كلنا شرق < الرئيسية

واشنطن ولعبة اختلاق الأزمات مع بكين

: مشاركة
2020-07-02 16:44:00 الصين اليوم:Source أحمد سلّام:Author

كأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتعمد الحجج والمبررات لاختلاق الأزمات مع الصين، وذلك بالنظر إلى مواقف الأولى المثيرة للجدل إزاء العديد من القضايا الخلافية مع الثانية، بدءا من الحرب التجارية بين الجانبين، مرورا بتشريع الأمن الوطني لهونغ كونغ، والوضع في منطقة تايوان الصينية وفي منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم بشمال غربي الصين، وصولا إلى توظيف انتشار جائحة كوفيد- 19 عبر العالم في إثارة أزمة جديدة مع بكين، في محاولة غير مستغربة من جانبها لوصم الصين بالمسؤولية عن انتشار الجائحة عالميا.

وإذا كان هناك ثمة أخطاء قد وقعت في الصين، كما في كل دولة، في الاستجابة الأولية لفيروس كورونا، إلا أن استجابة الصين الشاملة- بشهادة دول العالم ومنظماته- كانت أكثر فعالية من معظم البلدان، مع تطبيق الحجر الصحي على المسافرين بين مدنها وفرض ارتداء الكمامات على نطاق واسع في البلاد، وانتهاج نظام الفحص والتتبع وجمع كم هائل من البيانات، الأمر الذي جعلها تنجح بدرجة كبيرة في السيطرة على الوباء بوصولها إلى "صفر" إصابات ووفيات لفترة طويلة.

على الجانب المقابل، استغرقت الإدارة الأمريكية، أكثر من أسبوع للاستجابة لمواجهة فيروس كورونا الجديد، حتى بعد أن علمت بالفعل أن الفيروس يمثل تهديدا. فقد تم إبلاغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من قبل مسؤولي الصحة حول فيروس كورونا الجديد في 18 يناير 2020، وأصدرت وكالات المخابرات الأمريكية تحذيرات بشأن الفيروس في أكثر من اثنتي عشرة إحاطة سرية أعدت للرئيس ترامب في يناير وفبراير، وحتى في شهر مارس، كان ترامب يقارن فيروس كورونا الجديد بالإنفلونزا.

في 23 إبريل 2020 نشرت ((نيويورك تايمز)) مقالة بعنوان "البؤر الخفية لتفشي المرض انتشرت عبر المدن الأمريكية في وقت أبكر بكثير مما عرفه الأمريكيون"، جاء فيه أنه بحلول الوقت الذي أكدت فيه مدينة نيويورك أول حالة فيها لفيروس كورونا الجديد، في الأول من مارس، كان هناك الآلاف من الإصابات تنتشر بالفعل بصمت عبر المدينة. وأشارت المقالة أيضا إلى أن البؤر الخفية كانت منتشرة بشكل شبه كامل في بوسطن وسان فرانسيسكو وشيكاغو وسياتل، قبل وقت طويل من إظهار الاختبار أن كل مدينة لديها مشكلة كبيرة، وفقا لنموذج انتشار المرض من قبل الباحثين في جامعة نورث إيسترن الذين شاركوا نتائجهم مع ((نيويورك تايمز)). وقالت الصحيفة الأمريكية إن هناك دلائل أخرى على أن التفشي كان أسوأ في وقت سابق مما كان معروفا من قبل.

هذا الخطأ في التقدير من جانب إدارة ترامب، كانت له نتائجة الوخيمة على الأمريكيين، إذ تفشى المرض الناجم عن فيروس كورونا الجديد في طول البلاد وعرضها، وأصاب واشنطن بخسائر بشرية فادحة. حيث تشير أحدث الأرقام والإحصائيات إلى تسجيل 1.760.740 إصابة، و103.472 حالة وفاة طبقا لتقديرات وكالة فرانس برس.

وعندما بدأ انتشار الفيروس في دول عديدة، بادرت الصين بتقديم المساعدات لتلك الدول، ومنها مصر، وتعزيز تعاونها مع منظمة الصحة العالمية، في حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي مساء التاسع والعشرين من مايو قطع علاقة بلاده مع المنظمة. والأكثر من ذلك، سعى الرئيس دونالد ترامب إلى إجراء تخفيضات كبيرة في تمويل بلاده للوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، في ضوء التخفيضات التي اقترحها على الإنفاق على المساعدات الخارجية خلال عام 2020، وهو ما قد يدفع الأمم المتحدة إلى إجراء تغييرات كبيرة، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولة عن جزء كبير من ميزانيات العديد من الوكالات التابعة للمنظمة الدولية. فبالنسبة للعديد منها، وخاصة تلك التي تعتمد على التمويل الطوعي، يمكن أن تكون التخفيضات في المساهمات الأمريكية مؤلمة للغاية.

 وتعليقا على ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو لي جيان، في الأول من يونيو: "المجتمع الدولي لا يوافق على فعل الولايات المتحدة الأمريكية الأناني الذي يتهرب من المسؤولية، والذي يضر بالمكافحة العالمية لمرض فيروس كورونا الجديد." وأضاف: "في الواقع، اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية التنصل من التزاماتها"، مضيفا أن القانون كشف مجددا الممارسة الأمريكية للأحادية وسياسات القوة. ولفت المتحدث إلى أن منظمة الصحة العالمية، بصفتها هيئة دولية تتكون من 194 دولة ذات سيادة، لا تخدم أي دولة بعينها، وينبغي ألا تخضع لأي دولة لتقديمها تمويلات أكثر من غيرها. وقال إن الصين ستواصل العمل كدولة مسؤولة، وستؤيد باستمرار الدور القيادي لمنظمة الصحة العالمية في التعاون العالمي لمكافحة المرض.

