أخبار < الرئيسية

أسرة ريفية في أربعين عاما

: مشاركة
2018-09-30 10:28:00 الصين اليوم:Source جيانغ فو مي:Author

 

وُلدتُ في أسرة ريفية بمدينة لونغيان في مقاطعة فوجيان. على مدى أربعين عاما، منذ سنة 1978 حتى اليوم، تخلص والداي من هاجس الجوع، وتلقيت أنا وأختي الكبيرة وأخي الصغير تعليما عاليا، وانتقلنا للإقامة في المدينة. حاليا، يجتهد الجيل الجديد لأسرتنا في الدراسة من أجل المستقبل، ويعيش أفراد ثلاثة أجيال من أسرتنا حياة مختلفة تماما عن حياة أسلافنا. في العطلة الشتوية الدراسية لعام 2018، عندما رأيت في معرض شيآن الأدوات الزراعية المتوارثة منذ أكثر من ألفي سنة في الصين، أدركت أن تلك الأدوات الزراعية والحياة الريفية اختفت من حياتي إلى الأبد.

الأب والأم

كلا والدايّ يتيمين، وقد أشرف شيخ العائلة على حفلة زواجهما. في عام 1978، كان عمر أبي ست وعشرين سنة، وعمر أمي أربع وعشرين سنة، ولديهما طفلان؛ أنا وأختي الكبيرة. في ذلك الوقت، كانت أسرتي وبضع عشرة أسرة أخرى تنتمي إلى فريق إنتاجي واحد، وكان البالغون والأطفال فوق عشر سنوات من العمر يحصلون على "نقاط العمل" مقابل المشاركة في العمل الجماعي. وكانت تلك "النقاط" تستخدم لمقايضتها بالحبوب واللحم والقماش واللوازم اليومية الأخرى.

تحمل ذاكرة طفولتي مشاعر الهلع الشديد من الجوع في بداية الصيف، إذ تكون حبوب الموسم المنصرم قد نفدت، بينما محصول الموسم الجديد لم ينضج بعد. لم يكن أمام أمي إلا أن تخلط شرائح البطاطا الحلوة بالأرز، لتطبخ وجبات الطعام لأسرتنا.

استمر هذا النمط من الحياة حتى عام 1978، عندما بدأت الصين انتهاج سياسة الإصلاح والانفتاح، وإن كانت أسرتي لم تشعر بهذا التغير الملموس حتى نهاية عام 1981. في ذلك الوقت انتهى نمط العمل الجماعي للفريق الإنتاجي، وتم توزيع الحقول الزراعية التي كانت تُزرع جماعيا، على كل الأسر حسب عدد أفراد الأسرة. بدأت أسرتي تزرع الحقول التي حصلت عليها وفق نظام المسؤولية التعاقدية الأسرية المرتبطة بالإنتاج، ووُلِد أخي الوحيد، فأصبحت أسرتنا مكونة من خمسة أفراد.

لم يعد أبي يقوم بالعمل الجماعي للحصول على عشر نقاط عمل كل يوم، بل صار يعتني بحقوله بكل دقة منذ بزوغ فجر كل يوم، فكان يحصد حصادا وافرا مرتين كل سنة. وفي موسم الفراغ الزراعي، كان يذهب إلى مزرعة التشجير الحرجية في الجبال ليكسب دخلا إضافيا من خلال حمل الخشب. في عام 1984، تمت إعادة توزيع الأرض، وحصل أخي الصغير الذي لم يكن عمره قد بلغ عشر سنوات على حصته من الأرض الزراعية. ومن حسن الحظ أن السماء استجابت لرغبة العباد، فحققت أسرتنا حصادا وافرا. باع أبي الفائض من الحبوب، واشترى محركا كهربائيا. وبفضل هذا المحرك الكهربائي، لم نعد نطحن فول الصويا يدويا، وبدأت أسرتي تصنع جبن الصويا وتبيعه لأبناء القرية. استطاعت أسرتي بهذا العمل البسيط تحقيق دخل إضافي، يخفف من فقر حياتنا.

