تلبية لدعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ، قام ملك المملكة الأردنية الهاشمية عبد الله الثاني بن الحسين بزيارة دولة إلى الصين في الفترة من الثامن عشر إلى الرابع والعشرين من أغسطس عام 2026، وهي الزيارة التاسعة لجلالته إلى الصين منذ اعتلائه العرش. وقد حققت هذه الزيارة مجموعة من النتائج العملية المهمة، حيث شهد الزعيمان توقيع عدة وثائق تعاون في مجالات الدبلوماسية والتجارة والاقتصاد وسلاسل التوريد والسلاسل الصناعية والقضاء وغيرها، وأصدرا معا "بيانا مشتركا بين جمهورية الصين الشعبية والمملكة الأردنية الهاشمية بشأن تعميق الشراكة الإستراتيجية بين البلدين"، الذي حدد خارطة طريق لتطوير العلاقات الصينية- الأردنية في المرحلة المقبلة.
الصداقة العريقة بين الصين والأردن
تجمع بين الصين والأردن علاقات الصداقة العريقة، فعلى مدى آلاف السنين، ظل الأردن مكونا مهما للحضارة العربية والإسلامية القديمة، التي شهدت عبر التاريخ تواصلا واسعا مع الحضارة الصينية وغيرها من الحضارات العالمية. لم يكن الأردن محورا مهما على طريق الحرير القديم فحسب، بل شريكا وركيزة داعمة في البناء المشترك لـ"الحزام والطريق". ومنذ القدم كانت هناك تبادلات تجارية غير مباشرة بين الصين والأردن. يمكن تتبع بداية التبادلات بين الصين والأردن إلى فترة المملكة النبطية القديمة، التي تزامنت تقريبا مع رحلة تشانغ تشيان كمبعوث لأسرة هان الغربية (206 ق.م- 220م) إلى المناطق الغربية. كانت المملكة النبطية قوية اقتصاديا وتجاريا، وسيطرت على طرق التجارة القديمة الممتدة من غزة غربا إلى بصرى بالشام ودمشق شمالا، ومن العقبة جنوبا إلى الخليج العربي شرقا. واحتلت موقعا إستراتيجيا مهما، وكانت عاصمتها البتراء نقطة محورية لتبادل البضائع بين الشرق والغرب على طريق الحرير القديم، حيث كانت السلع القادمة من الصين تصل إليها قبل أن تتجه غربا إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط. بعد القرن الأول الميلادي، مع صعود مدينة تدمر، بدأ محور التجارة بين الشرق والغرب يتحرك نحو الشمال. ومع ضم الإمبراطورية الرومانية للمملكة النبطية في عام 106، تراجع موقع البتراء التجاري تدريجيا، وتراجعت التجارة العابرة لهذه المنطقة، ومعها تلاشت التبادلات التجارية غير المباشرة بين الصين والأردن في العصور القديمة.
بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، بدأت الصين والأردن تواصلا شعبيا وثيقا بشكل واضح. ففي عام 1956، خلال فترة حكومة رئيس الوزراء سليمان النابلسي، عبر الأردن عن رغبته في الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية. وفي يوليو من نفس العام، قاد رئيس الجمعية الإسلامية الصينية برهان شهيدي وفدا من الحجاج الصينيين إلى مكة مرورا بالأردن، لإقامة تواصل على المستوى الشعبي. وفي أكتوبر نفس العام، زار وفد تجاري صيني الأردن. وفي وقت لم تكن هناك علاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين، مثلت هاتان الزيارتان خطوة مهمة في تاريخ العلاقات الصينية- الأردنية على المستوى الشعبي، ومهدتا الطريق لتطور العلاقات بين البلدين لاحقا.
التقدم المستمر في العلاقات الثنائية بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية
في السابع من إبريل عام 1977، أقامت جمهورية الصين الشعبية والمملكة الأردنية الهاشمية العلاقات الدبلوماسية بينهما رسميا. في السنوات الأولى لإقامة العلاقات، بدأت التبادلات الثنائية تدريجيا بين الصين والأردن في مجالات متعددة، ثم تقدم التعاون بين البلدين بشكل مستقر في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وأصبحت التبادلات الودية أكثر كثافة يوما بعد يوم. وقد زار الملك عبد الله الثاني الصين ثلاث مرات قبل اعتلائه العرش بصفته أميرا، في أعوام 1981 و1983 و1995على التوالي. وبعد توليه العرش في عام 1999، قام بثماني زيارات أخرى للصين، وهذه الزيارة هي التاسعة له منذ اعتلائه العرش، ما يجعله من بين أكثر زعماء دول الشرق الأوسط زيارة للصين. إن زيارات الملك عبد الله الثاني المتكررة للصين تظهر اهتمام الأردن بتطوير علاقاته مع الصين، وتلعب دورا قياديا مهما في دفع العلاقات الثنائية نحو التطور بشكل سلس.
