كلنا شرق < الرئيسية

السياسة الخارجية الصينية في عام 2020.. بين الثابت والمتغير

: مشاركة
2020-07-02 16:46:00 الصين اليوم:Source عادل علي:Author

حققت الدبلوماسية الصينية نجاحات وإنجازات لا حصر لها طيلة العقود الماضية، وخاصة منذ تدشين سياسة الإصلاح والانفتاح، ولكنها تواجه تحديات وإشكاليات، بعضها ناجم عن مسائل وقضايا تندرج في صميم الاختصاص الداخلي للدولة الصينية، ومع ذلك تصر بعض القوى الدولية على استغلالها كذريعة للتدخل في الشأن الداخلي الصيني، كالوضع في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، وما يسمى بـ"قضية تايوان"، ناهيك عن الوضع في منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم في شمال غربي الصين. هذا إضافة إلى التحديات الإقليمية التقليدية في الإطار الجغرافي المحيط بالصين، كالأزمة الأفغانية، وأزمة شبه الجزيرة الكورية، والأوضاع في بحر الصين الجنوبي، فضلا عن التحديات الاقتصادية، ولاسيما تنامي نزعات الأحادية والحمائية، وتتجلى أبرز ملامحها في الحرب التجارية الصينية- الأمريكية.

وبصفة عامة، يمكن القول إن التحديات المشار إليها سلفا، تُعد من التحديات الثابتة التي تواجهها الدبلوماسية الصينية، وتقوم قوى دولية ووسائل إعلام غربية بإثارتها بين الفينة والأخرى، للتدخل في الشؤون الداخلية للصين، ما يجعلها تحتل بندا دائما وثابتا ضمن أجندة السياسة الخارجية الصينية.

كوفيد- 19 تحد جديد للدبلوماسية الصينية

مع بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين واجهت الدبلوماسية الصينية تحديا جديدا من نوع آخر على خلفية تفشي مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد- 19). هذا التحدي مثّل ما يمكن اعتباره متغيرا جديدا أمام الدبلوماسية الصينية. ويمكن تفسير ذلك، في ضوء عدة اعتبارات: الأول، كونه يرتبط ببعد جديد على الساحة الدولية يتعلق بأمن الصحة العامة العالمي؛ الثاني، يرتبط بمحاولة بعض القوى الدولية- لاعتبارات المنافسة والمكانة الدولية- توظيف تلك المسألة الجديدة في سياق علاقاتها مع الصين، واستغلال مسألة نشأة المرض في الصين، لاتهامها بالمسؤولية عن انتشاره عالميا، وهو ما ردت عليه الصين بقوة وحزم؛ الثالث، ما ترتب على كوفيد- 19 من تحديات للصين. وقد جاء في تقرير عمل الحكومة الذي قدمه رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ أمام دورة المجلس الوطني لنواب الشعب ودورة المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (الدورتين) لعام 2020، أن الصين تواجه مخاطر وتحديات غير مسبوقة، في الوقت الراهن ولبعض الوقت خلال المستقبل؛ الرابع، ما يفرضه هذا التحدي الجديد من وقائع ومشكلات جديدة، يتعين على الدوائر الدبلوماسية الصينية التكيف معها، من أجل تقليل تأثير كوفيد- 19على حياة الشعب وصحته، وعلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصين.

هذه التحديات والاعتبارات، كانت لها انعكاساتها على أولويات السياسة الخارجية الصينية، إذ حدد وزير خارجية الصين وانغ يي خمس أولويات رئيسية للدبلوماسية الصينية في عام 2020، وهي: خدمة التنمية المحلية بشكل كامل؛ حماية المصالح الوطنية بشكل حازم؛ تعميق الشراكة باستمرار مع الدول الأخرى؛ الدفاع عن التعددية بقوة؛ إلى جانب توسيع التعاون الدولي في عام 2020 بفاعلية.

من هذا المنطلق، حظيت مسائل وقضايا السياسة الخارجية ببعديها السياسي والاقتصادي، بجانب البعد المستجد المرتبط بأزمة تفشي كوفيد- 19، باهتمام كبير من قبل الدورتين السنويتين اللتين عُقدتا في الثلث الأخير من مايو 2020.

