أخبار < الرئيسية

واقع ومستقبل العلاقات الصينية- العربية

: مشاركة
2018-07-11 10:26:00 الصين اليوم:Source حسين إسماعيل:Author

يحكم العلاقات بين الصين والدول العربية جملة من الحقائق التي تجعلها علاقات متميزة ومتفردة في آن واحد، ولعل أبرز تلك الحقائق ما يلي:

أولا: أن الصين في الذاكرة العربية، ومنذ زمن بعيد، مثال للخير والمحبة والفكر. ومقولة "اطلبوا العلم ولو في الصين"، تعبر عن الحضور الصيني في الذاكرة العربية، وهو حضور مقرون بصورة لبلد فيه علم وصناعة وثقافة وله تاريخ عريق. وقد استمر هذا الحضور عبر العصور مدعوما بما كان يربط الجانبين الصيني والعربي من طرق تجارية برية وبحرية قديما، وما ربط بينهما من دعم ومساندة متبادلة في فترة التحرر الوطني في العصر الحديث بعد أن عانى كل منهما من الاستعمار والإمبريالية. وعلى الجانب الآخر، ترتبط صورة العربي في الذاكرة الصينية بالحضارة العريقة وبحركات التحرر في العالم الثالث كله.

ثانيا: أن حقيقة عدم وجود تاريخ من الصراع بين الجانبين جعلت وجدان الصيني والعربي لا يحمل للآخر ذكريات مريرة، بل على العكس، ظلت الصورة النمطية للعربي في الصين هي "العم العربي" وفقا لمحتويات الكتب المدرسية الصينية حتى وقت قريب. كما ظلت صورة الصيني في ذهن المواطن العربي رمزا للجد والاجتهاد والمهارة.

ثالثا، أنه على الرغم من وجود اختلافات بين الثقافتين الصينية والعربية، هناك قواسم مشتركة بين منظومة الأخلاق والقيم في الثقافتين، فقيم أخلاقية مثل بر الوالدين واحترام وتوقير الكبير، والتكافل الاجتماعي وحسن الجوار الخ، قيم أصيلة في الثقافتين.

رابعا، أن حقيقة تعرض الجانبين الصيني والعربي لمعاناة متشابهة من طرف ثالث مشترك هو الغرب، واليابان في حالة الصين، جعل التقارب بينهما له أسباب عاطفية وتاريخية، وقد انعكس ذلك في الدعم العربي للصين في المحافل الدولية في مواجهة الغرب، مثل دعم الصين لاستعادة مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة، ودعم الصين الدول العربية في قضاياها العادلة وخاصة في القضية الفلسطينية.

خامسا، أن سياسات القوى الكبرى الأخرى المعادية للعرب، والتوجهات المعادية للإسلام في الغرب تجعل العرب يبحثون- على المستوى النفسي- عن حليف دولي خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ويأملون أن تصعد قوة دولية تواجه الغرب، أو على الأقل توازنه. وهنا تبرز الصين كقوة دولية يمكن أن تحقق هذا التوازن في العلاقات الدولية.

وقد تجسد الخط العام للعلاقات الصينية- العربية خلال العقود الستة الماضية في التوافق العام حول قضايا العلاقات الدولية؛ بما في ذلك قضايا حقوق الإنسان والتنمية وإصلاح الأمم المتحدة والنظام الاقتصادي العالمي، من دون انخراط أي من الطرفين بشكل مباشر ومؤثر في قضايا تدخل في دائرة الاهتمام الإستراتيجي لأي منهما. وقد تواصل هذا النهج توسعا وانكماشا في فترات تاريخية مختلفة، ولكنه ظل في إطار معين لا يتجاوزه. 