أتقن أبي الذكي البارع مهارة بناء مواقد الطين بدون معلم. وتدريجيا، لم يعد في حاجة إلى أن يعيش من عرق جبينه وكد يمينه، فبدأ ينخرط في مزيد من الأعمال التي تتطلب مهارات تقنية، فعمل في إنتاج بذور الأرز، وأتقن زراعة التبغ وتجفيفه بالحرارة. ومع سرعة تداول السلع، أصبح للبطاطا الحلوة المجففة سوق محلية وعالمية، وانضم أبي إلى صفوف زراعة وصنع البطاطا الحلوة المجففة.

ظل أبي لسنوات طويلة يعمل بضع عشرة ساعة حتى عشرين ساعة كل يوم، وتشتغل أمي من الصباح الباكر حتى الساعات المتأخرة من الليل. صحيح أن هذه الأعمال المرهقة لم تجعل أسرتنا غنية، ولكنها دعمت معيشة أسرة من خمسة أفراد، وساعدتنا في دفع رسوم دراستنا بعد دفع الرسوم الزراعية والتعليمية ونفقات المواصلات وغيرها، مكنتنا من تحويل بيتنا الطيني ذي الغرفتين إلى دار مكونة من ست غرف رئيسية وصالتين.

أمضى أبواي عشرين سنة لجلب الحياة الرغيدة لكل الأسرة من خلال جهودهما، اغتناما لتيار الإصلاح والانفتاح. في أواخر تسعينات القرن العشرين، أتمت أختي الكبيرة دراستها وبدأت تعمل، والتحق أخي الصغير بالجامعة. يبدو أن أسرتنا ستعيش عيشة تختلف عن  حياتها السابقة تماما. كان جسد أبي قد أنهكته سنوات من الأعمال الشاقة، فبدأ ينسحب تدريجيا من الأعمال المرهقة.

أنا وأختي وأخي

في طفولتي، لم نعرف الجوع أنا وأختي الكبيرة. كانت ملابسنا غير كثيرة، ولكنها كافية بصورة عامة. كنا نصنع من الطين لعبا مثل الكلب الصغير والعربة الصغيرة، ونحيك الحذاء القشي ونصنع القلادات من سيقان النباتات. كانت تلك هي متعة طفولتنا مثل متعة طفولة أمنا.

في خريف عام 1982، التحقت أختي الكبيرة بالروضة، وكان عمر أخي الصغير أقل من سنتين، وعمري خمس سنوات فقط. كان لا بد لأمي أن تعتني بأخي الصغير، فذهبت أنا إلى الروضة مع أختي الكبيرة. كنا ندرس في غرفة في بيت المعلمة أحيانا، وفي غرفة جماعية قديمة للفريق الإنتاجي أحيانا أخرى. في وقت لاحق، انتقلنا إلى مدرسة رسمية، وتم بناء مزيد من حجرات الدرس في المدرسة مع ازدياد عدد التلاميذ.

في ذلك الوقت، كانت الحكومة والمدرسة تعمل على تنفيذ التعليم الإلزامي. كان لكل زملائي شقيق أو شقيقة، وكان المعلمون ينصحون التلاميذ الذين يغيبون عن المدرسة للعناية بالإخوة والأخوات الصغار أو القيام بالأعمال المنزلية في بيوتهم، بالعودة إلى المدرسة، وفي الوقت نفسه، كانوا يعملون من أجل بناء مزيد من حجرات الدراسة لقبول مزيد من التلاميذ. عندما كنت أستعد أنا وأختي الكبيرة للالتحاق بالمدرسة الإعدادية الجديدة، كان أخي الصغير يدرس في المدرسة الابتدائية الجديدة.