أهداف متنوعة للدبلوماسية الصينية

حددت الحكومة الصينية أهداف تحركها المستقبلي على الصعيد الدبلوماسي في مواجهة التحديات المشار إليها، طبقا لما جاء في تقرير عمل الحكومة، في الآتي:

على الصعيد السياسي، المعارضة الحازمة والوقوف بشدة ضد أي نشاطات انفصالية تسعى وراء "استقلال تايوان". وذلك من خلال العمل على تحسين الترتيبات النظامية والسياسات والإجراءات لتشجيع التبادل والتعاون عبر مضيق تايوان، وتعزيز التنمية المتكاملة عبر المضيق وحماية رفاهية أبناء تايوان. وبخصوص الأوضاع في منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، فقد وافق المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني على تشريع الأمن الوطني الخاص بمنطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، ودعم آليات إنفاذه، لحماية الأمن الوطني للبلاد.

على الصعيد الاقتصادي والتجاري الدولي، العمل على تعزيز الانفتاح والنهوض به نحو مستوى أعلى بالتزامن مع التعهد بدعم استقرار التجارة الخارجية ودعم دور رأس المال الأجنبي، التأكيد على التنفيذ المشترك للمرحلة الأولى من الاتفاق الاقتصادي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية التي تم التوقيع عليها في يناير 2020، وكذلك العمل على تقليص القائمة السلبية للاستثمارات الأجنبية بشكل ملحوظ، كما أعلنت الحكومة أن الصين تعتزم حماية النظام التجاري المتعدد الأطراف بحزم، والمشاركة بفاعلية في إصلاح منظمة التجارة العالمية، بجانب التركيز على البناء المشترك العالي الجودة للحزام والطريق وتنفيذ التعاون متبادل المنفعة.

أما على صعيد حماية وتعزيز أمن الصحة العامة العالمي، فقد أشار تقرير عمل الحكومة إلى استعداد الصين للعمل مع الدول الأخرى لتعزيز التعاون الدولي بشأن مكافحة الوباء. وأوضح التقرير "أنه في مواجهة التحديات العالمية التي تشمل أزمة الصحة العامة والركود الاقتصادي الحاد، يتعين على جميع الدول العمل مع بعضها البعض".

الحوار كأساس لتسوية القضايا والأزمات الإقليمية

على صعيد القضايا والأزمات الإقليمية، تبدي بكين اهتماما ملحوظا بالأزمة الأفغانية، إذ ثمة حدود مشتركة للصين مع أفغانستان، وتهتم بكين أساسا بالقضاء على التنظيمات الإرهابية، التي من الممكن أن تتسلل عبر الحدود، وتضع بكين اهتماما بالغا للتعاون الاقتصادي مع كابول، ضمن مبادرة "الحزام والطريق". وهي تؤيد اختيارات الشعب الأفغاني بشأن تحديد مستقبله وطريق تنميته. ولذا، تؤيد بكين عملية السلام والمصالحة في أفغانستان، وربطت إحلال السلام في هذا البلد بتحقق خمس مهام عاجلة، وهي: تعزيز وحدة الحكومة، ووضع إطار للمحادثات بين الأفغان، وإنسحاب القوات الأجنبية، ومكافحة الإرهاب، والحصول على دعم خارجي. كما أبدت الصين استعدادها للعب دور فاعل في تعزيز الثقة المتبادلة وتحسين العلاقات بين أفغانستان وباكستان.

وفيما يتعلق بالأزمة في شبه الجزيرة الكورية، تؤكد الصين على أهمية الحوار بين كوريا الديمقراطية والولايات المتحدة الأمريكية كشرط أساسي لتسوية قضية شبه الجزيرة الكورية. وسبق للصين أن أبدت استعدادها لمواصلة القيام بدور إيجابي سعيا للتوصل إلى حل سياسي في شبه الجزيرة الكورية، ورحبت بالخطوات التي اتخذتها كوريا الديمقراطية لتحسين العلاقات مع جارتها جمهورية كوريا والولايات المتحدة الأمريكية.

حماية المصالح الوطنية العليا للدولة الصينية

فيما يتعلق بتايوان، حثت الصين الولايات المتحدة الأمريكية على التخلص من الأوهام والحسابات السياسية وعدم القيام بأي محاولة لتحدي الخط الأحمر للصين بشأن قضية تايوان، التي تعد شأنا داخليا صينيا، في ضوء إجماع وتوافق المجتمع الدولي على مبدأ "الصين الواحدة" كأساس للعلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول الأخرى. وعارضت بكين بشدة أي دعم وتشجيع من الخارج للعناصر التي تستغل كوفيد- 19 في السعي لما يسمى بـ"استقلال تايوان".

