كلنا شرق < الرئيسية

مصر والصين.. شراكة تصنع المستقبل

: مشاركة
2026-08-25 12:04:00 الصين اليوم:Source د. أسامة الجوهري:Author


أصبحت الشراكات الإستراتيجية اليوم هي المعيار الأهم لقياس قوة العلاقات بين الدول، بما توفره من قدرة على مواجهة التحولات الدولية وبناء مصالح مشتركة تتجاوز اعتبارات اللحظة. وفي هذا الإطار، تمثل العلاقات المصرية- الصينية نموذجا متميزا؛ فهي لم تبدأ بمشروع اقتصادي أو استثماري ضخم، وإنما تأسست منذ بداياتها على رؤية سياسية وإستراتيجية مشتركة. وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية في مايو عام 1956، في وقت لم يكن فيه هذا الاعتراف مجرد قرار دبلوماسي، وإنما يعكس إيمانا مبكرا باستقلال القرار الوطني، واحترام سيادة الدول، وحق الشعوب في اختيار مسارها التنموي.

وبعد سبعة عقود، لا تزال هذه المبادئ تمثل الأساس الذي ترتكز إليه العلاقات بين البلدين، بل واكتسبت أبعادا أكثر عمقا واتساعا، لتتحول من إطار التعاون السياسي التقليدي إلى شراكة إستراتيجية شاملة، تمتد إلى الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والأمن والتنمية المستدامة. ومن ثم، لم تعد هذه العلاقة تعبر فقط عن متانة الروابط الثنائية بين القاهرة وبكين، بل أصبحت تمثل أحد أبرز نماذج التعاون بين دول الجنوب، ونموذجا لكيفية توظيف الشراكات الإستراتيجية في خدمة التنمية الوطنية وتعزيز الاستقلالية الإستراتيجية، في ظل نظام دولي يتجه تدريجيا نحو مزيد من التعددية القطبية.

ولعل ما منح هذه العلاقة قدرتها على الاستمرار طوال سبعة عقود هو أنها قامت على الثقة المتبادلة، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي مبادئ حافظت على استقرار الشراكة رغم ما شهده العالم من تحولات سياسية واقتصادية وجيوسياسية عميقة.

وإذا كان الأساس السياسي هو الذي منح العلاقات المصرية- الصينية قدرتها على الاستمرار، فإن السنوات الأخيرة شهدت انتقالها إلى مرحلة جديدة أكثر عمقا ومأسسة. فمنذ رفع مستوى العلاقات إلى شراكة إستراتيجية شاملة في عام 2014، اكتسب التعاون زخما متصاعدا توج بإطلاق البرنامج التنفيذي للشراكة، وتكثيف الزيارات الرفيعة المستوى، والتوسع في مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني والطاقة الجديدة والمتجددة، إلى جانب الصناعة والبنية الأساسية والتعليم والثقافة، بما يعكس انتقال العلاقة من التعاون القطاعي إلى شراكة إستراتيجية متكاملة، تتجاوز تنفيذ المشروعات إلى بناء قدرات مشتركة وصياغة رؤية طويلة الأجل للتنمية.

وقد انعكس هذا التطور على مؤشرات التعاون الفعلية؛ إذ حافظت الصين على مكانتها كالشريك التجاري الأول لمصر، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 79ر20 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025، مع توسع ملحوظ في الاستثمارات الصينية لتتجاوز ثمانية مليارات دولار أمريكي، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي أصبحت إحدى أهم منصات التصنيع الصيني خارج آسيا. كما امتد التعاون إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتجارة الإلكترونية والفضاء والطاقة النظيفة، والتعاون المالي من خلال مبادلة العملات، وسندات الباندا، وبرامج مبادلة الديون من أجل التنمية، بما يعكس اتساع نطاق الشراكة وتنوع أدواتها.

ولعل ما يميز الشراكة المصرية- الصينية أنها لم تعد تقتصر على مشروع بعينه أو قطاع محدد، وإنما أصبحت تقوم على منظومة مترابطة من المشروعات التي تخدم رؤية تنموية متكاملة. فمنطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة والبرج الأيقوني ومنطقة "تيدا" الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والقطار الكهربائي الخفيف ومشروعات الموانئ والخدمات اللوجستية، تمثل ركائز لبناء قاعدة إنتاجية وصناعية أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد المصري. وفي الوقت ذاته، اتسع التعاون ليشمل مجالات أكثر تقدما، مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة وتصنيع السيارات الكهربائية وإنتاج الخلايا الشمسية، بما يعكس توافقا واضحا بين أولويات التنمية في مصر والتحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر.

