كلنا شرق < الرئيسية

مهاترات العنصرية الأمريكية

: مشاركة
2020-07-02 16:43:00 الصين اليوم:Source د. محمد حسين أبو العلا:Author

لا تمر اللحظات دون أن تتجلى أشباح العنصرية بشتى وجوهها في الساحة الأمريكية، ثم تمتد وتمثل انعكاسات وظلال كآبة تدفع الكيانات الدولية نحو منعطفات التراشق والتحفز والعداء والكراهية. إن تلك العنصرية تعد مكونا ذاتيا متأصلا في النزعة القومية التي لم تتخل عن المنطق الصدامي طيلة قرنين انطلاقا من عقيدة زائفة لا يستطاع الاستدلال عليها في إطار مفردات الواقع، لكن يمكن استقصاؤها في أغوار الذات الأمريكية التي لم تكف عن توجيه الاتهامات لجمهورية الصين الشعبية منذ أن اجتاح فيروس كورونا الجديد القاتل جنبات المحيط البشري. وبداية، فإن المسؤولية لا تنشأ من مجرد اتهام أجوف وإنما بالضرورة تستند على دلائل ووقائع وقرائن وأسباب خاصة فيما يرتبط بالأحداث الجسام المهددة للحياة الإنسانية.

وقد دحضت الصين، في الثاني من إبريل 2020، اتهامات مسؤولين من المخابرات الأمريكية بأن الصين أخفت مدى تأثير مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) وخفّضت من عدد حالات الإصابة والوفيات، مشيرة إلى أن مثل هذه التصريحات "سافرة وغير أخلاقية". وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا تشون ينغ: "الصين تقدم للعالم تحديثات مفتوحة وشفافة وفي الوقت المناسب، كما هو واضح في التفاصيل التي أوضحتها مرارا أنا وزملائي بشأن استجابة الصين." وفيما يتعلق بأمن الصحة العامة على الصعيد الدولي، فإن منظمة الصحة العالمية وخبراء علم الأوبئة والسيطرة على الأمراض هم الذين يحق لهم إصدار الأحكام، بدلا من عدة سياسيين عادة ما يكذبون، حسبما ذكرت هوا. وقالت إن مسؤولا كبيرا في منظمة الصحة العالمية دحض في الأول من إبريل الاتهامات غير المبررة ضد بيانات الصين عن المرض في مؤتمر صحفي في جنيف. ونوّهت هوا إلى أن الصين دائما منفتحة وشفافة ومسؤولة في جميع جهودها، قائلة: "الإجراءات الحاسمة والقوية التي اتخذتها الحكومة الصينية ضمنت إلى أقصى حد ممكن حياة وسلامة وصحة الشعب الصيني ووفرت وقتا ثمينا لوقف انتشار الفيروس على الصعيد العالمي." وأضافت: "نتفهم الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية والضغوط التي يتعرض لها بعض المسؤولين الأمريكيين، ونشعر بصعوبة ما يعانيه الشعب الأمريكي. وانطلاقا من الروح الإنسانية، نود تقديم المساعدة والدعم في حدود قدرتنا للولايات المتحدة في مكافحة المرض." وقالت المتحدثة إن تصريحات هؤلاء السياسيين الأمريكيين القلائل سافرة وغير أخلاقية، مضيفة: "الافتراء والتلطيخ واللوم لا يمكن أن يعوض عن الوقت الضائع، والمزيد من الأكاذيب لن تؤدي إلا إلى إضاعة المزيد من الوقت ومزيد من الخسائر في الأرواح. ننصح هؤلاء السياسيين أن عليهم في هذه اللحظة وضع سلامة حياة الناس وصحتهم قبل السياسة. ليس من الأخلاق ولا الإنسانية مواصلة تسييس قضية الصحة العامة، وهو تصرف ينبغي إدانته من جانب جميع شعوب العالم، بما في ذلك الشعب الأمريكي." لكن ها هي بعض الكوادر الأكاديمية تنبري للدفاع جزافا عن الموقف الأمريكي، فالبروفيسور تشارلز ليبسون بجامعة هارفارد يزعم أن الصين هي المسؤول الأول عالميا عن نشر الوباء وتفشيه، معتمدا في هذه الإدانة على أن النظام الصيني إنما يميل كثيرا إلى السرية والتمويه، مدللا على ذلك بما قام به من تشجيع استمرار حركة الطيران وما تحمله من ناشري العدوى، ذلك بجانب التأكيد على وجود تواطؤ خطير مع منظمة الصحة العالمية جسدته تصريحات المسؤولين فيها من أن الفيروس لا ينتقل بالاتصال المباشر من إنسان لآخر، وهو يشبه في خطورته فيروس (سارس) لكن يمكن السيطرة عليه. ومن ذلك انطلق تشارلز ليبسون في طرحه الرامي إلى ضرورة إنشاء منظمة صحية عالمية تضم عددا من الدول الحليفة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. وبجانب ذلك، كانت هناك بلورة لمشروع إستراتيجي جديد تنحصر محاوره في تقليل الاعتماد على الصين والتسريع بالاتجاه نحو الاكتفاء الذاتي. وفي نفس المسار، يشخص بول هير الباحث بمركز إنترناشونال إنترست، طبيعة الصراع الأمريكي- الصيني بأنه ليس صراعا وجوديا ولا أيديولوجيا وإنما هو صراع لا تحكمه غير المنافسة الشرسة التي تستدعى حضور واتصال مشاعر الكراهية وفقدان الثقة بين أطرافه، وهو تشخيص غير دقيق لأن هذه المنافسة إنما هي نتيجة لجولات ماضية من الصراع الأيديولوجي الذي بات صراعا وجوديا حين احتوت الصين بطاقاتها المتعددة الولايات المتحدة الأمريكية الرافضة لأي منافسة على الصدارة والريادة.

