عين صينية < الرئيسية

ما بعد الوباء: "العودة إلى جزر منعزلة" أم "المصير المشترك"؟

: مشاركة
2020-07-02 16:18:00 الصين اليوم:Source هو يوي شيانغ ووو سي كه:Author

العولمة شيء تمارسه البشرية معا. والوباء الناجم عن فيروس كورونا الجديد (كوفيد- 19) ليس إنكارا للعولمة، بل هو برهان بشري وترقية للعولمة. لا ينبغي أن يتخلى البشر عن اتجاه العولمة، بل عليهم أن يفكروا في جعل العولمة أكثر شمولا لتفيد جميع البشر.

في بداية سنة 2020، اندلعت أزمة عالمية غير مسبوقة في زمن السلم، فأثارت تفكير العالم بشأن المصير المشترك مرة أخرى. مع انتشار الوباء واستمرار معركة مكافحته، فإن الدوائر الإستراتيجية والفكرية في مختلف البلدان تهتم بشكل متزايد بالكيفية التي سيؤثر بها الوباء على وضع العالم، وخاصة كيفية إعادة تشكيل العولمة والحوكمة العالمية. يواصل البعض التأكيد على ما يسمى بـ"العولمة العكسية"، محاولة دفع "عكس" العولمة وجعل المجتمع البشري يعود إلى "جزر منعزلة". بيد أن عولمة اليوم لم تعد اتجاها اختياريا، بل هي حقيقة قائمة ينبغي تحسينها وتعزيزها. إن اغتنام فرصة تفشي الوباء للصخب بمساوئ العولمة ليس هراء فحسب، وإنما أيضا لا يساعد في دفع الاقتصاد العالمي للخروج من الوباء في أقرب وقت ممكن. في عصر ما بعد الوباء، يجب أن نواجه اتجاه وقانون تطور العولمة، وأن نتمسك بمفهوم رابطة المصير المشترك للبشرية، وأن نبني علاقات دولية جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والإنصاف والعدالة والتعاون المتكافئ.

العولمة ليست سبب انتشار الوباء في العالم

الصين، بعد اندلاع وباء كوفيد- 19 فيها، قدمت كبيرة لمواجهة الوباء. من المؤسف أن انتشار الوباء في العالم لم يتوقف بل أصبح أكثر حدة. السبب الرئيسي هو أن العالم لم يتوصل إلى إجماع حول الحوكمة في مواجهة انتشار الوباء، حيث لم تكن الوقاية الأولية من الوباء قوية، كما لم يكن وعي الجماهير بالأزمة قويا. وقد ساهمت عوامل، مثل تسييس بعض البلدان أعمال المكافحة، في انتشار الوباء في جميع أنحاء العالم. في أوساط الصحة العامة الدولية يقولون: "حدوث الوباء أمر لا مفر منه، ولكن تجنب انتشار الوباء أمر ممكن." تعد العولمة منصة هامة للبشرية لتتحد وتتعاون لمكافحة الوباء.

على مدى السنوات القليلة الماضية، أدى التطور غير المتوازن وتكثيف عدم المساواة للعولمة إلى ظهور الشعبوية والحمائية بشكل متزايد، وظهر اتجاه "العولمة العكسية" في أنحاء العالم. في سياق الوباء العالمي، اتخذت البلدان المختلفة تدابير للسيطرة على الوباء، مثل الانعزال والمراقبة الجمركية، الأمر الذي يعيق تدفق الناس والبضائع وسيؤدي إلى عرقلة التنمية المفتوحة والانفتاح على المدى القصير، كما أن لدى البلدان المختلفة طرق فهم واستجابة مختلفة تجاه الوباء، أثارت خلافات وتناقضات عديدة حول الوباء، مما يؤدي إلى صعود الشعبوية والحمائية. العولمة الاقتصادية "سيف ذو حدين"، وقد أدى الوباء إلى تضخيم الآثار السلبية للعولمة إلى حد ما، ومن ثم فإن مسيرة العولمة تواجه اختبارات جديدة، ولا بد من حدوث تعديلات رئيسية وتغييرات هيكلية. إذا نظرنا إلى الوراء في مسيرة التاريخ، فإن العولمة لم تجلب فوائد ومزايا بنفس الحجم لجميع البلدان والمجموعات في العالم، وتجلت ظاهرة أن الأثرياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرا. لذلك، كانت العولمة محل انتقاد من الدول والمجموعات التي لا تستطيع الحفاظ على مصالحها الحالية أو الفوائد التي تتوقعها. سوف يجعل الناس يرون أن تكامل الاقتصاد العالمي شديد الارتباط مثل الشفاه والأسنان. وبينما تزيد العولمة الإنتاجية، فإن بها مواطن ضعف واختلال أيضا، وهناك حاجة إلى الافصاح عن مختلف المشاعر المعادية للعولمة.