ولا تتوقف أهمية هذه المشروعات عند قيمتها الاستثمارية، وإنما تمتد إلى ما تعكسه من تحول في طبيعة العلاقات بين البلدين. فقد أصبح التعاون يشمل توطين التكنولوجيا وبناء القدرات، من خلال مشروعات مثل "مصر سات- 2" ومركز البيانات والحوسبة السحابية وتصنيع الإلكترونيات، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري، عبر الجامعة المصرية- الصينية وورش "لوبان" ومعاهد كونفوشيوس. ومن ثم، تتجه الشراكة المصرية- الصينية نحو نموذج أكثر عمقا، لا يقوم على تنفيذ المشروعات فحسب، وإنما أيضا على بناء منظومة متكاملة للإنتاج والابتكار ونقل المعرفة وتنمية الأكفاء، بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري على المدى الطويل.

ولم يكن هذا التحول نتيجة تطور العلاقات الثنائية وحده، بل جاء انعكاسا لتحولات أوسع يشهدها النظام الدولي. فمع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى وتراجع الأحادية القطبية وصعود دور بلدان الجنوب العالمي، أصبحت الشراكات الإستراتيجية أداة لتعزيز القدرة على المناورة وتحقيق المصالح الوطنية. وفي هذا السياق، وجدت مصر في الصين شريكا يسهم في دعم أولوياتها التنموية، من خلال الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتعميق التصنيع، بينما تنظر الصين إلى مصر باعتبارها محورا جغرافيا يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا وبوابة رئيسية للأسواق العربية والأفريقية، وشريكا يتمتع بثقل سياسي وإقليمي يجعل التعاون معه جزءا من إستراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط وأفريقيا.

ولذلك، فإن القيمة الحقيقية للعلاقات المصرية- الصينية لا تكمن في حجم التجارة أو قيمة الاستثمارات فحسب، وإنما أيضا في التقاء الاحتياجات الإستراتيجية للطرفين. فمصر تتطلع إلى تسريع التحول الاقتصادي وتوطين التكنولوجيا وتنويع مصادر التمويل وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، في حين تسعى الصين إلى بناء شراكات مستقرة مع القوى الإقليمية المؤثرة وتأمين سلاسل التوريد وتعزيز حضورها الاقتصادي والتكنولوجي على امتداد مبادرة "الحزام والطريق". ومن ثم، فإن هذه العلاقة لم تعد تقوم على تبادل المنافع الاقتصادية وحدها، بل أصبحت تعكس تقاطعا إستراتيجيا يجعل من نجاح كل طرف عنصرا داعما لمصالح الطرف الآخر.

ورغم ما حققته الشراكة المصرية- الصينية من تقدم ملموس، فإن المحافظة على زخمها يتطلب إدارة واعية لجملة من التحديات التي تفرضها البيئة الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها تزايد التحديات الناتجة عن الممارسات الأحادية والهيمنة على الساحة الدولية. لذا، تسعى مصر إلى تنويع شراكاتها الدولية ورفض منطق الكتل والاستقطابات الدولية، بما يحافظ على استقلالية قرارها الإستراتيجي ويجنبها تداعيات الانقسام العالمي. كما تفرض الأزمات الإقليمية الممتدة، بدءا من القضية الفلسطينية، مرورا بالسودان وليبيا، ووصولا إلى أمن البحر الأحمر، تحديات إضافية أمام تطوير الشراكة، لا سيما وأن مصر تنطلق من اعتبارات ترتبط بالأمن القومي المباشر، بينما تنظر الصين إلى استقرار الإقليم باعتباره أساسا للتعاون المشترك وشرطا لحماية استثماراتها وتأمين سلاسل التوريد والتجارة العالمية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تظل الحاجة قائمة لإعادة صياغة هيكل التعاون بما يحقق توازنا أكبر في المصالح الاقتصادية. فما زال هناك مجال واسع لتحقيق توازن أفضل في الميزان التجاري، وتعمل الصين على فتح أسواقها أمام المنتجات المصرية عبر الإعفاءات الجمركية وتنظيم المعارض الدولية المتخصصة، بهدف زيادة صادرات مصر وتقليل الفجوة التجارية تدريجيا. كما أن إدارة أدوات التمويل يجب أن تستند إلى اعتبارات الجدوى الاقتصادية واستدامة الدين، وفي نفس الوقت يتم تطوير آليات تمويل مشتركة مبتكرة كسندات الباندا ومبادلة الديون ومشروعات التنمية، لضمان عدم الاعتماد المفرط على مصدر تمويل واحد وتأمين استمرارية المشروعات الكبرى، مع الأخذ في الاعتبار ما قد تفرضه التقلبات الاقتصادية العالمية من تأثيرات على حركة الاستثمار والتجارة.

