يوافق عام 2026 الذكرى السنوية العشرين لتأسيس مجموعة "بريكس". في يومي الثاني عشر والثالث عشر من سبتمبر عام 2026، شارك الرئيس شي جين بينغ في القمة الثامنة عشرة لقادة دول "بريكس" التي عقدت في مدينة نيودلهي بالهند. وفي ظل هذه المرحلة المفصلية، التي تتسم بتحولات عالمية متسارعة وتحديات وأوجه قصور متشابكة ومتنوعة، عرض الرئيس شي بصورة منهجية موقف الصين ومقترحاتها في المحافل المتعددة الأطراف، ورسم مسار التعاون في إطار "بريكس الموسعة"، عقب توسيع عضوية المجموعة، بما يدفع إلى تحويل مفاهيم التعاون إلى عمل جماعي مستدام تشارك فيه دول الأسواق الناشئة. وقد اعتمدت القمة "إعلان نيودلهي"، كما أكدت الأطراف المعنية أن الصين ستتولى الرئاسة الدورية لمجموعة "بريكس" في عام 2027.
تستمر التحولات العالمية المضطربة، وتعود النزعة الأحادية إلى الظهور، وتتصاعد عقلية المواجهة العسكرية. وفي الوقت نفسه، يكشف استمرار أوجه القصور المستمرة في مجالات التنمية والأمن والحوكمة العالمية أن النظام الدولي التقليدي لم يعد قادرا على تلبية الاحتياجات الفعلية للدول النامية بالكامل. وعقب توسيع عضويتها، تبنت مجموعة "بريكس" نموذجا جديدا يُعرف بـ"11+10"، لتبرز كمنصة محورية تتيح لدول الجنوب العالمي بناء التوافق وتعزيز التعاون. وقد شدد الرئيس شي مرارا على ضرورة أن تتمسك "بريكس" بالتعددية، وتطبق نهج "بريكس+" المنفتح والشامل، وتتجنب تشكيل تكتلات مغلقة أو إقصائية، وأن تعمل كأداة حيوية للدفاع عن المصالح المشتركة للدول النامية.
بعد ظهر الثاني عشر من سبتمبر بالتوقيت المحلي، وخلال الجلسة الأولى للقمة، ألقى الرئيس شي خطابا مهما، أكد فيه ضرورة أن تسعى دول "بريكس" إلى أن تكون رائدة في مواكبة العصر، وذلك من خلال قيادة التنمية القائمة على الابتكار، وصون السلام والاستقرار، وتعزيز التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات، وإصلاح وتحسين الحوكمة العالمية.
إن دعوة الرئيس شي دول "بريكس" إلى السعي لأن تكون "رائدة في أربعة مجالات" تستند إلى ممارسات التعاون بين دول "بريكس" على مدى عشرين عاما، وترسم إطارا واضحا لتحقيق تنمية عالية الجودة في إطار تعاون "بريكس" بعد توسيع عضويتها.
فيما يتعلق بقضايا النظام الدولي والأمن، قال الرئيس شي إن العالم اليوم بعيد كل البعد عن الهدوء، إذ تزداد حدة التغيرات والاضطرابات بشكل متسارع. وشدد على ضرورة أن تتمسك دول مجموعة "بريكس" برؤية للأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وأن ترفض عقلية الحرب الباردة ومواجهة التكتلات، وتعارض انتهاك سيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، فضلا عن أداء دور بناء في تسوية بؤر التوتر، وتقديم إسهامات نوعية لإيجاد حلول تعالج كلا من الأعراض والأسباب الجذرية للمشكلات. وقد أُدرجت هذه الروح في الوثائق الختامية للقمة، مما يعكس بوضوح السعي المشترك لدول الجنوب العالمي إلى تحقيق العدالة والإنصاف.
التنمية هي المفتاح لحل المشكلات العالمية. وفي ظل الاضطرابات المتكررة في أسواق الغذاء والطاقة، دعت الصين خلال القمة إلى إعطاء الأولوية للتعاون التنموي، وصون الأمن العالمي الغذائي وأمن الطاقة، وتعزيز مرونة سلاسل الصناعة والتوريد، والتعامل المشترك مع الصدمات الخارجية الناجمة عن الصراعات الجيوسياسية والمضاربات في الأسواق.
وفيما يتعلق بالابتكار، أكد الرئيس شي جين بينغ ضرورة التحرك بحزم واستباقية، وتعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، ودعم تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المفتوحة المصدر، القائمة على الانفتاح والتعاون والمشاركة، ودفع التعاون العملي نحو مجالات وآفاق جديدة؛ كما رحب بمشاركة دول "بريكس" الفعالة في المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي.
في صباح الثالث عشر من سبتمبر (بالتوقيت المحلي)، حضر الرئيس شي الجلسة الثانية للقمة وألقى كلمة مهمة، قال في مستهلها إنه لكي تحقق مجموعة "بريكس الموسعة" نجاحا كبيرا وتحرز تقدما ملموسا، لا بد من ترسيخ أسس التعاون داخل المجموعة؛ إذ يتعين علينا الاستفادة من الروابط الوثيقة التي تجمع "بريكس" بالأسواق الناشئة الأخرى ودول الجنوب العالمي، والالتزام بالتعاون المنفتح القائم على المنفعة المتبادلة، وضمان استقرار وسلاسة عمل سلاسل الصناعة والتوريد، والعمل على بناء سوق كبيرة ومتكاملة. وعلاوة على ذلك، ينبغي لنا إنشاء حاضنات للابتكار، وتحديث الصناعات التقليدية، وتطوير القطاعات الناشئة، ووضع خطط للصناعات المستقبلية.