بشأن هونغ كونغ، رفضت بكين بشدة تدخل أي دولة أجنبية في تشريع الأمن الوطني لمنطقة هونغ كونغ، باعتباره شأنا داخليا صينيا، وأكدت أنه يستهدف أعمال الانفصال والتخريب والإرهاب والأنشطة التي تقوم بها القوى الخارجية التي تتدخل في شؤون منطقة هونغ كونغ. وانتقدت سعي بعض الدول الغربية إلى تقويض مساعي الصين لحماية سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها، ما يظهر نفاق الغرب ومعاييره المزدوجة.

وبخصوص شينجيانغ، رفضت بكين بحزم إقدام مجلس النواب الأمريكي في ديسمبر 2019 على إقرار ما أُطلق عليه "مشروع قانون سياسة حقوق الإنسان للويغور لعام 2019". إذ عبرت هوا تشون ينغ المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية عن استياء الصين القوي ومعارضتها الحازمة لتمرير مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون حول قضايا متعلقة بشينجيانغ. حيث رأت بكين أنه يشوه عمدا وضع حقوق الإنسان في شينجيانغ، ويشهر بجهود الصين في اجتثاث التطرف ومكافحة الإرهاب.

العلاقات الصينية- الأمريكية

انتقدت بكين محاولة بعض القوى السياسية الأمريكية أخذ العلاقات الصينية- الأمريكية كرهينة ودفع الدولتين إلى "حرب باردة جديدة". ورأت في ذلك محاولة خطيرة لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وستفسد نتائج التعاون التي حققها الشعبان على مدار أعوام، وتقوض تطور مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة وتعرض استقرار وازدهار العالم للخطر، مؤكدة ضرورة بذل الجهود لوقف هذه الممارسات الخطيرة.

العلاقات الصينية- الروسية

بالتزامن مع مرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وروسيا، ارتقت العلاقات الثنائية بين البلدين في يونيو 2019 إلى مستوى شراكة تنسيق إستراتيجية شاملة لعصر جديد، وذلك خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لروسيا. وأكد وزير خارجية الصين على النتائج الإيجابية التي ستعود على العلاقات بين البلدين، جراء الاستجابة المشتركة لكوفيد- 19، بما يؤدي إلى الدعم القوي لعلاقاتهما عقب نهاية أزمة المرض.

 العلاقات الصينية- الأوروبية

رحبت بكين بالتقدم المحرز في عملية التكامل الأوروبي، وهي مستعدة لتعزيز التعاون الإستراتيجي مع الاتحاد الأوروبي، ودفع الأجندات السياسية الرئيسية بين الجانبين، ودعم التعددية، والتصدي المشترك للتحديات العالمية، مثل الصحة العامة وتغير المناخ والتنوع البيولوجي، من أجل العمل على تنمية سليمة ومطردة للعلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي، كما تؤكد بكين على ضرورة أن يحقق التواصل بين الصين وأوروبا نفعا متبادلا للجانبين.

 العلاقات بين الصين ودول آسيان

ركزت الصين في الآونة الأخيرة على التعاون في مكافحة كوفيد- 19 مع رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، وتبادل الجانبان الدعم والمساعدة، ما أسفر عن تعزيز الثقة المتبادلة. وقللت بكين من شأن أي تدخل خارجي في إعاقة المشاورات الخاصة بمدونة قواعد السلوك في بحر الصين الجنوبي، بين الصين وأعضاء آسيان. وأكدت بكين عزمها مواصلة تعزيز التعاون مع آسيان، واستئناف مشاورات مدونة قواعد السلوك المعلقة بسبب كوفيد- 91 في أقرب وقت ممكن، واستكشاف سبل جديدة للتعاون البحري لحماية السلام والاستقرار والتنمية والرخاء في بحر الصين الجنوبي.

العلاقات بين الصين واليابان وجمهورية كوريا

مثلت الجهود المشتركة للصين واليابان وجمهورية كوريا في مكافحة كوفيد- 19 نموذجا للاستجابة العالمية للمرض. وأبدت الصين استعدادها للعمل مع اليابان وجمهورية كوريا والدول الأخرى لهزيمة كوفيد- 19 تماما في وقت مبكر، واستعادة الحيوية الاقتصادية في شرقي آسيا، ودعم التنمية في المنطقة والعالم.

