في الخامس والعشرين من يونيو 2023، أعلنت مصر الانتهاء من أعمال تجميع واختبار القمر الاصطناعي "مصر سات 2"، بالتعاون مع الصين. وذكر بيان لوزارة التعاون الدولي المصرية، أنه تم إنهاء عملية التجميع والاختبار في وكالة الفضاء المصرية، وأن ذلك يأتي تمهيدا لإعادة شحنه وإطلاقه من الصين. وخلال مراسم تسليم المنحة المقدمة من الحكومة الصينية إلى الحكومة المصرية، المتمثلة في نموذجي القمر الاصطناعي "مصر سات 2"، وبحضور الدكتور شريف صدقي الرئيس التنفيذي لوكالة الفضاء المصرية، وفانغ شي لي المدير المالي لشركة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية، إلى جانب لفيف من ممثلي الجانبين الصيني والمصري، أكد سفير الصين لدى مصر لياو لي تشيانغ، أن هذا المشروع يعد إنجازا نموذجيا جديدا للتعاون الصيني- المصري في إطار تنفيذ مبادرة "الحزام والطريق"، مشيرا إلى أن ذلك يجعل مصر أول دولة أفريقية تتمتع بقدرات كاملة لتجميع وتكامل واختبار الأقمار الاصطناعية، مما سيعزز بشكل كبير تطوير صناعة الفضاء في مصر. وقال السفير إنه في المرحلة المقبلة ستقوم مصر بالتحكم في القمر الاصطناعي واستخدامه للقياس عن بعد بشكل مستقل. واقترح الجانب الصيني التركيز على تدريب فريق من العلماء المصريين أثناء تنفيذ المشروع، وتزويد الجانب المصري بخبرة غنية عن المشروع، خاصة في مرحلة الاختبار الأرضي للأقمار الاصطناعية والتحكم البعيد المدى بالاستشعار من البعد بعد إطلاق "مصر سات 2". وأكدت الدكتورة رانيا المشاط وزيرة التعاون الدولي المصرية، أن هذا التعاون يمثل نموذجا فريدا لتبادل المعرفة والتعاون الفعال بين الجانبين، فضلا عن أنه يؤكد حرص الجانب الصيني على دعم أولويات مصر في تعزيز البحث العلمي بشكل عام ودعم برنامج الفضاء المصري بشكل خاص، موضحة أن التعاون المصري- الصيني في هذا المجال سيمضي قدما لتحقيق المزيد من التقدم بما ينعكس على جهود التنمية. وقال المسؤول عن مشروع القمر الاصطناعي "مصر سات 2" الدكتور أحمد الرافعي، إنه تم الانتهاء من أعمال تجميع وتكامل واختبار القمر الاصطناعي "مصر سات 2" بالتعاون مع الجانب الصيني بتكلفة 74 مليون دولار أمريكي، منحة مقدمة من الصين. ووفقا للخطة، غادر القمر الاصطناعي القاهرة إلى الصين في 28 يونيو لاستكمال الاستعدادات قبل إطلاقه. وأكدت وكالة الفضاء المصرية أن امتلاك مصر تكنولوجيا الفضاء لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة لتحقيق أهداف الدولة المصرية للتنمية المستدامة والنهضة الاقتصادية التي تصبو إليها الدولة المصرية. جدير بالذكر هنا أن تشانغ تاو، القائم بأعمال سفارة الصين لدى مصر، أكد في تصريحات له في 22 سبتمبر 2022، أن مصر في طليعة الدول الأفريقية في مجال تكنولوجيا الفضاء، لافتا إلى أن قطاع الفضاء المصري شهد قفزة هائلة في عهد الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
بداية المشروع والتقدم المحرز فيه
