في شهر يوليو من كل عام، تستحضر الصين محطة مفصلية في تاريخها الحديث، تتمثل في الذكرى السنوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، الذي أكمل هذا العام مائة وخمسة أعوام من مسيرته السياسية والتنموية. ومن خارج الصين، تمثل هذه المناسبة فرصة مهمة للتأمل في واحدة من أكثر التجارب السياسية والتنموية تأثيرا في القرن الحادي والعشرين، وهي التجربة التي نقلت الصين من دولة نامية تواجه تحديات الفقر والتخلف إلى قوة عالمية تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتؤدي دورا متزايدا في تطوير النظام الدولي نحو مزيد من التعددية والتوازن.
لقد أثبت الحزب الشيوعي الصيني، عبر أكثر من قرن من الزمان، أن نجاح الأحزاب السياسية لا يقاس فقط بطول مدة بقائها في الحكم، وإنما بقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة والمحافظة على الاستقرار والاستجابة للتحديات المتغيرة. وإذا كانت المراحل السابقة قد أرست أسس النهضة الاقتصادية الصينية، فإن المرحلة التي يقودها الرئيس شي جين بينغ تمثل مرحلة الانتقال من "الصين الصاعدة" إلى الصين الأكثر حضورا وتأثيرا في القضايا الدولية.
فمنذ تولي الرئيس شي جين بينغ قيادة الحزب والدولة، تبنت الصين رؤية إستراتيجية بعيدة المدى تقوم على الجمع بين الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الابتكار وتحقيق الأمن الوطني وإنجاز بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل، مع المحافظة على الاستقرار السياسي والمؤسسي. وقد أسهم هذا النهج في تعزيز مكانة الصين بوصفها قوة صناعية وتكنولوجية ومالية، وفي الوقت نفسه قدم تجربة تنموية تحظى باهتمام العديد من الدول النامية.
ومن أبرز الإنجازات التي تستحق التقدير في التجربة الصينية، نجاحها في التخلص من الفقر المدقع، وفقا للمعايير الوطنية، بعد عقود من العمل المتواصل، وهو إنجاز اعترفت به المؤسسات الدولية باعتباره أحد أبرز الإنجازات التنموية في العصر الحديث. فقد أسهمت سياسات التنمية والإصلاح في انتشال ما يقرب من 800 مليون شخص من الفقر على مدى العقود الماضية، بينما تمكنت القيادة الحالية من استكمال المهمة التاريخية بإعلان التخلص من الفقر المدقع في مطلع عام 2021. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل تحول اجتماعي شامل أدى إلى اتساع الطبقة المتوسطة وتحسن مستويات التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والخدمات العامة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على جودة حياة المواطنين الصينيين.
ولعل ما يميز القيادة الحالية هو قدرتها على الجمع بين التنمية الاقتصادية والابتكار العلمي. فقد تحولت الصين خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكبر القوى العالمية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والحوسبة الكمومية والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم واستكشاف الفضاء، وأصبحت شركاتها التكنولوجية تنافس كبرى الشركات العالمية، بينما باتت جامعاتها ومراكزها البحثية من بين المؤسسات الأكثر إسهاما في إنتاج الأبحاث العلمية.
كما أولت القيادة الصينية اهتماما كبيرا بتطوير الاقتصاد الأخضر والتحول نحو التنمية المستدامة، حيث أصبحت الصين أكبر مستثمر عالمي في الطاقة النظيفة وأكبر منتج للألواح الشمسية والسيارات الكهربائية، في إطار رؤية إستراتيجية تهدف إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، وهو ما يعكس إدراكا مبكرا لطبيعة التحديات العالمية الجديدة.
وعلى المستوى الدولي، استطاعت الصين في عهد الرئيس شي جين بينغ أن تقدم نفسها بوصفها شريكا للتنمية، وليس مجرد قوة اقتصادية. فقد أصبحت مبادرة "الحزام والطريق" واحدة من أكبر المبادرات التنموية الدولية، وأسهمت في تطوير البنية التحتية وتعزيز الترابط الاقتصادي بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، الأمر الذي منح العديد من الدول النامية فرصا جديدة للاستثمار والتعاون.
