يمثل الحزب الشيوعي الصيني أحد أهم الأحزاب السياسية في التاريخ المعاصر، إذ ارتبطت مسيرته منذ تأسيسه سنة 1921 بقيادة مشروع متكامل للتحرر الوطني والتنمية الشاملة. فقد استطاع الحزب أن يقود الصين من مرحلة الضعف والانقسام إلى بناء دولة حديثة ذات مكانة اقتصادية وعلمية ودبلوماسية بارزة. ومع تطور التجربة الصينية، لم يعد مشروع الحزب مقتصرا على تحقيق التحديث الداخلي، بل أصبح يقوم على رؤية تنموية تجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والابتكار والاستدامة البيئية، ثم توسعت هذه الرؤية لتشمل المجال الدولي من خلال الدعوة إلى بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. ويهدف هذا المقال إلى إبراز تطور مسيرة الحزب، وتحليل مرتكزات التحديث الصيني، وبيان انعكاسها على الرؤية الصينية للنظام الدولي.
أولا، مسيرة الحزب الشيوعي الصيني.. من قيادة الثورة إلى قيادة النهضة الوطنية
تشكل مسيرة الحزب الشيوعي الصيني نموذجا لتحول حركة ثورية إلى حزب حاكم يقود مشروعا وطنيا للتنمية والتحديث. وقد حافظ الحزب، عبر مختلف المراحل التاريخية، على هدفه الإستراتيجي المتمثل في تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية، مع تطوير سياساته بما ينسجم مع المتغيرات الداخلية والدولية.
1- ظروف تأسيس الحزب الشيوعي الصيني
تأسس الحزب سنة 1921 في سياق اتسم بضعف الدولة الصينية وتزايد التدخلات الأجنبية، وفشل محاولات الإصلاح السياسي، إلى جانب التأثير الفكري لحركة الرابع من مايو سنة 1919 التي عززت انتشار الأفكار الوطنية والاشتراكية. وانطلق الحزب بمشروع يجمع بين التحرر الوطني والتحول الاجتماعي، إلى أن نجح في قيادة الثورة الصينية التي انتهت بتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، وهو ما شكل بداية مرحلة بناء الدولة الحديثة.
2- مراحل تطور الحزب الشيوعي الصيني
أ- مرحلة الثورة والتحرر الوطني (1921- 1949م)
ركز الحزب خلال هذه المرحلة على تحقيق الاستقلال الوطني وتوحيد البلاد ومقاومة الاحتلال الياباني، ثم الانتصار في الحرب الأهلية وصولا إلى إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية، الذي مثل نقطة تحول في تاريخ الصين الحديث.
ب- مرحلة بناء الدولة الاشتراكية (1949- 1978م)
انصرفت جهود الحزب إلى بناء مؤسسات الدولة الاشتراكية وتطوير القاعدة الصناعية وترسيخ النظام السياسي الجديد، مع تعزيز الوحدة الوطنية. وأسهمت هذه المرحلة في وضع الأسس المؤسسية والاقتصادية للدولة، رغم التحديات التي رافقت عملية البناء.
ج- مرحلة الإصلاح والانفتاح بقيادة دنغ شياو بينغ (ابتداء من عام 1978)
مثل إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح تحولا إستراتيجيا، إذ أصبحت التنمية الاقتصادية محور عمل الدولة، وتم تبني نظام اقتصاد السوق الاشتراكي والانفتاح التدريجي على الاقتصاد العالمي مع المحافظة على قيادة الحزب. وقد أفضت هذه السياسة إلى تحقيق نمو اقتصادي متسارع وتعزيز اندماج الصين في الاقتصاد الدولي.
د- مرحلة الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد بقيادة شي جين بينغ
تميزت هذه المرحلة بالانتقال من التركيز على سرعة النمو إلى التنمية العالية الجودة، من خلال تعزيز الابتكار وتحقيق الرخاء المشترك والتنمية الخضراء وتحسين مستوى معيشة المواطنين، إلى جانب توسيع حضور الصين على الساحة الدولية.
3- الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية
أ- التخلص من الفقر المدقع
حقق الحزب أحد أبرز إنجازاته الاجتماعية بالتخلص من الفقر المدقع، عبر سياسات تنموية شاملة أسهمت في تحسين مستوى معيشة مئات الملايين من السكان، ووفرت أساسا لتحقيق التنمية المستدامة.
ب- إنجاز بناء مجتمع الحياة الرغيدة على نحو شامل
عملت الدولة على توسيع الاستفادة من ثمار التنمية من خلال تحسين التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والإسكان وتقليص الفوارق بين المناطق، بما عزز مفهوم التنمية المتوازنة.
ج- التحول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم
أسهمت سياسة الإصلاح والانفتاح في تحويل الصين إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وإلى مركز رئيسي للصناعة والتجارة والاستثمار، بما عزز مكانتها في الاقتصاد العالمي.
د- التقدم العلمي والتكنولوجي والرقمي
أصبح الابتكار العلمي والتكنولوجي ركيزة أساسية للتحديث الصيني النمط، من خلال زيادة الاستثمار في البحث العلمي وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة، بما يدعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.
وتبرز هذه المسيرة أن تجربة الحزب في قيادة التنمية لم تكن نتيجة التحولات السياسية وحدها، بل ثمرة رؤية إستراتيجية طويلة المدى ربطت بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومهدت لبلورة فلسفة التحديث الصيني النمط التي أصبحت الإطار المرجعي لسياسات الصين في العصر الجديد.
ثانيا، فلسفة التحديث الصيني النمط.. بين التأصيل النظري والتطبيق العملي
يمثل التحديث الصيني النمط الإطار النظري والعملي الذي بلوره الحزب الشيوعي الصيني لتحقيق النهضة الوطنية، انطلاقا من خصوصية الصين التاريخية والحضارية. ولا يقتصر هذا المفهوم على تحقيق النمو الاقتصادي، بل يقوم على رؤية تنموية شاملة تجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني والابتكار العلمي والانفتاح على العالم مع المحافظة على الهوية الثقافية. وقد تبلورت هذه الفلسفة تدريجيا منذ إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، وصولا إلى أفكار شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد.
1- التحديث بقيادة الحزب الشيوعي الصيني
تعد قيادة الحزب الشيوعي الصيني الركيزة الأساسية لعملية التحديث، إذ يتولى رسم التوجهات الإستراتيجية وتنسيق السياسات، وحشد الموارد لتحقيق أهداف التنمية. وترى القيادة الصينية أن نجاح مشروعات كبرى، مثل التخلص من الفقر المدقع وبناء مجتمع الحياة الرغيدة، يعكس أهمية التخطيط بعيد المدى واستمرارية السياسات، بما يضمن تحقيق التنمية والاستقرار في آن واحد.
2- تحديث يستفيد منه جميع السكان
يقوم التحديث الصيني النمط على مبدأ شمول التنمية لجميع فئات المجتمع، بحيث لا تقتصر ثمار النمو على فئة أو منطقة معينة، وإنما تمتد إلى مختلف الأقاليم والشرائح الاجتماعية. ولذلك، ركزت السياسات العامة على تنمية المناطق الريفية وتقليص الفوارق بين الحضر والريف وتحسين الخدمات الأساسية، بما يجعل الإنسان محور عملية التنمية ويعزز العدالة في توزيع فرصها ومكاسبها.
3- تحقيق الرخاء المشترك
يعد الرخاء المشترك أحد أبرز مرتكزات التحديث الصيني النمط في العصر الجديد، ويهدف إلى تحقيق توزيع أكثر توازنا لعوائد التنمية والحد من التفاوتات الاجتماعية والإقليمية، بما يعزز الانسجام والاستقرار المجتمعي. ويتجسد ذلك من خلال تحسين مستويات الدخل وتوسيع منظومة الضمان الاجتماعي والارتقاء بجودة التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة، بما يضمن استفادة مختلف فئات المجتمع من ثمار النمو الاقتصادي.
4- الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية
يرتكز النموذج الصيني على التكامل بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، إذ تعد التنمية الاقتصادية وسيلة لتحسين نوعية الحياة، وليست غاية في حد ذاتها. ومن هذا المنطلق، ارتبطت سياسات النمو بتوسيع الخدمات الاجتماعية وتعزيز فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية وتحقيق قدر أكبر من الأمن الاجتماعي، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر توازنا واستقرارا.