ولعل هذه الرؤى تستلزم وقفة موضوعية للتأكيد على أنه إذا كان الفيروس القاتل قد انتشر أول ما انتشر في الصين، فلا يعني ذلك مسؤوليتها المطلقة عن وجوده في الأساس إذ لا يمكن لأي نظام سياسي أن تكون إستراتيجيته هي إستراتيجية مضادة لشعبه ودولته ومصالحه العليا وكينونته بين الأنظمة العملاقة ووضعيته التاريخية. كما أن المنظمات الدولية، لا سيما منظمة الصحة العالمية، لا يمكن بحال أن تتواطأ على مشروع لإبادة البشرية محاباة لأي دولة أو نظام مهما يكن. أما المناداة بضرورة الأخذ بإستراتيجية الاكتفاء الذاتي فهي تعد ممثلة لعقوبة قاسية للولايات المتحدة الأمريكية أكثر منها للصين، فلو كانت لديها بالفعل قدرة الاستغناء وتحقيق آليات الاكتفاء الذاتي لما كان هناك أي تفاعل سلبي. ولكن كيف يتحقق هذا الاكتفاء وهناك خلل ثابت في الميزان الاقتصادي الأمريكي؟

تلك بعض من مشاهد عابرة للعنصرية المعاصرة التي استعبدت الكيان الأمريكي، وأصبحت هي الداء الوبيل الذي جعله يستبيح الموت للسود في ولايتي ألينوي وميتشغان وغيرهما من الولايات التي بلغت فيها الإصابات معدلات كبيرة، وهو بالطبع ما أكدته جونسون ماكجي عميدة كلية العلوم الصحية في جامعة نيوهافن من أن الفيروس يمثل وبشكل خاص خطورة على الأمريكيين الأفارقة الذين يعانون أمراضا فتاكة بسبب عوامل بيئية، ومن ثم لم نفاجأ بأن معاناة السود أشد بسبب الجائحة. لكن رأس القضية هي العنصرية التي أدت لنقص الاستثمار في مجتمعات الأفارقة وسوء الرعاية الصحية.

إنه إذا كانت آفات الرأسمالية كثيرة ومتعددة، وربما تتجاوز الحصر، لكن تظل العنصرية هي درة التاج لذلك الرأسمالي الذي هو أول من سيبيع الحبل الذي سيشنق به الرأسمالية.

--

د. محمد حسين أبو العلا، كاتب وأستاذ علم الاجتماع السياسي في مصر.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037