رحلتي مع الصين، رحلة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل كانت مسارا إنسانيا وثقافيا غير رؤيتي للعالم، ووسع إدراكي لمعنى الانتماء والهوية والتعايش بين الحضارات. جئت إلى الصين في البداية لمتابعة دراسة الماجستير في جامعة بكين للغات والثقافة، مدفوعة بشغفي باللغة الصينية ورغبتي في تعميق فهمي لثقافة طالما جذبتني. أما اليوم، فأعمل في المجال الإعلامي، حاملة مسؤولية أكبر تتمثل في نقل ما أعيشه في الصين بصدق إلى الجمهور العربي. ليس لأنني أحكي القصص بطريقة مبهرة، بل لأن قصة الصين بحد ذاتها مبهرة بما يكفي.
منذ اللحظة الأولى التي وصلت فيها إلى الصين في عام 2022، شعرت بإحساس غريب لم أختبره من قبل. عندما نزلت من الطائرة، راودني شعور يشبه العودة إلى الوطن، رغم أنني كنت على بعد آلاف الكيلومترات من تونس. لم يكن هذا الإحساس وليد المصادفة، بل نتيجة علاقة طويلة بدأت منذ الطفولة. فقد تعرفت على الصين لأول مرة من خلال أفلام الكونغ فو، وأعمال النجم العالمي جاكي شان، التي لم تكن بالنسبة لي مجرد أفلام ترفيهية، بل نافذة على عالم مختلف، عالم يحمل قيم الانضباط والاحترام والشجاعة والعمل الدؤوب.
كان والدي، الذي يعمل في مجال السياحة، أحد أهم المؤثرين في توجيهي نحو الصين. كان يحدثني دائما عن هذا البلد كنموذج للتنمية السريعة، وعن قدرته على تحويل التحديات إلى فرص. وكان يؤكد لي أن فهم الصين ولغتها سيصبح في المستقبل عنصر قوة لأي شاب يسعى للتميز. بدعمه وتشجيعه، بدأت رحلتي مع اللغة الصينية، لغة لم تكن سهلة على الإطلاق، لكنها كانت مليئة بالتحدي والمتعة والاكتشاف.
درست اللغة الصينية لمدة ثلاث سنوات في المعهد العالي للغات في تونس، حيث أدركت أن تعلم لغة جديدة يعني في جوهره تعلم طريقة تفكير جديدة. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي مرآة تعكس ثقافة المجتمع وقيمه ورؤيته للحياة. ومع مرور الوقت، لم تعد اللغة الصينية بالنسبة لي مادة دراسية، بل أصبحت جسرا يربطني بعالم أوسع. وبعد إنهاء دراستي الجامعية، اتخذت قرارا حاسما بمواصلة مسيرتي الأكاديمية في الصين، إيمانا مني بأن الاحتكاك المباشر هو الطريق الحقيقي لفهم أي ثقافة.
كغيري من الطلاب الأجانب، واجهت في البداية صعوبات عديدة. كانت اللغة أكبر تحد لي، خاصة في الحياة اليومية، حيث لا تكفي المعرفة الأكاديمية وحدها للتواصل الفعلي. في بعض الأحيان، كان شراء فنجان قهوة أو طلب وجبة طعام مهمة تحتاج إلى جهد وتركيز. كما واجهت اختلافات ثقافية تتعلق بأسلوب التواصل، وإدارة الوقت، وحتى طريقة التعبير عن المشاعر. لكن هذه التحديات، التي بدت في البداية مرهقة، تحولت مع الوقت إلى دروس ثمينة، ساعدتني على تطوير نفسي وبناء شخصية أكثر مرونة وانفتاحا.
أدركت مع مرور الوقت أن التواصل الحقيقي لا يعتمد فقط على إتقان اللغة، بل على الاحترام المتبادل والاستعداد للفهم. عندما بدأ مستواي في اللغة الصينية في التحسن، بدأت ألاحظ تغيرا واضحا في طريقة تفاعلي مع المجتمع من حولي. أصبحت العلاقات أسهل والابتسامات أكثر، وشعرت بأن الأبواب بدأت تفتح أمامي واحدا تلو الآخر. وهنا اكتشفت أن جمال الصين الحقيقي لا يظهر إلا لمن يقترب منها بصدق.
العلاقة بين العالم العربي والصين ليست علاقة جديدة أو طارئة، بل تمتد جذورها إلى قرون طويلة عبر طريق الحرير القديم، الذي شكل جسرا حضاريا وثقافيا بين الشرق والغرب. هذا الطريق لم يكن مجرد مسار للتجارة، بل قناة لتبادل الأفكار والمعارف والقيم. وأنا أثق بالصين، لأنني أعلم أن للصين تاريخا حضاريا وتجاريا عريقا، فنحن من شربنا الشاي في بيوتنا العربية، وعرفناه بفضل طريق الحرير الذي ربط بين حضاراتنا منذ قرون.
ها أنا اليوم أعيش في الصين، أشعر بأن هذا الإرث التاريخي ما زال حاضرا، وإن اتخذ أشكالا جديدة تتناسب مع العصر الحديث.
في الصين، تعمقت في فهم قيم إنسانية أساسية، مثل التواضع والاحترام والالتزام والعمل الجماعي، وهي مبادئ أكد عليها الفكر الكونفوشي، ولا تزال متجذرة في المجتمع الصيني المعاصر. كما لفت انتباهي التماسك الأسري القوي، حيث تحتل العائلة مكانة مركزية في حياة الفرد، وتشكل مصدر دعم واستقرار. هذا التماسك لا يقتصر على الأسرة فقط، بل يمتد ليشمل المجتمع ككل، حيث يسود شعور بالمسؤولية الجماعية والتعاون.