العلاقات بين الصين وأفريقيا

منذ تفشي وباء كوفيد- 19 في القارة الأفريقية، أكدت الصين وقوفها ومساندتها لأفريقيا في مكافحة الوباء، وقامت بإرسال فرق من الخبراء الطبيين إلى خمسة مناطق بأفريقيا ودول مجاورة، وتوجد الفرق الطبية الصينية حاليا في 45 دولة أفريقية، حيث تقوم بتقديم المساعدة في الاستجابة للمرض بتلك المناطق، وعقدت نحو 400 دورة تدريبية لعشرات الآلاف من أفراد الأطقم الطبية الأفريقية.

مواجهة تداعيات كوفيد- 19 على صورة الصين في الخارج

بذلت الدبلوماسية الصينية جهودا دؤوبة لمواجهة ما أثاره كوفيد- 19 من تداعيات سلبية على صورة الصين في العالم الخارجي. تجلت أبرز مظاهرها في محاولة بعض الدول بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إلقاء اللوم على الصين لصرف الأنظار عن عدم كفاءة حكوماتها في مواجهة المرض، وتشويه صورة الصين في الخارج، باتهامها بالمسؤولية عن انتشار المرض في العالم، برفع دعاوى قضائية ضد الصين. وهي المحاولات التي ردت عليها بكين بحزم وقوة، واصفة إياها بـ "العبثية"، ولا تستند على أي حقائق أو قانون أو سابقة دولية.

التعاون لدفع مبادرة "الحزام والطريق" بعد الوباء

أكدت الصين عدم حدوث تغير فيما يتعلق بثقتها وعزمها على التعاون مع الدول الأخرى لدفع مبادرة "الحزام والطريق"، رغم أزمة تفشي كوفيد- 19. حيث ترى بكين أن تأثير المرض على التعاون بين دول المبادرة مؤقت ومحدود، وسيتعزز التعاون عقب القضاء على المرض. لاسيما وأن التعاون بين دول الحزام والطريق قائم على المنافع الحقيقية لشعوب الدول الشركاء ويقوده التزام قوي ومشترك لتحقيق تنمية مشتركة.

التعاون الدولي في مكافحة كوفيد- 19

أكدت بكين على لسان رئيس مجلس الدولة لي كه تشيانغ على أهمية التعاون الدولي في مكافحة كوفيد- 19، واستعادة النشاط الاقتصادي لضمان الانتصار على المرض. مبدية انفتاحها على التعاون الدولي في بحث وتطوير اللقاحات والأدوية وكواشف الاختبار الخاصة بالمرض، ورغبتها في مشاركة النواتج مع العالم.

وفي هذا السياق، أطلقت الصين خلال الأشهر القليلة الماضية أكبر عملية إنسانية عالمية في تاريخها، وتطبيق رابطة المصير المشترك للبشرية.

وخلال مشاركة الصين، ممثلة برئيس مجلس الدولة لي كه تشيانغ، في القمة العالمية الافتراضية للقاحات، في أوائل يونيو 2020، أكدت أنها ستواصل دعم الدور الأساسي لمنظمة الصحة العالمية في تنسيق البحوث الخاصة باللقاحات، في الوقت الذي ستواصل فيه الصين إسهاماتها في ضمان توفر اللقاحات في البلدان النامية بأسعار معقولة.

لقد واصلت الدبلوماسية الصينية القيام بوظائفها وأدوارها المتنوعة بنشاط وفاعلية رغم أزمة كوفيد- 19، موظفة في هذا وسائل التكنولوجيا والاتصالات الحديثة، وتحولت إلى نمط "الدبلوماسية السحابية"، من خلال المكالمات الهاتفية وتبادل المراسلات وعقد المؤتمرات الدولية عبر الفيديو. ومن خلال هذا النمط من الدبلوماسية، قاد الرئيس الصيني شي جين بينغ الأجندة الدولية لمواجهة مخاطر جائحة كورونا.

خلال مؤتمر صحفي على هامش الدورتين لعام 2020، وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت الدبلوماسية الصينية تتحول في الوقت الراهن إلى نمط أكثر شدة وعدوانية؟، قال السيد وانغ يي إن مَن يصمون الصين بالهيمنة هم ذاتهم من يرفضون التخلي عنها. مفسرا إجابته بالقول: "إنه أيا ما تكون التغيرات التي تطرأ على المشهد الدولي، فإن الصين تتبع دوما سياسة خارجية مستقلة قائمة على السلام، وتبقى ملتزمة بالسلام والتنمية والتعاون وروح تحقيق الربح للجميع".

--

عادل علي، إعلامي وباحث مصري في الشؤون الصينية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037