5- التوازن بين التنمية وحماية البيئة
أصبحت التنمية المستدامة عنصرا أساسيا في فلسفة التحديث الصيني النمط، حيث تسعى الصين إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. وانعكس ذلك في تبني مفهوم التنمية العالية الجودة والتوسع في الاقتصاد الأخضر وخفض انبعاثات الكربون وتشجيع استخدام التكنولوجيا النظيفة، بما يعزز التنمية الطويلة المدى ويحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
6- الجمع بين التقدم المادي والارتقاء الحضاري والثقافي
يرى الحزب الشيوعي الصيني أن التحديث لا يكتمل بالإنجاز الاقتصادي وحده، بل يتطلب أيضا تعزيز البناء الحضاري والثقافي وترسيخ منظومة القيم، والمحافظة على الهوية الوطنية. لذلك يجمع المشروع الصيني بين تطوير الاقتصاد وتعزيز الثقافة والوعي المجتمعي، بما يحقق التوازن بين التقدم المادي والحضاري المعنوي، ويضمن استدامة مشروع النهضة الوطنية.
7- التنمية السلمية ورفض الهيمنة
يقوم التحديث الصيني النمط على مبدأ التنمية السلمية، ويؤكد أن صعود الصين لا يستهدف الهيمنة أو التوسع، وإنما يهدف إلى تعزيز التعاون الدولي وتحقيق المنفعة المتبادلة. ومن ثم، تدعو الصين إلى احترام سيادة الدول ومعارضة سياسة القوة ودعم التعددية والمشاركة في إصلاح نظام الحوكمة العالمية، بما يسهم في ترسيخ السلام والتنمية على المستوى الدولي.
وتبرز فلسفة التحديث الصيني النمط، في مجملها، نموذجا تنمويا يقوم على التكامل بين القيادة السياسية الفاعلة والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية والابتكار العلمي والاستدامة البيئية والانفتاح الدولي، مع المحافظة على الخصوصية الحضارية والثقافية للصين. ومن هذا المنطلق، تقدم الصين تجربتها بوصفها مسارا تنمويا مستقلا يؤكد تعدد نماذج التحديث، وإمكانية تحقيق التنمية وفق الخصوصيات الوطنية لكل دولة بعيدا عن فرض نموذج واحد للتنمية.
ثالثا، من التحديث الوطني إلى بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية
يمثل مفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية الامتداد الخارجي لفلسفة التحديث الصيني النمط، إذ ترى القيادة الصينية أن نجاح التنمية الوطنية ينبغي أن يسهم في تعزيز التعاون الدولي وإصلاح النظام العالمي. ومن هذا المنطلق، انتقلت الرؤية الصينية من التركيز على النهضة الوطنية إلى طرح تصور للعلاقات الدولية يقوم على السلام والتنمية والتعاون والمنفعة المتبادلة، استجابة للتحديات التي فرضتها العولمة وترابط مصالح الدول والشعوب.
1- الاحترام المتبادل بين الدول
يقوم هذا التصور على احترام سيادة الدول واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وإقرار حق كل دولة في اختيار نظامها السياسي ومسارها التنموي وفق ظروفها الوطنية. وترى الصين أن العلاقات الدولية الأكثر استقرارا وعدالة هي التي تقوم على المساواة والاحترام المتبادل، بعيدا عن سياسات الهيمنة والإملاء.
2- التعاون والتنمية المشتركة
تنطلق الرؤية الصينية من أن التنمية أصبحت مسؤولية مشتركة في ظل الترابط الاقتصادي العالمي، وأن التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي يمثل أساسا لتحقيق المنفعة المتبادلة. ولذلك، تعمل الصين على توسيع شراكاتها الدولية وتشجيع التكامل الاقتصادي، بما يسهم في تحقيق التنمية والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
3- الحوار بين الحضارات
تؤكد الصين أن التنوع الحضاري يمثل مصدر إثراء للمجتمع الدولي، وترفض فرض نموذج حضاري واحد على جميع الدول. ومن ثم، تدعو إلى تعزيز الحوار والتبادل الثقافي واحترام خصوصيات الشعوب وتشجيع التعلم المتبادل بين الحضارات، بما يسهم في بناء علاقات دولية قائمة على التفاهم والتعايش.