ومن اللافت أن هذه القيم نجدها راسخة أيضا في المجتمعات العربية، حيث تحظى الأسرة بمكانة محورية، وتعد الروابط العائلية والاجتماعية مصدرا أساسيا للدعم والتكافل. كما يشترك المجتمعان في تقدير الاحترام المتبادل وروح التضامن والعمل الجماعي، وهي قيم إنسانية مشتركة تعكس عمق الحضارتين وأصالتهما.
الصينيون، كما لاحظت، يتمتعون بحب عميق لوطنهم، ويفتخرون بإنجازاته ويؤمنون بأن العمل الجاد هو الطريق الأساسي لتحقيق التقدم. هذا الإيمان الجماعي بقيمة العمل والاجتهاد انعكس في مختلف جوانب الحياة، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن البحث العلمي إلى الابتكار التكنولوجي. هذه الروح أثرت فيّ كثيرا، وجعلتني أعيد النظر في مفاهيم النجاح والطموح.
ولا يمكنني الحديث عن تجربتي من دون التوقف عند دور عائلتي، وخاصة والديّ، اللذين كانا دائما مصدر دعم وتشجيع. رغم القلق الطبيعي الذي شعرا به في البداية من سفري إلى بلد بعيد بثقافة مختلفة، فإن هذا القلق تحول تدريجيا إلى اطمئنان وفخر، عندما رأيا أنني أعيش في بيئة آمنة ومستقرة، وأنني أحقق تقدما ملموسا على الصعيدين الأكاديمي والمهني. هذا الدعم العائلي كان له دور كبير في تعزيز ثقتي بنفسي وقدرتي على مواجهة التحديات.
الحياة اليومية في الصين تتسم بدرجة عالية من التنظيم والكفاءة. شبكة القطارات الفائقة السرعة التي تصل سرعتها إلى 300 كيلومتر في الساعة، جعلت التنقل بين المدن تجربة مريحة وسلسة، وساهمت في تقليص المسافات وتعزيز التواصل بين المناطق المختلفة. كما أن تطور وسائل النقل الحضري وتطبيقات الدفع الإلكتروني وخدمات توصيل الطعام، جعل الحياة أكثر بساطة وسرعة، وساهم في رفع جودة الحياة بشكل عام.
لكن هذه السهولة لا تعني غياب الجهد أو المسؤولية، بل هي نتيجة عمل طويل وتخطيط دقيق. ومن خلال معايشتي، أدركت أن هذا المستوى من التطور لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة استثمار مستمر في التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية. وهنا يتجلى درس مهم يمكن الاستفادة منه في العالم العربي، وهو أن التنمية الحقيقية تحتاج إلى رؤية طويلة المدى وإرادة جماعية.
إتقان اللغة الصينية يظل مفتاحا أساسيا للاندماج الحقيقي في المجتمع. فكلما يتعمق فهمك للغة، تصبح قادرا على فهم الثقافة بشكل أعمق. النصيحة التي أقدمها لكل من يرغب في القدوم إلى الصين هي: لا تخجل من الخطأ وتحدث قدر الإمكان واستمع كثيرا، وابن علاقات حقيقية مع الناس. فالتعلم لا يحدث في القاعات الدراسية فقط، بل في الشارع والمقهى ووسائل النقل والأحاديث اليومية البسيطة.
قدمت لي الصين فرصا مهنية وإنسانية ثمينة، من بينها عملي الحالي في المجال الإعلامي، حيث أستطيع الجمع بين شغفي بالثقافة والتواصل، ورغبتي في بناء جسور الفهم بين الشعوب. الإعلام بالنسبة لي ليس مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية، خاصة في عالم تكثر فيه المعلومات المغلوطة والصور النمطية. ومن خلال عملي، أسعى إلى تقديم صورة إنسانية للصين، تبرز تنوعها وتعقيدها، وتسلط الضوء على التجارب اليومية للأشخاص العاديين.
وبعد الاستماع إلى لغات كثيرة والتعرف إلى ثقافات متعددة، أستطيع القول بثقة إن للغة الصينية سحرا خاص. فهي لغة تحمل في طياتها تاريخا وفلسفة عميقة، وتعكس رؤية مختلفة للعالم. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه اللغة جزءا من هويتي، ووسيلة للتعبير عن نفسي وبناء مستقبلي.
الصين بلد يستحق أن يكتشف عن قرب، بعيدا عن الصور النمطية والانطباعات السطحية. فالحقيقة لا تعرف من بعيد، بل من خلال التجربة المباشرة والتفاعل الإنساني. ودعوتي لكل من يرغب في فهم الصين، أن يزورها بنفسه ويتحدث مع أهلها، ويعيش تفاصيل الحياة اليومية فيها.
أما طموحي في المستقبل، فهو أن أكون جسرا ثقافيا وسفيرة للتواصل بين العالم العربي والصين، أُسهم في تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل، إيمانا مني بأن التقارب بين الشعوب يبدأ بالفهم ويستمر بالاحترام ويزدهر بالتعاون. فالعالم اليوم بحاجة إلى مزيد من الجسور، لا إلى الجدران، وإلى قصص إنسانية صادقة تذكرنا بأن الاختلاف ليس عائقا، بل فرصة للتعلم والنمو.
--
أسماء الدرويش، صحفية تونسية في القناة الصينية العربية.