خلال هذه الجلسة، طرح الرئيس شي جين بينغ رسميا خمس مبادرات بشأن تعاون "بريكس الموسعة": أولا، مبادرة الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر والشامل. ستتولى الصين زمام المبادرة في تأسيس مجتمع للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر خاص بمجموعة "بريكس"، ودعم التعاون في تطوير وتطبيق النماذج اللغوية الكبيرة، واستضافة ندوات ودورات تدريبية متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي، وبناء منظومة مفتوحة للذكاء الاصطناعي. ثانيا، مبادرة تيسير التجارة والاستثمار. تقترح الصين إقامة شراكة بين دول "بريكس" بشأن المناطق الاقتصادية الخاصة، بما يتيح للدول إنشاء منافذ ذكية وتنسيق السياسات، وفتح آفاق جديدة للتنمية. وستقيم الصين منتدى "بريكس" لتجارة الخدمات في العام المقبل، بهدف تعزيز محركات نمو جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري، وترحب بالمشاركة الفعالة من جميع الأطراف. ثالثا، مبادرة التعاون في مجال الصناعة الرقمية. ستدفع الصين نحو إنشاء منصة سحابية للمنظومة الرقمية لدول "بريكس"، وتيسير التدريب على المهارات الرقمية وتبادل التقنيات والتكامل الصناعي، وذلك بهدف دفع عجلة تطوير الاقتصاد الرقمي بشكل مشترك. رابعا، مبادرة التعاون في مجال التصنيع الذكي. تستعد الصين لمساعدة الدول الأعضاء في مجموعة "بريكس" على إنشاء مصانع ذكية، ووضع المعايير واللوائح التنظيمية، والدفع المشترك لعمليات التحول الصناعي والارتقاء بالصناعة. خامسا، مبادرة تنمية الأكفاء في مجال العلوم والتكنولوجيا. تقترح الصين تأسيس تحالف "بريكس" لتدريب المهندسين، لتعزيز التنمية المشتركة للمهندسين الأكفاء وتحقيق الاعتراف المتبادل بمعايير الكفاءة، كما ستطلق الصين برنامجا للتبادل الشبابي في دول "بريكس" في مجال الابتكار العلمي والتكنولوجي، من أجل إعداد المزيد من الأكفاء المتميزين.
فيما يتعلق بالحوكمة المالية، أيدت القمة التوجهات التي تدعو إليها الصين دائما، والمتمثلة في تعزيز نطاق عمل "بنك التنمية الجديد" وتوسيعه، وزيادة الإقراض بالعملات المحلية، ودفع عجلة التعاون بشأن التسويات بالعملات المحلية بين دول "بريكس"، والحد من الاعتماد المفرط على نظام العملة الواحدة. وتهدف هذه التدابير إلى مساعدة البلدان النامية على خفض تكاليف التمويل وتعزيز قدرتها على الصمود في وجه المخاطر المالية الخارجية.
وفيما يتعلق بالتبادلات الحضارية، أكد الرئيس شي، خلال الجلسة الأولى للقمة، ضرورة أن تتمسك دول "بريكس" بدعم القيم الإنسانية المشتركة، وأن تدعو إلى التبادل والتعلم المتبادل والتعايش المتناغم بين الحضارات، مع ضمان نجاح منتدى "بريكس" للتبادلات بين الشعوب والثقافات، وتبادل الخبرات في مجال حوكمة الدولة، وخلق زخم إيجابي للتطور المطرد للعلاقات بين الدول. كما ينبغي بذل الجهود لتعميق التعاون في مجالات الثقافة والسياحة والتعليم، وتعزيز التبادلات الشبابية، وتشجيع المزيد من التفاعل وتوطيد الروابط بين الشعوب. ودعا إلى رفض نظرية تفوق الحضارات ونظرية صدام الحضارات، وإلى احترام حق كل دولة في اختيار مسارها الخاص للتحديث بشكل مستقل. ومن خلال منصات مثل ندوات الحوكمة وحوارات الشباب في إطار مجموعة "بريكس"، تتبادل الأطراف الخبرات التنموية وتستفيد منها، وتكسر السردية الأحادية للحداثة، مما يشجع دول الجنوب العالمي على استكشاف مساراتها التنموية المستقلة.
وأعلن الرئيس شي، أن الصين ستتولى الرئاسة الدورية لمجموعة "بريكس" في عام 2027، وستستضيف قمة "بريكس" التاسعة عشرة. وتتطلع الصين إلى العمل مع جميع الأطراف لبناء التوافقات وصنع مستقبل أفضل، وتدشين "العقد الذهبي" الثالث للمجموعة، بما يفتح بشكل مشترك آفاق مستقبل مشرق من الازدهار والتقدم.
وهذا يعني أن المفاهيم والمبادرات العملية التي طرحت خلال جلستي القمة ستحظى بفرصة كبيرة للتنفيذ والتطبيق الفعلي. وبالنظر إلى زيارة الرئيس شي إلى نيودلهي، نجد أن كلماته المهمة ومبادراته الدبلوماسية تحمل رسالة واضحة: تكمن قوة "بريكس" في تضامن الدول النامية. إن مشاركة الصين في تعاون المجموعة لا تهدف إلى المناورات الجيوسياسية، بل تسعى إلى تعزيز التعددية الحقيقية وتوجيه نظام الحوكمة العالمية نحو مزيد من الإنصاف والعقلانية.
ومع احتفال مجموعة "بريكس" بالذكرى السنوية العشرين لتأسيسها، ستواصل عائلة "بريكس" حشد الحكمة الجماعية لدول الجنوب العالمي وتحويل التوافق إلى إجراءات عملية، مما يضفي الاستقرار على عالم مضطرب ومتغير، ويسهم في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.
