
جاسم إبراهيم الناجم، سفير دولة الكويت لدى جمهورية الصين الشعبية
نحتفل هذا العام بالذكرى السنوية الخامسة والخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين دولة الكويت وجمهورية الصين الشعبية، وهي محطة تاريخية مضيئة في مسار العلاقات الثنائية التي قامت على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والمساواة والمنفعة المشتركة. وعلى مدى خمسة وخمسين عاما، تجاوز الجانبان المسافات الجغرافية والاختلافات الثقافية، ليؤسسا نموذجا متميزا من الصداقة الصادقة والتعاون المثمر، قائما على الثقة والتفاهم والدعم المتبادل. وإن استذكار هذه المسيرة الحافلة بالإنجازات يعزز اعتزازنا بما تحقق، ويمنحنا ثقة كبيرة بمستقبل أكثر إشراقا للعلاقات بين بلدينا الصديقين.
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1971 بين دولة الكويت وجمهورية الصين الشعبية، واصلت العلاقات الثنائية تطورها بخطى ثابتة، بفضل الرؤية الحكيمة لقيادتي البلدين والحرص المشترك على تعزيز التعاون في مختلف المجالات. وكانت دولة الكويت سباقة في بناء علاقات صداقة مع الصين، في خطوة تعكس عمق الرؤية الإستراتيجية الكويتية وتقديرها لمسيرة التنمية الصينية ودورها المتنامي على الساحة الدولية. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، تعززت الثقة السياسية المتبادلة، وتكثفت الزيارات الرفيعة المستوى، وساند الجانبان بعضهما بعضا في القضايا الجوهرية، بما أسهم في ترسيخ استقرار العلاقات الثنائية وتعزيز نموها المستدام.
ومع دخول العصر الجديد، شهدت العلاقات الكويتية- الصينية مرحلة نوعية من التطور الشامل والمتسارع. وكان للتواصل الوثيق بين قيادتي البلدين دور محوري في دفع مسيرة التعاون إلى مستويات أعمق. ففي سبتمبر 2023، قام حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه، بزيارة ناجحة إلى مدينة هانغتشو، حيث التقى فخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ، وتم خلال اللقاء تبادل وجهات النظر حول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين البلدين التي أعلنت في عام 2018، كما تم التوقيع على سبع مذكرات تفاهم شملت عددا من المجالات الحيوية. كما شهدت العلاقات زخما إضافيا من خلال زيارة نائب رئيس جمهورية الصين الشعبية السيد هان تشنغ إلى دولة الكويت في نوفمبر 2025، في تأكيد واضح على عمق الروابط السياسية والحرص المشترك على توسيع آفاق التعاون.
وتفخر دولة الكويت بكونها أول دولة في الشرق الأوسط توقع على وثائق الانضمام إلى مبادرة "الحزام والطريق" عام 2014، إدراكا منها لأهمية هذه المبادرة الرائدة في تعزيز الترابط الاقتصادي وتحقيق التنمية المشتركة. وتتقاطع مبادرة "الحزام والطريق" مع "رؤية الكويت 2035" في العديد من الأولويات التنموية، مما أتاح فرصا واسعة للتعاون في مجالات البنية التحتية والطاقة والاستثمار والتنمية الصناعية، وأسفر عن تنفيذ مشروعات إستراتيجية تعكس عمق الشراكة والثقة المتبادلة.
وفي هذا الإطار، تم في ديسمبر 2025 التوقيع على وثائق تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع ميناء مبارك الكبير، بقيمة تقارب أربعة مليارات دولار أمريكي، إلى جانب مشروع ضخم للصرف الصحي بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة الكويتية وشركات حكومية صينية، بقيمة نحو ثلاثة مليارات دولار أمريكي. وهو ما يعكس بوضوح حجم الثقة الكبيرة في القدرات الصينية المتقدمة في مجالات البناء والهندسة والبنية التحتية، ويجسد روح التعاون القائم على المنفعة المتبادلة.
ويعد التعاون في مجال الطاقة أحد الأعمدة الرئيسية للعلاقات الكويتية- الصينية، حيث تمثل دولة الكويت شريكا موثوقا للصين في تلبية احتياجاتها من النفط الخام ومشتقاته، في حين أسهمت الشركات الصينية بدور مهم في تطوير مشروعات الطاقة والتكرير والبنية التحتية المرتبطة بها في الكويت. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 23 مليار دولار أمريكي في عام 2023، مما يعكس متانة الشراكة الاقتصادية وأهميتها الإستراتيجية لكلا الجانبين.

10 نوفمبر 2024، عرض موســيقي كويتي بالآلات التقليدية، في أول مشاركة للكويت بمهرجان "آسيا بلا حدود" الفني، في مركز هونغ كونغ الثقافي.
وفي المجال الإنساني والثقافي، تشهد العلاقات الكويتية- الصينية زخما متزايدا من خلال التعاون في مجالات التعليم والثقافة والإعلام والسياحة والتبادلات الشبابية. وقد أسهم هذا التفاعل الحيوي في تعميق التفاهم بين الشعبين الصديقين، وتعزيز الأساس الشعبي المتين للعلاقات الثنائية.
وعلى الصعيد الدولي، تعرب دولة الكويت عن تقديرها الكبير للدور البناء الذي تضطلع به جمهورية الصين الشعبية في دعم السلم والأمن الدوليين، كما تؤيد مبادرات فخامة الرئيس شي جين بينغ الأربع، وهي: مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الأمن العالمي ومبادرة الحوكمة العالمية، لما تحمله من رؤى عملية لمواجهة التحديات العالمية وتعزيز الاستقرار والتنمية. كما تثمن دولة الكويت عاليا المبادرات الإنسانية الصينية، ومنها تبرع فخامة الرئيس الصيني بمبلغ 100 مليون دولار أمريكي كمساعدات للشعب الفلسطيني، دعما لتخفيف الأزمة الإنسانية في غزة والمساهمة في جهود التعافي وإعادة الإعمار، في موقف يعكس التزام الصين الراسخ بالقيم الإنسانية والعدالة الدولية.
وانطلاقا من هذه الذكرى الغالية، تتطلع دولة الكويت وجمهورية الصين الشعبية إلى مواصلة بناء مستقبل أكثر ازدهارا للشراكة الإستراتيجية بينهما، من خلال تعميق الثقة السياسية وتوسيع مجالات التعاون في إطار "الحزام والطريق" وتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية والإنسانية، إلى جانب مواصلة التنسيق الوثيق في القضايا الإقليمية والدولية.
كما قال الشاعر الصيني وانغ بوه في فترة أسرة تانغ (618- 907م): "إذا وُجد الصديق الصادق في أرجاء الدنيا، أصبحت المسافات البعيدة كأنها قريبة متجاورة"، فإن العلاقات بين دولة الكويت وجمهورية الصين الشعبية، القائمة على الصداقة الراسخة والرؤية المشتركة، ستواصل تقدمها بثبات نحو آفاق أوسع من التعاون والازدهار. وإننا على ثقة تامة بأن هذه الشراكة الإستراتيجية النموذجية ستعود بمزيد من الخير والمنفعة على شعبي البلدين الصديقين، وستسهم إسهاما مهما في دعم السلام والاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.
--
جاسم إبراهيم الناجم، سفير دولة الكويت لدى جمهورية الصين الشعبية.