تتفق التحليلات على أن العولمة ليست السبب في تفشي الوباء في العالم، لكنها أصبحت هدفا للسياسيين في بعض البلدان للانتقاد والشكوى والتهرب من مسؤولياتهم. عندما يواجه بلد ما مشكلات، لا يجوز له ببساطة التنصل من مسؤولياته، ولكن يجب حلها بعقلانية. تأثرا بالوباء، يتباطأ نمو الاقتصاد العالمي وتنكمش السوق الدولية، ما أدى إلى تدهور مسيرة العولمة، واشتد اتجاه "العولمة العكسية" والأحادية والحمائية. ومع ذلك، فإن الوقاية من الوباء ومكافحته تتطلب تعاونا عالميا وتحتاج إلى العولمة. ومن ثم، فإن "العولمة العكسية" قصيرة الأجل. لا تزال العولمة تدبيرا قويا وضمانة هامة لتنمية وتقدم البلدان في فترة ما بعد الوباء. علاوة على ذلك، ستدفع العولمة، التي تدخل مرحلة جديدة، اهتماما أكبر بالعدالة والإنصاف والشمول، وستضخ حيوية جديدة.

العولمة ليست ظاهرة مفاجئة لم يختبرها التاريخ

العولمة ليست عملية تحدث مرة واحدة، وإنما نتاج اختيارات تاريخية طويلة المدى. إنها اتجاه تاريخي واتجاه عالمي. وهي عملية طويلة المدى تتمتع بصلابة قوية. من الصعب تغيير قانون التطور التاريخي ومسار العصر بحدث واحد. منذ أن بدأت المسيرة التاريخية للعولمة البشرية في القرن السادس عشر، واجهت وشهدت بالفعل العديد من التحديات والانتكاسات والأزمات الخطيرة، وفي كل مرة تسببت في تغيير كبير في المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي. ومع ذلك، فإن اتجاه العولمة لم يختف أو ينعكس أبدا، بل استمر، بعد التعديل، في التعمق والتطور على نطاق أوسع ومستوى أعلى وأعمق، مما دفع اندماج المجتمع البشري إلى مجتمع أكثر ترابطا. وبالمثل، فإن وباء كوفيد- 19 قد يعزز اتجاه مناهضة العولمة في السنوات المقبلة، حتى لا يستبعد، أثناء الوباء أو بعده، أن تكون هناك زيادات في أسعار كمية كبيرة من البضائع في التجارة الدولية واختلال مؤقت لبعض السلاسل الصناعية وإعادة تنظيم للقوى الدولية واضطرابات سياسية في بعض البلدان. ومع ذلك، فإن الحقيقة الموضوعية التي يجب رؤيتها هي أن دول العالم لديها دافع قوي للغاية لاستعادة النمو الاقتصادي. حتى مع انتشار الوباء بشدة، تظل تلك الدول مترددة في اتخاذ القرار بشأن تقييد الأنشطة الاقتصادية، وبمجرد أن يخف الوباء قليلا، لا يكون بوسعها الانتظار لتحقيق إعادة تشغيل الاقتصاد بسرعة. إن استعادة الاقتصاد، ستكون عملية طويلة ومؤلمة للغاية في "نظام لا يعتمد على سلاسل إنتاج وإمداد عالمية" وفي "عالم مجزأ". إن ذلك من شأنه أن يطيل أمد الركود الاقتصادي والتدهور الاقتصادي الناجم عن الوباء. إن هذا بالتأكيد لا يتفق مع التطلعات المشتركة لجميع دول العالم.

