عقد في بكين يومي السابع والثامن من إبريل عام 2026، المؤتمر الوطني لقطاع الخدمات، وهو أول مؤتمر يعقد تحت هذا المسمى، وقد تم خلاله تحديد توسيع الانفتاح المؤسسي لقطاع الخدمات بوصفه إحدى المهام الرئيسية. كما شدد المؤتمر على التمسك بمبادئ "الانفتاح والتعاون"، والمضي قدما في تنفيذ برنامج تعزيز قدرات قطاع الخدمات والارتقاء بجودته.
وقال شياو هونغ وي، مدير مختبر محاكاة السياسات التابع لقسم التنبؤ الاقتصادي بمركز المعلومات الوطني للجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، في حديث صحفي، إن الصين تبعث إشارات سياسية إيجابية بشأن توسيع الانفتاح في قطاع الخدمات، وتنتهج سياسة انفتاح تقوم على الجمع بين الانفتاح الذاتي والانفتاح المنظم، بما يضخ زخما صينيا متواصلا في ازدهار تجارة الخدمات العالمية ونمو الاقتصاد العالمي. وأضاف: "في ظل تباطؤ تعافي الاقتصاد العالمي واستمرار تنامي النزعتين الأحادية والحمائية، فإن مواصلة الصين دفع الانفتاح العالي المستوى لقطاع الخدمات لا تمثل حاجة داخلية لتحقيق التنمية العالية الجودة فحسب، وإنما أيضا تجسد مسؤوليتها والتزامها تجاه تنمية العالم."
ضخ مزيد من اليقين في الاقتصاد العالمي
منذ انعقاد المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، شهد قطاع الخدمات في الصين توسعا مطردا في حجمه وتحسنا مستمرا في جودته وكفاءته، ولعب دورا مهما في دعم الارتقاء الصناعي وتلبية احتياجات المواطنين وتوسيع فرص العمل. وفي السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة انفتاح قطاع الخدمات في الصين، وتحول تدريجيا من تخفيف القيود على النفاذ إلى السوق إلى الانفتاح المؤسسي، مما أسهم في تشكيل نمط جديد من الانفتاح يتسم بتعدد الاتجاهات وتكامل المستويات واتساع المجالات. وبذلك أصبح قطاع الخدمات ركيزة مهمة للاستقرار في تنمية الاقتصاد العالمي المنفتح.
وأشار شياو هونغ وي إلى أنه في ظل تصاعد النزعتين الأحادية والحمائية، تمضي الصين بثبات في دفع الانفتاح العالي المستوى لقطاع الخدمات، والتوسع المنظم في الانفتاح الذاتي، بما يوفر للعالم توقعات مستقرة وثمينة. وعلى عكس بعض الدول التي تلجأ إلى الحمائية التجارية وفرض الحظر التكنولوجي، تلتزم الصين دائما بمفهوم الانفتاح والتعاون، وتعمل من خلال خطوات عملية على كسر الحواجز وتيسير تدفق الموارد والعناصر الاقتصادية، بما يتيح لثمار الانفتاح أن تعود بالنفع على العالم بأسره.
وتعكس الأرقام التالية ثمار الانفتاح. فقد أظهرت بيانات وزارة التجارة الصينية أن إجمالي واردات وصادرات تجارة الخدمات في الصين بلغ 08231ر8 تريليونات يوان (الدولار الأمريكي يساوي 8ر6 يوانات تقريبا حاليا) في عام 2025، بزيادة سنوية بلغت نسبتها 4ر7%، محافظة بذلك على المرتبة الثانية عالميا. كما أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيسي لأكثر من 160 دولة ومنطقة. ومن بين ذلك، بلغ إجمالي واردات وصادرات الخدمات الكثيفة المعرفة 08795ر3 تريليونات يوان، بزيادة بلغت نسبتها 6ر6%، فيما بلغ الفائض التجاري 29ر576 مليار يوان، بزيادة بلغت نسبتها 17ر158 مليار يوان مقارنة بالعام السابق. كما بلغ إجمالي واردات وصادرات خدمات السفر 2067ر2 تريليون يوان، فيما ارتفعت صادرات خدمات السفر بنسبة 5ر49%، مما يعكس زخما تنمويا قويا.