لقد صرح ترامب بأن "الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن سبل لجعل الصين تدفع ثمن الجائحة" وتجري "تحقيقات جادة". ولكن خبراء قانونيين عالميين يرون أن الدعاوى القضائية ضد الصين هي "لتغطية أخطاء الحكومة الأمريكية"، ويخدم هذا الادعاء هدفا سياسيا لقادة الحزب الجمهوري الذين يواجهون انتخابات في نوفمبر المقبل، إذ ينبغي أن يقوم الادعاء على حقائق وليس على اتهامات من جانب واحد وغير منطقية من جانب وسائل إعلام وأفراد. وحسب أستاذ القانون الزائر بجامعة واشنطن في سانت لويس الأمريكية، دافيد فيدلر، تبدو قضية مسؤولية الصين عن تداعيات كوفيد– 19 أقل ارتباطا بالقانون الدولي من كونها طريقة تشكيل التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين سياسات هذا الوباء. وتقول أستاذة القانون الدولي بجامعة كاليفورنيا، شيمين كيتنر: "لا أرى أي جزء من هذه الدعوى، بوضعها الحالي، يمكن أن ينجح بموجب القانون. قانون الحصانات السيادية الأجنبية يحظر الدعاوى القضائية ضد الدول الأجنبية مع بعض الاستثناءات القليلة، والتي لا تنطبق هنا." وحول ادعاءات المسؤولين الأمريكيين بمقاضاة الصين، يقول أستاذ القانون بجامعة جورجتاون، دافيد ستيوارت: "كل هؤلاء الناس الذين يزعمون أن الصين يجب أن تُقاضى، ينبغي لهم أن ينظروا فوق أكتافهم ويقولوا: "انتظروا لحظة، هل يمكن مقاضاتنا؟‘‘" بينما يقول أستاذ القانون الدولي في جامعة تافتس، جويل تراكتمان: "إذا كان ممكنا مقاضاة الحكومة الصينية عن ذلك، لست متأكدا من سبب عدم مقاضاة الولايات المتحدة الأمريكية عن الحرب في العراق والاحتباس الحراري."

وقد ردت الصين بقوة وحزم على محاولة واشنطن إيجاد طريق لمقاضاتها واتهامها بالتسبب في نشر جائحة كورونا، وهو ما جاء على لسان عضو مجلس الدولة وزير خارجية الصين وانغ يي، في 24 مايو 2020، خلال مؤتمر صحفي على هامش دورة المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، بتأكيده أن الدعاوى القضائية العبثية ضد الصين بشأن مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد- 19) ليست سوى دعاوى ضعيفة السند، ولا تقوم على أساس واقعي أو سابقة قانونية أو دولية. مشيرا إلى أن الصين، على نحو مسؤول، كانت أول دولة تبلغ منظمة الصحة العالمية عن وقوع إصابات بالمرض، وأنها شاركت على الفور المعلومات الخاصة بالمرض مع الدول والمناطق المعنية، مضيفا أن الصين كانت أول دولة توصلت إلى التسلسل الجينومي للفيروس ومشاركته مع العالم، كما كانت أول دولة نشرت الإرشادات الخاصة بعلاج المرض واحتوائه.

إن محاولة ترامب والسياسيين الأمريكيين إثبات أن الصين كان بإمكانها أو كان يجب أن تعرف منذ اليوم الأول أن حالات الالتهاب الرئوي هذه تأتي بالفعل من فيروس جديد، أو أنه كان يجب أن تعرف أن الفيروس ينتشر من خلال أنفاس من يبدو أنهم أصحاء، وأنها كان ينبغي أن تتمكن من تتبع كل حالة من حالات الفيروس، أمر يدعو إلى التعجب.

فارق كبير بين دولة تقوم قيادتها بقيادة جهود مواجهة أزمة وتحد كبير بحجم تفشي وباء كورونا وتتولى هذه القيادة شخصيا الإشراف على تلك الجهود، وبين دولة أخرى الشغل الشاغل لقيادتها وكافة مسؤوليها يتمثل في إلقاء اللوم على الآخرين ومحاولة اتهامهم بالمسؤولية عن انتشار وباء، هم أنفسهم ضحية له، بدلا من العمل على كبح جماح انتشاره السريع فيها وما أدى إليه من خسائر بشرية هائلة، بحثا عن مكاسب انتخابية داخلية، في الوقت الذي وضعت فيه الصين هدف الحفاظ على أرواح شعبها في المقام الأول.

لقد أثبتت أزمة تفشي وباء فيروس كورونا الجديد أن العالم في حاجة إلى التضامن أكثر من أي وقت مضى لمواجهة هذا التهديد غير المسبوق الذي لا يستثني أحدا، وهو ما نادت به الصين في غير مناسبة، فيما راحت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن طرف تلقي عليه باللائمة، وهو خيار خاسر بكل تأكيد ولن يجد آذانا صاغية لدى المجتمع الدولي.

--

أحمد سلّام، رئيس المكتب الإعلامي لمصر في الصين سابقا.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037