تم توقيع اتفاقية حول مشروع "مصر سات 2" بين الصين ومصر بالقاهرة في يناير 2019 تحت رعاية مشتركة من الرئيس شي جين بينغ والرئيس عبد الفتاح السيسي. ويعود نجاح هذا المشروع العظيم إلى عام 2014، إذ وقعت إدارة الفضاء الوطنية الصينية والهيئة القومية المصرية للاستشعار من البعد وعلوم الفضاء، على اتفاقية التعاون في مجال علوم الفضاء والاستشعار من البعد لتحديد التعاون حول القمر الاصطناعي للاستشعار من البعد وغيره من المجالات. وخلال زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى مصر في يناير عام 2016، وقعت الصين ومصر على الاتفاقية بشأن المنحة المقدمة من الحكومة الصينية إلى الحكومة المصرية المتمثلة في إنشاء مركز تجميع وتكامل واختبار الأقمار الاصطناعية، وبدأ تنفيذ الاتفاقية في عام 2017. وفي عام 2019، وقع البلدان على اتفاقية المنحة الصينية المتمثلة في مشروع القمر الاصطناعي "مصر سات 2"، ثم بدأ تنفيذها في نفس العام. في حفل التوقيع عام 2019، قال شي بينغ يان نائب مدير الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا الفضاء، إن مشروع "مصر سات 2" يعتبر رمزا بارزا ودلالة واضحة للعمق المتزايد للتعاون الصيني- المصري، حيث خططت الأكاديمية لتشكيل فريق إداري وفني مشترك للإسراع في إكمال المشروع. وأكد شي بينغ يان على أهمية تبادل التجارب والخبرات خلال المشروع، مضيفا أن الجانب الصيني سينفذ تدريبات لكوادر مصرييين في علوم وتكنولوجيا الفضاء، علاوة على تحسين قدراتهم الأساسية في ذلك المجال، مما يوفر قاعدة متينة لمصر من حيث تراكم خبرة إدارة المشروعات المعنية وتطوير الصناعة الفضائية على المدى الطويل. وأشار ممدوح سليمان الوزير المفوض ورئيس المكتب الاقتصادي والتجاري الأسبق بسفارة مصر لدى الصين، إلى أن مشروع "مصر سات 2" هو خطوة تقدم جديدة للتعاون المصري- الصيني في مجال الفضاء، مضيفا أن التجربة الصينية تستحق الدراسة لاستكشاف فرص الاستفادة منها من أجل تحقيق التنمية المحلية التي تنشدها بلاده في ذلك الحين. وتوقع سليمان المزيد من التعاون بين البلدين في مجالات لا تقتصر على الفضاء فحسب، بل تمتد لجميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية وغيرها، لتحقيق المنفعة المتبادلة والفوز المشترك في المستقبل.
ومنذ ذلك الحين نشأ مشروع التعاون الوثيق والودي بين الحكومتين الصينية والمصرية، في إطار تنفيذ مبادرة "الحزام والطريق" التي طرحها الرئيس شي جين بينغ، كما يعد "مصر سات 2" مشروعا تاريخيا لتنفيذ المزيد من التعاون المتعمق في مجال التكنولوجيا الفائقة في قطاع الفضاء على أساس مبدأ "التشاور المشترك، والبناء المشترك، والإنجاز المشترك". ومن الجدير بالذكر أن مصر أول دولة تتعاون معها الصين لإكمال التشغيل التجريبي الواسع النطاق لقمر اصطناعي خارج الصين، حيث تم نقل أجزاء القمر الاصطناعي بالكامل إلى خارج الصين واستخدام المرافق المصرية المعنية لإتمام أعمال التجميع والتكامل والاختبار، ثم تسليم النموذج الأولي للقمر الاصطناعي محليا بعد استكمال هذه الخطوات. وتم الانتهاء من هذا المشروع التعاوني الكبير في مبنى مركز التجميع والتكامل والاختبار التابع لوكالة الفضاء المصرية الذي تم بناؤه بالتعاون بين الصين ومصر، وهو المبنى الخاص بتجميع وتكامل واختبار وتشغيل الأقمار الاصطناعية، وهو مجهز بأحدث الأجهزة والمعدات لاستكمال هذا التعاون والمشروع الفضائي.