وأكد شياو أن تطور قطاع الخدمات في الصين لا يعود بالنفع على الشعب الصيني فحسب، وإنما أيضا يتيح للعالم بأسره تقاسم ثمار الانفتاح، ويسهم بقوة صينية في بناء اقتصاد عالمي منفتح.
فرص انفتاح السوق الصينية الفائقة الضخامة للعالم
تشكل السوق الصينية الفائقة الضخامة، التي تضم 4ر1 مليار نسمة، من بينهم أربعمائة مليون شخص من ذوي الدخل المتوسط، ميزة فريدة لانفتاح قطاع الخدمات في الصين، كما تمثل ساحة إستراتيجية للتنافس بين شركات الخدمات العالمية. ومع الارتفاع المستمر في مستويات دخل السكان في الصين والارتقاء المتواصل بالهيكل الاستهلاكي، يتزايد الطلب على استيراد الخدمات العالية الجودة، بما في ذلك خدمات السفر والنقل ورسوم استخدام حقوق الملكية الفكرية والخدمات المالية، مما يوفر لصادرات الخدمات من مختلف الدول مساحة سوقية واسعة ومستقرة.
وقال ليانغ هاو قوانغ، مدير مركز أبحاث التحديث الصيني التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، إن ميزة السوق الصينية الفائقة الضخامة تتحول باستمرار إلى عوائد تنموية يتقاسمها العالم بأسره، لتصبح "مرساة للاستقرار" في نمو الاقتصاد العالمي. وأضاف أن الصين تمر بمرحلة حاسمة من التحول من اقتصاد تقوده الصناعة إلى اقتصاد تقوده الخدمات، حيث ارتفعت القيمة المضافة لقطاع الخدمات من 5ر24 تريليون يوان في عام 2012 إلى 6ر76 تريليون يوان في عام 2024، مع استمرار ارتفاع إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي. وقد أصبح قطاع الخدمات ساحة رئيسية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع الانفتاح.
وأشار شياو هونغ وي إلى أن سلسلة من الإجراءات العملية، مثل توسيع نطاق الإعفاء من التأشيرات وتيسير المدفوعات وتسهيل ممارسة الأكفاء الأجانب لأنشطتهم المهنية في الصين، تعكس حرص الصين على استقطاب الموارد العالمية العالية الجودة من خلال الانفتاح. وفي الوقت الراهن، بلغت حصة الاستثمار الأجنبي المستخدم في قطاع الخدمات في الصين 70%، مما جعل هذا القطاع مركزا رئيسيا لاستقطاب رؤوس الأموال العالمية. لقد دخلت نسخة عام 2024 من القائمة السلبية للوصول إلى الأسواق بنفاذ الاستثمارات الأجنبية حيز التنفيذ رسميا، وتقلص عدد التدابير التقييدية على المستوى الوطني إلى 29 بندا، كما ألغيت جميع القيود المفروضة على الوصول إلى الأسواق بنفاذ الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع التصنيع، في حين يتواصل توسيع نطاق الانفتاح التجريبي في مجالات خدمات الاتصالات ذات القيمة المضافة والخدمات الطبية، مما يتيح لموردي الخدمات العالميين مساحة أوسع لدخول السوق الصينية.