كان عام 2015 معلما مهما في تطور العلاقات بين الصين والأردن. في التاسع من سبتمبر عام 2015، أجرى الرئيس شي محادثات مع الملك عبد الله الثاني في قاعة الشعب الكبرى في بكين، ووقعا "البيان المشترك بين جمهورية الصين الشعبية والمملكة الأردنية الهاشمية بشأن إقامة الشراكة الإستراتيجية بين البلدين"، وشهدا معا توقيع وثائق التعاون في مجالات التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا وغيرها، معلنين رسميا تأسيس شراكة إستراتيجية بين الصين والأردن ورفع العلاقات الثنائية إلى مستوى جديد من التطور.
خلال هذه الفترة، شهد التعاون الثنائي تطورات إيجابية متعددة؛ فقد أوضح هذا "البيان المشترك" رغبة البلدين في مناقشة التعاون المتبادل المنفعة ضمن إطار مبادرة "الحزام والطريق"؛ وشجعت الصين الشركات الصينية القوية على الاستثمار والعمل في الأردن، وتعهد الأردن بتوفير شروط ميسرة لعمل الشركات الصينية، ووسع الطرفان التعاون العملي ليشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعليم والثقافة وغيرها. يغطي "البيان المشترك" المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية وغيرها، ويشير إلى انتقال العلاقات الصينية- الأردنية من الصداقة التقليدية إلى مرحلة جديدة من التنظيم والتخطيط الإستراتيجي. وبفضل استقرارها الجغرافي وبيئتها الاقتصادية المنفتحة، أصبح الأردن نقطة مهمة للتجارة والاقتصاد في المنطقة ومحطة مهمة للشركات الصينية لتوسيع سوق الشرق الأوسط. ساعدت الشراكة الإستراتيجية بين الصين والأردن على تأسيس قاعدة متينة لتوسيع التعاون في مختلف المجالات بينهما لاحقا. بعد ذلك، واصل الطرفان تعميق التعاون المشترك، وفي نوفمبر عام 2023، وقع الجانبان مذكرة تفاهم رسمية للبناء المشترك لمبادرة "الحزام والطريق"، لتنفيذ رؤية التعاون التي توصلا إليها في 2015.
المرحلة الجديدة للعلاقات الإستراتيجية بين الصين والأردن
منذ عام 2020، دخلت الشراكة الإستراتيجية بين الصين والأردن مرحلة جديدة أكثر عمقا وجودة. تتقدم "الخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية (2026-2030)" جنبا إلى جنب مع "رؤية الأردن للتحديث الاقتصادي" (2022-2033)، وتظهر الأهداف الإستراتيجية تكاملا كبيرا؛ فالصين تسعى إلى تعزيز التنمية العالية الجودة من خلال الابتكار، وتوسيع الانفتاح العالي المستوى على الخارج، بينما يسعى الأردن إلى إعادة تشكيل زخم النمو الاقتصادي، وتحسين بيئة الاستثمار وخلق فرص العمل، لفتح مساحة واسعة للتعاون العملي. في السنوات الأخيرة، استمر الأردن في دفع التنمية الاجتماعية الشاملة من خلال تحديث الاقتصاد، وتم إدراج إستراتيجيات التنمية مثل الطاقة الخضراء والطاقة النظيفة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة في رؤيتها لتحديث الاقتصاد، مع التركيز على استغلال إمكانيات الموارد المعدنية الإستراتيجية الوطنية، وتعزيز الابتكار التكنولوجي وتطوير الصناعة، وتوفير نقاط نمو اقتصادي جديدة ودفع التنمية. تتماثل قدرات الصين في مجالات الطاقة الجديدة والبنية التحتية والصناعات المتقدمة والرقمنة والذكاء الاصطناعي بشكل كبير مع الاحتياجات الأساسية لتحول الهيكل الاقتصادي في الأردن. هذا النمط التكاملي يعني أن التعاون الثنائي تجاوز نطاق التجارة التقليدية للبضائع، إذ يمكن للصين دعم الأردن بقوة في ترقية الصناعات ونقل التكنولوجيا وتحديث البنية التحتية وتنمية الكفاءات. وفي الوقت نفسه، يوفر الأردن بموقعه الجغرافي واستقراره السياسي ودوره كمحور إقليمي نقطة ارتكاز مهمة للشركات الصينية لتوسيع وجودها في سوق الشرق الأوسط.