غير أن النمط التقليدي للعلاقات الصينية- العربية يشهد منذ بداية القرن الحادي والعشرين تطورات تعد توطئة لعلاقات أكثر عمقا وتشعبا بين الجانبين؛ ففي عام 2004، تأسس منتدى التعاون الصيني- العربي كإطار للتعاون الجماعي والمتعدد المجالات بين الجانبين، وأقامت الصين علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة أو علاقات الشراكة الإستراتيجية أو علاقات التعاون الإستراتيجي مع عشر دول عربية، وآلية للحوار الإستراتيجي مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول عربية أخرى. وحاليا، الدول العربية هي أكبر مصدر للنفط الخام إلى الصين وسابع أكبر شريك تجاري لها.

وخلال زيارة الرئيس شي جين بينغ لمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في يناير 2016، أعلن عن أول وثيقة خاصة بسياسة الصين تجاه الدول العربية، والتي تناولت مختلف جوانب العلاقات بين الجانبين وأكدت على التزام الصين بتطوير علاقاتها مع الدول العربية على أساس خمسة مبادئ، هي: الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، عدم الاعتداء، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، المساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. فضلا عن إعادة التأكيد على موقف الصين الداعم لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

من خلال القراءة التحليلية لمحتوى الوثيقة، والأوضاع التي تشهدها الدول العربية في الفترة الراهنة وواقع السياسة الدولية ومؤشرات الاقتصاد العالمي، يمكن القول إن العلاقات الصينية- العربية ستواصل تطورها في المستقبل المنظور، وخاصة في الجانب الاقتصادي والثقافي والتعليمي. لقد ظل ارتفاع حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية الملمح الأبرز لتلك العلاقات في السنوات الأخيرة. وقد ساهم نمو التبادلات الاقتصادية والتجارية بين الصين والدول العربية وتطور وسائط الاتصال والتواصل الحديثة، والارتفاع الكبير في عدد المواطنين العرب الذين يسافرون إلى الصين لأغراض مختلفة، وزيادة عدد الصينيين الزائرين للدول العربية، في تقليل الفجوة في معرفة العرب بالصينيين ومعرفة الصينيين بالعرب، وإن كان جسر هذه الفجوة المعرفية يحتاج إلى مثابرة وجهود جبارة، من خلال توظيف آليات متنوعة أهمها العمل الثقافي بمختلف أشكاله، والتواصل الجماهيري المباشر، واقتراب كل طرف بشكل مباشر من قضايا الطرف الآخر والتأثير فيها بما يتاح له من أدوات، لتصبح الشراكة الإستراتيجية الشاملة الصينية- العربية واقعا يشعر به المواطن العادي من الجانبين.  وهنا، يقع على عاتق المؤسسات الرسمية والبحثية والإعلامية الصينية والعربية مهمة تبني مشروع يحدد آليات من شأنها جسر هذه الهوة المعرفية بين الجانبين؛ ولابد من تعزيز حركة الترجمة بين اللغتين الصينية والعربية، والأهم من ذلك هو خلق حالة من الزخم الشعبي الصيني والعربي لدفع الجانبين لمعرفة بعضهما البعض. هذه الجهود ليست مسؤولية طرف واحد وإنما مسؤولية الجانبين لأنها في النهاية تحقق مصالح الشعبين الصيني والعربي.

إن الرصيد الكبير الذي تراكم للعلاقات الصينية- العربية خلال أكثر من الستين عاما الماضية يمكن أن يكون قاعدة انطلاق لعلاقات صينية- عربية أكثرة قوة وتنوعا في المستقبل، خاصة وأن الجانبين يؤمنان بأن "السلام والتنمية" هما تيار العصر، وأن حجم المصالح المشتركة بينهما يتنامى بشكل كبير.

وأخيرا وليس آخرا، يقول الصينيون "إن الناس عندما يسيرون معا يشقون دربا جديدا"، ويقول العرب "التمسوا الرفيق قبل الطريق"، وأحسب أن الصينيين والعرب قد أحسنوا اختيار رفقاء الطريق وأن سَيرَهم معا يشق دروب الخير لكل منهما.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037