وجدير بالذكر أن تسع مدن صينية، من بينها داليان ونينغبوه وشيامن، أدرجت ضمن البرنامج التجريبي الشامل لتوسيع الانفتاح في قطاع الخدمات، حيث تتولى تنفيذ 159 مهمة تجريبية أقرتها وزارة التجارة، تشجع هذه المدن على تطوير نماذج تنموية تتناسب مع مزاياها الجغرافية وخصائصها المحلية. فعلى سبيل المثال، تعمل داليان على تعزيز وظيفتها كمركز للنقل في منطقة شمال شرقي آسيا، بينما تركز نينغبوه على تطوير الأشكال الجديدة لأعمال الصيانة المعفاة من الرسوم الجمركية، وتسعى شيامن إلى تعميق التعاون في قطاع الخدمات بين دول "بريكس"، بما يسهم في تشكيل نمط من الانفتاح يشمل شرقي وغربي ووسط الصين، مع تواصل تحسين كفاءة تخصيص عناصر الإنتاج العالمية. كما تبرز فرص تحقيق قيمة مضافة من الاستثمار في قطاع الخدمات، إذ إن التوسع المستمر في الانفتاح في المجالات المالية والاتصالات والتعليم والخدمات الطبية يتيح للمستثمرين الأجانب المشاركة بصورة أعمق في تنمية سوق الخدمات في الصين وتحقيق المنفعة المتبادلة.
خبرات مؤسسية للعالم
لا تسهم الممارسات الاستكشافية الصينية في توسيع انفتاح قطاع الخدمات في تحقيق التنمية العالية الجودة داخل البلاد فحسب، وإنما أيضا تفرز خبرات مؤسسية قيمة، وتقدم حلولا صينية قابلة للتعميم للعالم عموما وللدول النامية خصوصا. وقد حدد المؤتمر الوطني لقطاع الخدمات بوضوح مسارا للتقدم التدريجي يقوم على التجريب أولا، ثم استخلاص الخبرات وتعميمها على نطاق أوسع، بالتوازي مع تحسين النظام المؤسسي لتوسيع انفتاح قطاع الخدمات. وقد حظي هذا النموذج بتقدير واسع من المجتمع الدولي.
وقال ليانغ هاو قوانغ إن مسار التقدم التدريجي القائم على التجريب أولا، ثم استخلاص الخبرات، وتعميمها على نطاق أوسع، يمثل حلا صينيا يمكن للدول النامية التي تسعى إلى استكشاف مسار انفتاح يتناسب مع ظروفها الوطنية الاستفادة منه. وأضاف أن الصين تواصل استكشاف آليات إدارة تدفقات البيانات عبر الحدود ونموذج إدارة القائمة السلبية لتجارة الخدمات عبر الحدود. فعلى سبيل المثال، عملت الصين بصورة استباقية على مواءمة أنظمتها مع القواعد الاقتصادية والتجارية الدولية العالية المعايير كالاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ واتفاقية الشراكة في الاقتصاد الرقمي، مما يوفر رؤى متعددة وخبرات عملية لتطوير قواعد تجارة الخدمات العالمية.
وفيما يتعلق بتقاسم ثمار التنمية، تعمل الصين بنشاط على تعميق التكامل بين تجارة الخدمات والاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر. وفي الوقت الراهن، تتمتع شركات الخدمات الرقمية الصينية بقدرة تنافسية عالمية في مجالات التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، كما تعمل على نشر المعايير التقنية الرقمية الصينية والحلول التطبيقية في الخارج، بما يسهم في دعم التحول الرقمي في الدول النامية. وفي الوقت نفسه، تشهد الخدمات الخضراء نموا سريعا، بما يعزز المواءمة بين القواعد المحلية والدولية المتعلقة بانبعاثات الكربون وإدارة البصمة الكربونية، ويوفر دعما ثابتا لعملية التحول الأخضر المنخفض الكربون على المستوى العالمي.
وفي إطار مبادرة "الحزام والطريق"، دفعت الصين، من خلال تعزيز الترابط في البنية التحتية، التنمية المستمرة لتجارة الخدمات في مجالات النقل والبناء والخدمات المالية وغيرها، كما أسهمت في الارتقاء المتواصل بمستوى تيسير تجارة الخدمات بين دول "بريكس"، وأضفت مضمونا جديدا على التعاون بين بلدان الجنوب. وكما أكد الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني شي جين بينغ، ينبغي التركيز على الاسترشاد بالطلب وتحقيق الإصلاحات والاختراقات والتمكين بالتكنولوجيا والانفتاح والتعاون، والعمل على فتح آفاق جديدة للتنمية العالية الجودة لقطاع الخدمات.
--
تشانغ لي جيوان، صحفية في مجلة ((تقرير الصين)).