بفضل التوجيه الإستراتيجي للرئيس شي والملك عبد الله الثاني، تعمقت العلاقات بين الصين والأردن عبر السنين، وحققت نتائج مثمرة في مختلف مجالات التعاون، واستمر تبادل الزيارات الودية بين البلدين في التعمق. وقد أسفرت هذه الزيارة الرسمية عن مجموعة من النتائج العملية المهمة، وتوصل الطرفان إلى توافق في عدة مجالات؛ واتفقا على تعميق التعاون في المجالات التقليدية واستكشاف فرص نمو جديدة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، وتعزيز التعليم والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والسياحة، وتكثيف التبادلات بين الأفراد، كما اتفقا على الالتزام بالمبادرات العالمية الأربع الرئيسية التي طرحتها الصين، وتعزيز التعاون المتعدد الأطراف في إطار الأمم المتحدة، والعمل معا للمحافظة على المنظومة الدولية باعتبار الأمم المتحدة جوهرها، والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، والإسهام في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.
يعد الأردن أيضا قوة استقرار مهمة في منطقة الشرق الأوسط، ويلعب التعاون الإستراتيجي بين الصين والأردن دورا نشيطا كمحرك مهم لتعزيز الأمن الدائم والتنمية المستدامة في المنطقة. فيما يتعلق بالوضع المعقد الحالي في الشرق الأوسط، يتبادل الطرفان الآراء بشكل كامل، حيث تؤكد الصين دائما على وقف إطلاق النار وإنهاء النزاع تماما، والسعي لحل الخلافات عبر الطرق السياسية والدبلوماسية، مع التأكيد على احترام سيادة وأمن الدول الإقليمية بما في ذلك الأردن؛ وفي الوقت نفسه، طرح الجانب الصيني بشكل واضح أربعة مبادئ لحل القضية الفلسطينية، مؤكدا على الالتزام بالحل السياسي، وتأييد مبدأ "حكم الفلسطينيين لفلسطين"، والتمسك بالالتزام بالمساعدات الإنسانية والتمسك بالعدل والإنصاف، لدفع إعادة المفاوضات بين فلسطين وإسرائيل، وتحقيق استقلال فلسطين وإقامة دولة فلسطين. ويقدر الجانب الأردني بشكل كبير الموقف العادل الذي تتبناه الصين في شؤون الشرق الأوسط، ويرغب في المحافظة على التواصل مع الصين، والعمل معا على تهدئة الأوضاع في المنطقة وحماية سلام ورفاه شعوب دول الشرق الأوسط.
الصين والأردن هما أيضا دولتان من دول الجنوب العالمي، وكلاهما يتخذ التنمية والنهضة هدفا مهما لهما. وتقوم الصداقة بين الصين والأردن على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة، بما يتوافق مع المصالح المشتركة للدولتين والمصالح الإقليمية. وستواصل الدولتان تعزيز التواصل والتبادل في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما يجعل الأردن يلعب دورا أكبر كدولة محورية في المنطقة، ويعزز التكامل بين الثقافات والحضارات المختلفة في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، ويسهم في تنفيذ مفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. ونحن على يقين من أن زيارة الملك عبد الله الثاني للصين هي فرصة لتعزيز العلاقات الثنائية بين الصين والأردن، من خلال تبني أساليب أكثر إيجابية لحل القضايا الأمنية المشتركة، والتمسك بطريق التنمية المستدامة، والعمل معا لتعزيز الثقة السياسية المتبادلة، وتوسيع التعاون المفيد للطرفين، وتعزيز التبادلات الإنسانية، وتقوية التعاون المتعدد الأطراف، ودفع الشراكة الإستراتيجية بين الصين والأردن إلى مستوى جديد، والإسهام بكل إيجابية في السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة.
--
لي شي، مديرة مركز الدراسات الأردنية بكلية اللغات الأجنبية بجامعة الشمال الغربي للصناعة في شيآن.
