد على يد أبيه. وعندما بلغ الحادية والعشرين من عمره، بدأ يصنع جنبية قومية باوآن بنفسه. قال: "تتكون جنبية باوآن من الشفرة والمقبض والغمد، وفن صنعها معقد يتضمن أكثر من ثمانين عملية، حيث يتطلب تصميم الشكل والرسوم واختيار المواد الخام وطرق الحديد بقوة متناسقة، مع إضافة الحديد الناعم والفولاذ المنغنيزي المتين إلى وجهي الشريحة الحديدية طبقة بعد طبقة، وسقي الحديد وترصيع المقبض والغمد بالأحجار الكريمة والفضة وقرون البقر وغيرها." هناك أنواع مختلفة من جنبية باوآن، منها شييانغجين ويويداو وبوريجي وياووتشي وشيقواتو. يجب أن ينتبه الحداد بحرص لمدة التسخين ودرجة حرارة الحديد وقوة الطرق ودرجة حرارة الماء ومدة سقي الحديد، كما ينبغي أن يكون ماهرا في نقش الرسوم والمقاطع الصينية على المقبض والغمد.

ما كه لونغ صارم في حرفته، ويسعى إلى تطوير وترسيخ فن صنع جنبية باوآن. صنع ثلاث جنبيات نموذجية، طول كل منها 8ر2 متر و8ر1 متر و3ر1 متر على التوالي، تحمل جميعها اسم "السكين الأول لجنبية قومية باوآن"، وهي محفوظة في متحف محافظة جيشيشان. قال ما كه لونغ بفخر إنه صنع مع صديق أطول جنبية في الصين، واستغرق صنعها 24 يوما، واستخدم في رسوم زخرفتها 78 كيلوغراما من أسلاك النحاس، واستهلك أكثر من 600 كيلوغرام من الفحم. أضاف: "بعد صنع هذه الجنبية، لزمت الفراش أياما بدون طعام أو شراب، منهكا من التعب، فقد كرست نفسي لصنعها."

ما كه لونغ لديه حاليا ورشة حدادة في بلدة داخجيا، وهو صاحب ماركة "جنبية كلونغ لقومية باوآن". فاز بجائزة "الوارث الممتاز" للدورة الثالثة لمعرض الصين للتراث الثقافي غير المادي، ولقب "الوارث لمشروع التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني (فن صنع جنبية قومية باوآن)" لمحافظة جيشيشان، وحصل على الميدالية البرونزية للدورة الثانية لمعرض الصين وماليزيا وإيران لمستلزمات الأقليات القومية في عام 2014، وشهادة براءة الاختراع لتصميم سيف "لاويه"، والجائزة الذهبية لمعرض لينشيا الدولي للأطعمة الإسلامية ومستلزمات الأقليات القومية، والجائزة الذهبية للدورة الثالثة لمعرض "كأس لياويوان" لمستلزمات الأقليات القومية في عام 2015، وشهادة براءة الاختراع لتصميم سيف كلونغ والميدالية البرونزية لمعرض لينشيا الدولي للأطعمة الإسلامية ومستلزمات الأقليات القومية، والميدالية البرونزية للدورة الرابعة لمعرض "كأس بايييتشنغ" لمستلزمات الأقليات القومية في عام 2016.

توارث فنون الأقليات القومية

تتطور قومية باوآن مع الجنبية، التي تعد حاملا لتاريخ وثقافة أبناء هذه الأقلية القومية، وتوارثا للأخلاق الممتازة لأبناء باوآن المجتهدين والشجعان جيلا بعد جيل. قال الحداد ما كه لونغ: "عندما كنت صغيرا، تقريبا كان كل رجال القرى الثلاث لقومية باوآن يتقنون فن صنع جنبية باوآن." تمتهن كل أسرة من قومية باوآن صنع الجنبية لكسب الرزق، وقد ارتفعت دخول أبناء باوآن كثيرا في ثمانينات القرن الماضي بفضل صنع الجنبية. ولكن الآن عدد الحدادين لهذا الفن التقليدي يتراجع عاما بعد عام، والسبب هو ارتفاع أسعار المواد الخام وبيئة العمل الصعبة ومشقة صنع الجنبية، وتنفيذ الحكومة لنظام السيطرة على الآلات الحادة في الصين. ولكن الحدادين من قومية باوآن، مثل ما كه لونغ، ما زالوا يعملون في الورش ويعكفون على بحث كيفية صنع جنبية قومية باوآن المرتفعة الجودة، ويعلمون التلاميذ هذا الفن. وتولي الحكومة المحلية اهتماما كبيرا لحماية وتطوير فن صنع جنبية باوآن، وقدمت استثمارات كبيرة في هذا المجال.

قال ما كه لونغ: "لدي حلم منذ صغري، وهو تطوير جنبية باوآن لأجعل كل شخص يعرف قوميتي وجنبية باوآن. وأشير هنا إلى أن شركة قومية باوآن للسياحة بمحافظة جيشيشان، باعت كل الجنبيات بماركة "كلونغ" التي صنعتها. وتشهد السياحة الريفية إقبالا كبيرا من الناس، وتم بناء طريق سريع على طول النهر الأصفر، الأمر الذي أتاح فرصة جديدة لتنمية "القرى الثلاث لقومية باوآن". أضاف: "يتزايد عدد القادمين إلى بلدتنا لزيارة ورشتي وشراء الجنبيات. كما أحاول تسويق منتجاتي عن طريق التجارة الإلكترونية لتأخذ جنبية باوآن طريقها من الصين إلى العالم." الآن، تُباع جنبية باوآن في مقاطعات قانسو وتشينغهاي وسيتشوان ويوننان ومناطق نينغشيا وشينجيانغ والتبت ومنغوليا الداخلية الذاتية الحكم وغيرها، وبعضها يصدر إلى اليابان وأوروبا والهند والسعودية ونيبال، وغيرها من الدول. وتعمل حكومة محافظة جيشيشان على توفير مزيد من الاستثمارات لتعزيز حماية فن صنع جنبية باوآن وجعلها وسيلة جديدة للتخلص من الفقر وتحقيق الثراء.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037