كنا جميعا ممتازين في الدراسة، فقد التحقت أنا وأختي بالجامعة معا في عام 1995. التحقت أختي بجامعة المعلمين، فأعفيت من رسوم الدراسة، بينما التحقت أنا بجامعة تشينغهوا في بكين، ولم تكن رسوم الدراسة فيها عالية، وحصلت على منحة دراسية. في عام 1997، تخرجت أختي الكبيرة في جامعتها الواقعة بحاضرة المقاطعة، وعادت إلى موطننا حيث عملت معملة في المدرسة الإعدادية. وفي عام 1999، التحق أخي الصغير بجامعة في بكين، وكانت رسوم الدراسة قد زادت أربع مرات عن رسوم دراستي. في عام 2002، حصلت على درجة الماجستير، وبدأت عملي في مركز أبحاث في بكين. تخرج أخي الصغير في نفس العام، وبدأ طريقه الوعر للبحث عن العمل.

عمل أخي الصغير في مؤسسة خاصة في بكين لمدة ثماني سنوات، وبسبب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، انخفض دخله كثيرا، فاُضطر إلى الاستقالة من العمل، ووجد عملا جديدا في شيامن في عام 2010. بفضل التطورات السريعة لصناعة المعلومات والتقنيات، تضاعف راتب أخي الصغير خلال ست سنوات. في الحقيقة، ارتفع راتبنا ثلاثة أضعاف على الأقل خلال البضع عشرة سنة الماضية.

الآن، يمتلك كل واحد منا، أنا وأختي وأخي، شقة في ثلاث مدن مختلفة، ولدينا مدخرات، ويكفي دخلنا للنفقات اليومية، ونقوم برحلات سياحية عادية كل سنة.

أطفالنا

قبل ولادة ابنتي في نهاية عام 2004، دعوت والديّْ للإقامة معي في بكين. كنت أنا وزوجي نرافقهما لزيارة ضواحي العاصمة في عطلة نهاية الأسبوع دائما، حتى ولادة ابنتي. وبعد ولادتها، تحمل والداي معظم الأعمال المنزلية والعناية بالطفلة مثلما يفعل المسنون الآخرون.

مضت الأيام دون أن نشعر بها. أصبحت أمي القوام الرئيسي لمساعدتنا، ولكن أبي لم يتأقلم مع حياتنا، فعاد إلى مسقط رأسنا ليعيش وحيدا. ظلت أمي معنا في بكين، تساعدنا على الطبخ وغسل الملابس وتنظيف الشقة وترافق ابنتي لحضور دروس الموسيقى والرسم والرقص وغيرها.

الآباء والأمهات الصينيون الذين يعيشون بدون قلق على الطعام واللباس، ولكل زوجين طفل واحد، استثمروا كثيرا من أموالهم وطاقتهم في تربية الأطفال. في المدن الكبيرة في الصين، ورغم أن الحكومة توفر التعليم المجاني، تتجاوز نفقات معظم الأسرة العادية على الدروس الإضافية والنفقات الأخرى للأبناء نصف النفقات اليومية للأسرة.

في عام 2013، أنفقنا حوالي سدس الدخل السنوي لنا لإرسال ابنتي في رحلة مدرسية لمدة عشرة أيام إلى أوروبا. والآن، يختار نحو ثلث زملائي القيام بالسياحة في خارج الصين مع أطفالهم في عطلتي المدارس الصيفية والشتوية.

في السنة الماضية، نجحت ابنتي في اختبار القبول بمدرسة إعدادية ممتازة. تتطلع ابنتي للدراسة في جامعة ممتازة في الصين وفي أفضل الجامعات الأوروبية والأمريكية. أما ابنة شقيقتي، فحالها يختلف عن حال ابنتي اختلافا كبيرا. هي تكبر ابنتي بخمس سنوات، وتلقت تعليمها الأولي في روضة بمسقط رأسنا، ودرست في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية التي تعمل أختي الكبيرة فيها. في يونيو 2018، شاركت في الاختبار الوطني للقبول بالجامعات، ولكن نتيجتها لم تكن ممتازة، وهي مترددة بين الالتحاق بجامعة عادية أو إعادة السنة والمشاركة في الامتحان العام المقبل على أمل الالتحاق بجامعة أفضل.

--

جيانغ فو مي، كاتبة حرة في بكين.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037