ولا تقل التحديات المؤسسية أهمية عن نظيرتها الجيوسياسية والاقتصادية، إذ إن قدرة مصر على الاستفادة القصوى من الشراكة ترتبط بكفاءة منظومة التنفيذ. فتبسيط الإجراءات وتسريع اتخاذ القرار وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، أصبحت جميعها عوامل مؤثرة في تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات منتجة. كما يكتسب الأمن السيبراني وحوكمة البيانات وتطوير الأطر التنظيمية للتكنولوجيا المتقدمة، أهمية متزايدة في ظل انتقال التعاون بين البلدين إلى مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية الذكية.

ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة التعاون إلى إدارة الشراكة الإستراتيجية. ويبدأ ذلك بصياغة رؤية وطنية متكاملة تحدد أولويات التعاون مع الصين بما يتوافق مع أهداف التنمية المصرية، مع توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد، وفي مقدمتها الصناعات التكنولوجية والسيارات الكهربائية والطاقة الجديدة والمتجددة والإلكترونيات ومستلزمات الاتصالات. كما ينبغي تعظيم الدور الإستراتيجي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لتصبح مركزا إقليميا للتصنيع وإعادة التصدير يربط بين القدرات الصناعية الصينية والأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، بالتوازي مع تنويع أدوات التمويل من خلال الاستفادة من آليات مجموعة بريكس والتوسع المدروس في استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية.

ويتمثل التحدي الحقيقي اليوم، ليس في جذب المزيد من الاستثمارات الصينية، وإنما في تعظيم العائد الوطني من هذه الشراكة. فالدول التي حققت أكبر استفادة من التحول الاقتصادي الذي قادته الصين لم تكن الأكثر استقبالا لرؤوس الأموال، بل الأكثر قدرة على دمج هذه الاستثمارات ضمن إستراتيجية وطنية واضحة للتصنيع وتوطين التكنولوجيا وزيادة الصادرات ورفع الإنتاجية. ومن ثم، فإن نجاح الشراكة المصرية- الصينية لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم التجارة والاستثمار، وإنما بقدرتها على بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنافسية وتعزيز الابتكار وإعداد كوادر وطنيين قادرين على استيعاب التكنولوجيا وتطويرها.

وفي عالم يشهد إعادة توزيع لمراكز الإنتاج والابتكار وسلاسل القيمة العالمية، تمتلك مصر والصين فرصة حقيقية للارتقاء بشراكتهما إلى آفاق أوسع، بما يعزز المصالح المشتركة ويدعم مكانة البلدين في الاقتصاد الدولي. ويبقى الرهان على إدارة هذه الفرصة برؤية طويلة الأجل، تجعل من التعاون المصري- الصيني رافعة للتنمية ومنصة لتوسيع الإنتاج والابتكار وتبادل المعرفة، بما يحقق منفعة متبادلة ويعزز قدرة البلدين على الإسهام في بناء نظام دولي أكثر توازنا وتعددية. فالقيمة الحقيقية لهذه الشراكة لا تكمن في اتساع حجم التجارة والاستثمار فحسب، وإنما أيضا في قدرتها على فتح مسارات جديدة للتنمية المشتركة وصناعة مستقبل أكثر ازدهارا للشعبين.

--

د. أسامة الجوهري، مساعد رئيس الوزراء، رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4