أصبح الترابط بين جميع الأشياء السمة الأبرز للأنشطة البشرية في العالم اليوم. إن تقدم الإنترنت وتكنولوجيا إنترنت الأشياء والتغيرات الناتجة في طرق الإنتاج وطرق الاتصال لا رجعة فيها. على وجه الخصوص، فإن التطور السريع للذكاء الاصطناعي والبيانات الكبرى والحوسبة السحابية وتقنيات الجيل الخامس في جميع أنحاء العالم، كلها تجعل الترابط والتوافق البشري ملائما ومتينا أكثر. إن تقطيع السوق العالمية سيمنع هذه التقنيات الجديدة من العمل وإنتاج المنافع المستحقة، ولن تستطيع البلدان بذلك الحصول على الفوائد الاقتصادية وراحة الحياة التي تجلبها. إذا كانت البلدان تريد البقاء على قيد الحياة في هذا العالم المترابط والاستمتاع بالكفاءة والراحة التي تجلبها، فلا يمكنها إلا الدخول بنشاط إلى السوق العالمية والسلسلة الصناعية العالمية وقبول اختبار عصر العولمة.

تمثل العولمة الاختيار التاريخي للبشرية، وتتفق مع متطلبات عصر الترابط بين جميع الأشياء في مجتمع اليوم. لن يوقفها تفشي الوباء المؤقت، ولن تتراجع أمام بعض المحافظين والشعبويين. العولمة شيء تمارسه البشرية معا. ووباء (كوفيد- 19) ليس إنكارا للعولمة، بل يجب أن تتخذه البشرية كفرصة لإعادة التفكير فيها وتحسينها. لا ينبغي للبشر التخلي عن اتجاه تطور العولمة، ولكن التفكير في جعل العولمة أكثر نفعا لتنمية البشرية جمعاء.

العولمة هي الاتجاه المستقبلي للتنمية البشرية

التضامن والتعاون عالميا هما السبيل الوحيد للوقاية من الوباء العالمي ومكافحته في هذه المرحلة. لا تزال الوقاية من الوباء العالمي في فترة حرجة. يجب أن تتوصل البلدان إلى توافق بشأن الوقاية من الوباء ومكافحته. يجب أن ندرك أن الفيروسات لا تعرف حدود البلدان وأنها العدو المشترك للبشرية. فقط من خلال التخلي عن التحيزات الأيديولوجية والنظام الاجتماعي والعرق والدين، وما إلى ذلك، وزيادة الثقة المتبادلة والتعاون لمكافحة الوباء، يمكن لجميع البلدان إنهاء الفوضى والألم الناجم عن الوباء في أقرب وقت ممكن واستعادة الحياة السلمية والطبيعية. يجب على البلدان تعزيز تنسيق السياسات، والعمل معا في الوقاية من الوباء والسيطرة عليه، وتعزيز الاتصالات وتبادل المعلومات المعنية، ومساعدة البلدان النامية ذات أنظمة الصحة العامة الضعيفة لتحسين قدراتها على الاستجابة، فلا يمكن تحقيق النصر العالمي في معركة مكافحة الوباء إلا إذا تغلبت كل دولة على الفيروس. كما تحتاج السلسلة الصناعية إلى تعميق التعاون في مجال الطاقة الإنتاجية، واستكشاف إمكاناتها، وتحسين قدرة الإمداد. وفي الوقت نفسه، فإن الوقاية من الوباء ومكافحته تحتاج أيضا إلى أداء دور المنظمات الدولية بشكل أفضل. إن منظمة الصحة العالمية هي الوكالة الموجهة والمنسقة للقضايا الصحية داخل منظومة الأمم المتحدة. وتتمثل مهمتها الهامة في تحسين الحوكمة الصحية العالمية ومساعدة البلدان في جميع أنحاء العالم على مواجهة تحديات سلامة الصحة العامة. منذ ظهور الجائحة، لعبت منظمة الصحة العالمية دورا هاما في تقديم المساعدة المادية وتنسيق الأعمال والتعاون مع الدول المختلفة وتلخيص الخبرات وتبادل المعلومات في مكافحة الوباء، إلخ. ينبغي لدول العالم أن تدعم بقوة قيادة منظمة الصحة العالمية وأن تصر على التعاون في مجال الوقاية من الأوبئة ومشاركة المعلومات في إطار منظمة الصحة العالمية للقضاء على الوباء في وقت مبكر.