أهمية مشروع مصر سات 2
القمر الاصطناعي "مصر سات 2" من الأقمار المتوسطة الحجم، حيث يبلغ وزنه نحو 350 غراما وعمره الافتراضي خمس سنوات، ومزود بكاميرا تصوير عالية الدقة تبلغ 2 متر أبيض وأسود، ويساعد الدولة في خططها التنموية في العديد من المجالات.
من منظور تقني وتطبيقي، سيوفر التطبيق الناجح للقمر الاصطناعي المعدل مساعدة كبيرة وملاءمة في تخطيط الأراضي ومسح الثروة الطبيعية والموارد المائية وتخطيط الموارد السمكية ومراقبة تغيرات البيئة الساحلية والسواحل وما إلى ذلك. وهذا يعني أنه فيما يتعلق بالزراعة، يمكنه مساعدة مصر في الحصول على معلومات أفضل عن توزيع وأنواع المحاصيل؛ من حيث البيئة الساحلية، يساعد في فهم التغيرات في الشواطئ الشمالية بوضوح؛ ومن حيث الأنهار، يساعد في تتبع تطوير مجاري الأنهار واتجاهات التدفق؛ ومن حيث التخطيط الحضري، يمكنه المساعدة في تخطيط البناء الحضري. كل هذا يسمح لمصر بالحصول على فهم أفضل في مجالات موارد الأرض والهيدرولوجيا والظروف الجيولوجية، وعلى هذا الأساس، تحقيق استخدام موارد الأرض بشكل أكثر فعالية.
وفي مجال تكنولوجيا الفضاء، من خلال تنفيذ هذا المشروع، تمتلك مصر مبنى مركز التجميع والتكامل والاختبار المجهز بالمعدات التقنية لاستكمال تجميع وتكامل واختبار الأقمار الاصطناعية، ولديها الأجهزة والبرامج اللازمة للتحكم من البعد في الأقمار الاصطناعية. وفيما يخص بالكوادر المدربين، فإن هذا المشروع يوفر لعلماء الفضاء المصريين تجربة عملية كاملة في هذا المجال ويضع أساسا راسخا لهم يمكنهم من القيام بعمل بحث علمي مستقل في المستقبل، تماما كما قالت الدكتورة رانيا المشاط: "هذا يعكس التعاون الوثيق بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية وانعكاسه في كافة المجالات، والجهود المبذولة لتوطين عملية تصميم وتجميع وصناعة الأقمار الاصطناعية في مصر." وعلى المدى الطويل، وضع هذا الأساس من المعدات والكفاءات لمصر لإكمال تصنيع وإطلاق والتحكم عن بعد في الأقمار الاصطناعية وحتى المركبات الفضائية المأهولة في المستقبل اعتمادا على قدرتها الذاتية.
من منظور تنمية الشراكة الإستراتيجية بين الصين ومصر وحتى مع الدول الأفريقية الأخرى، هذا التعاون المشترك يؤكد إسهامات الصين القوية وجهودها في دعم تطوير صناعة الفضاء المصري من أجل تحقيق التطور العظيم لتكنولوجيا الفضاء المصرية، وتلتزم الصين ومصر بتحقيق المزيد من النتائج الرائعة في هذا المجال. ويعتقد شعبا البلدين أن هذا التعاون سيصبح بداية لتعاون مستقبلي مكثف في مجال الفضاء وتطبيقات الاستشعار من البعد بين الجانبين. ويتمتع هذا المشروع بأهمية بارزة، حيث أن هذا التعاون سيتجاوز العلاقات الثنائية ليشمل المزيد من الدول الأفريقية من خلال الاستفادة من تواجد مقر وكالة الفضاء الأفريقية في مصر لتعزيز تبادل المعرفة وأفضل التقنيات بين مصر والصين ودول القارة الأفريقية.