وفي الوقت نفسه، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية، مثل مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية، التي تعكس رؤية تقوم على تعزيز التعاون الدولي والحوار واحترام التنوع الحضاري، بما يعزز الحوار والتعاون واحترام خصوصية الدول ومساراتها التنموية.
ومن منظور العلاقات الدولية، ربما يكون الإنجاز الأكثر أهمية للحزب الشيوعي الصيني خلال السنوات الأخيرة، هو إسهامه في تعزيز التحول نحو نظام دولي أكثر تعددية وعدالة. فبعد حقبة من التحولات العميقة في النظام الدولي، أصبحت الصين أحد الأعمدة الرئيسة في النظام الدولي المعاصر، ليس فقط بحكم قوتها الاقتصادية، وإنما أيضا بقدرتها على بناء شراكات إستراتيجية واسعة مع مختلف دول العالم، وتعزيز دور التكتلات الاقتصادية الجديدة، ودعم إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية بما يجعلها أكثر تمثيلا للدول النامية.
إن هذا التحول لا يعني الدخول في لعبة المحصلة الصفرية مع القوى الأخرى، وإنما يعكس رؤية صينية تدعو إلى عالم متعدد الأقطاب يقوم على التعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يتيح للدول خيارات أوسع لتحقيق التنمية بعيدا عن الاستقطاب الدولي.
ومن منظور عربي، تكتسب التجربة الصينية أهمية خاصة، لأنها تقدم نموذجا يبرهن على أن التنمية ليست مرتبطة بمسار تنموي واحد، وإنما هي ثمرة التخطيط الطويل المدى والاستثمار في الإنسان والاعتماد على العلم والتكنولوجيا، وبناء مؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة واستمرارية. ولهذا أصبحت الصين شريكا إستراتيجيا للعديد من الدول العربية، في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتعليم والبحث العلمي.
وبالنسبة للباحثين في الدراسات الإستراتيجية، فإن تجربة الحزب الشيوعي الصيني تستحق الدراسة ليس لأنها مختلفة فحسب، وإنما أيضا لأنها تقدم مثالا عمليا على كيفية المواءمة بين الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي والتحديث العلمي والانفتاح على العالم، مع المحافظة على الخصوصية الوطنية والهوية الحضارية.
وبعد مرور 105 أعوام على تأسيس الحزب، تبدو الصين اليوم أكثر حضورا في الاقتصاد العالمي وأكثر تأثيرا في السياسة الدولية، وأكثر قدرة على توظيف مواردها العلمية والتكنولوجية لخدمة التنمية الوطنية والعالمية. ويعود جانب كبير من هذا التحول إلى الرؤية الإستراتيجية التي تتبناها القيادة الحالية برئاسة الرئيس شي جين بينغ، والتي تركز على بناء دولة قوية ومجتمع أكثر رفاها واقتصاد قائم على الابتكار، ودور دولي مسؤول يسهم في تعزيز السلام والتنمية المشتركة.
إن التجربة الصينية، بما حققته من إنجازات اقتصادية واجتماعية وعلمية، تمثل إحدى أبرز قصص النجاح في العصر الحديث، وتؤكد أن وضوح الرؤية والاستمرارية في التخطيط والاستثمار في الإنسان والقدرة على التكيف مع التحولات العالمية، هي مفاتيح بناء الدول الكبرى وصناعة المستقبل. وفي الذكرى السنوية الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، تبدو هذه المسيرة شاهدا على أن الإرادة السياسية المقترنة بالتخطيط الإستراتيجي قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والطموحات الوطنية إلى إنجازات ذات تأثير عالمي.
--
أ.د. حسن عبدالله الدعجة، أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال في الأردن، وعضو المجلس العالمي للدراسات الصينية في بكين