في ظل اتجاه تطور وباء كوفيد- 19، فإن العولمة الاقتصادية قد تتباطأ مؤقتا أو إلى حد ما، ولكن، باعتبارها اتجاه تنمية، لن تتغير، بل سوف تستمر في المضي قدما بقوة. بطبيعة الحال، جعل هذا الوباء العيوب العديدة للعولمة السابقة أكثر وضوحا للناس. ففي عملية العولمة، تمتعت الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة الأوليغارشية المالية لها، بأكبر فوائد للعولمة، في حين لم تحصل بعض البلدان، بل وبعض الناس العاديين في الولايات المتحدة الأمريكية، على الأرباح المستحقة في العولمة. في فترة ما بعد الوباء، ستستهل العولمة والحوكمة العالمية تعديلات تاريخية جديدة، ستكون أكثر انسجاما وشمولا مع الاحتياجات الإنمائية لجميع بلدان العالم، وخاصة البلدان النامية. ولا ينبغي للعولمة أن تكون أداة سلسلة قيمة تسعى من خلالها بعض القوى الكبرى إلى تعظيم مصالحها الخاصة.

في عصر ما بعد الوباء، ستدخل العولمة فترة تعديل عميقة. إن ذلك نتيجة تطور الوضع العالمي وتطور البلدان حول العالم. وقد أبدت العولمة سمات جديدة في تباطؤ سرعتها وتغير محتوياتها وانقسام تشكيلاتها وإعادة بناء قواعدها. وذلك يتمثل  في النواحي التالية: أولا سيزداد تأثير دور الدولة على السوق، أي ستكون هناك ظاهرة "الحكومة الكبيرة"، حيث سيزداد التدخل الوطني في السوق، وقد يندلع المزيد من "الاحتكاكات التجارية"؛ ثانيا، ستشتد المنافسة الإستراتيجية بين القوى الكبرى، مما سيؤدي إلى إعادة تنظيم النظام والوضع الجيو- اقتصادي والجيو- سياسي في مناطق مختلفة، مع ردود فعل مختلفة في شرقي آسيا وأوروبا والشرق الأوسط؛ ثالثا، سيصبح الابتكار والمنافسة التكنولوجيان  أكثر حدة، وستظهر تقنيات ونماذج وأشكال جديدة في الصناعات والمجالات المختلفة. ومع تسارع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنها ستحدد أيضا وضع البلدان في المنافسة الدولية.

حاليا، يشكل البشر رابطة مصير مشترك في مواجهة الجائحة. وفي مواجهة الأحداث الكبرى في الصحة العامة العالمية، سيكون هناك حتما "أصوات ضجيج"، ولكن الإنسانية في النهاية ضحية مشتركة، لذلك من الضروري أن يكون لدينا تفكير عالمي لمكافحة المخاطر. تحتاج مكافحة الوباء إلى تشكيل إجماع علمي وعقلاني، بدلا من الركون إلى الرأي العام غير العقلاني المتمثل في الشكوى والاتهام. لقد قلل وباء كوفيد- 19 من سرعة العولمة، لكنه لن يغير اتجاه العولمة واتجاه العصر. على الرغم من أن الحمائية التجارية والاحتكاك التجاري قد يشتدان في المستقبل، سيظل اتجاه تطور رابطة المصير المشترك للبشرية طويل الأمد ومستداما، وستظل العولمة توجها رئيسيا للمجتمع البشري.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037