4- الإصلاح العادل لنظام الحوكمة العالمية
ترى الصين أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي تستدعي إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية بما يحقق تمثيلا أكثر عدالة للدول، ولاسيما الدول النامية. وتهدف هذه الرؤية إلى تعزيز التعددية وتطوير آليات صنع القرار الدولي وإقامة نظام دولي أكثر توازنا وإنصافا، يعكس المتغيرات الاقتصادية والسياسية المعاصرة.
5- مواجهة التحديات العالمية بصورة جماعية
تؤكد الرؤية الصينية أن القضايا العالمية، مثل تغير المناخ والأوبئة والفقر والأمن الغذائي وأمن الطاقة، تتجاوز قدرة أي دولة على معالجتها منفردة، مما يفرض تعزيز التعاون الدولي وتنسيق الجهود لمواجهة هذه التحديات في إطار المسؤولية المشتركة وتحقيق التنمية المستدامة.
6- دعم مبادرة "الحزام والطريق"
تمثل مبادرة "الحزام والطريق" التطبيق العملي لفكرة بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، إذ تهدف إلى تعزيز الترابط بين الدول عبر تطوير البنية التحتية وتيسير التجارة وتشجيع الاستثمار وتوسيع التعاون في مجالات النقل والطاقة والاقتصاد والابتكار، بما يخدم التنمية المشتركة ويعزز التكامل الاقتصادي.
7- دعم التنمية العالمية والأمن العالمي والحضارة العالمية
وسعت الصين رؤيتها الدولية من خلال ثلاث مبادرات مترابطة هي: مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحضارة العالمية، التي تشكل إطارا متكاملا للتعاون الدولي. وتؤكد هذه المبادرات أن تحقيق السلام الدائم يرتبط بالتنمية الشاملة، وأن الأمن ينبغي أن يكون مشتركا، وأن الحوار بين الحضارات واحترام التنوع الثقافي يمثلان أساسا لبناء عالم أكثر استقرارا وتعاونا.
ويبرز هذا المحور أن مفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية يمثل امتدادا طبيعيا لمسيرة الحزب الشيوعي الصيني وفلسفة التحديث الصيني النمط، إذ تسعى الصين إلى توظيف نجاح تجربتها التنموية في دعم نظام دولي يقوم على التعاون والاحترام المتبادل والتنمية المشتركة، بما يعزز الاستقرار والسلام العالميين.
تكشف مسيرة الحزب الشيوعي الصيني، خلال أكثر من قرن، عن تطور مشروع سياسي وتنموي استطاع التكيف مع التحولات الداخلية والخارجية، والانتقال من قيادة الثورة والتحرر الوطني إلى قيادة مشروع شامل للتحديث والتنمية. وقد ارتكز هذا المشروع على الجمع بين القيادة السياسية والنمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والابتكار العلمي، والاستدامة البيئية، مع المحافظة على الخصوصية الحضارية والثقافية للصين.
وفي هذا السياق، يقدم التحديث الصيني مسارا تنمويا يقوم على رؤية متكاملة لا تقتصر على تحقيق التنمية الداخلية، بل تمتد إلى الإسهام في صياغة رؤية جديدة للعلاقات الدولية من خلال مفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، الذي يدعو إلى احترام سيادة الدول وتعزيز التعاون وإصلاح الحوكمة العالمية، ومواجهة التحديات المشتركة بروح المسؤولية الجماعية. ومن ثم، تبرز التجربة الصينية، في الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب، بوصفها تجربة وطنية ذات خصوصية تاريخية وحضارية، تقدم تصورا يؤكد تعدد مسارات التحديث، وإمكانية الجمع بين التنمية الوطنية والإسهام في تحقيق السلام والتنمية على الصعيد العالمي.
--
د. فؤاد الغزيزر، رئيس مركز الدراسات والأبحاث الأفرو- آسيوية في جامعة الحسن الأول، سطات بالمغرب.
