كلنا شرق < الرئيسية

"كوفيد- 19".. الهزيمة على أعتاب سور الصين العظيم

: مشاركة
2020-04-28 16:47:00 الصين اليوم:Source محمد علام:Author

في الحروب كما في كرة القدم، هناك خطوط ومراحل وتوقفات للدفاع والهجوم، لكن الأمر يختلف في الصراع ضد فيروس وحشي قاتل ينتشر بشكل فوضوي لا هوادة فيه، لدرجة أنه قد يتضاعف أعداد المصابين به كل خمسة إلى ستة أيام، فكيف واجهت الصين هذا الشبح الذي لا يشاهد بالعين المجردة، بشكل ينظر له العالم كله الآن باعتباره "نموذج الانتصار"؟

العمل الجماعي

كان من أكثر ما أثار اهتمامي لمتابعته ومعرفته عندما أتى مرض فيروس كورونا الجديد(كوفيد- 19)، في أيامه الثقيلة ليضرب حول العالم، وفي الصين حيث عشرات الآلاف من المصابين هو "السلوك الإنساني". كيف كان يشعر الصينيون؟ ما الذي كان يشغل تفكيرهم؟ وعلى أي نحو كانت التصرفات والسلوكيات التي أبداها الناس.

بشكل عام، ينتمي هذا الشعب لحضارة هي واحدة من أقدم حضارات التاريخ، ولديه مصادر مختلفة تدعوه لحسن التصرف ومكارم الأخلاق والأفعال، فكيف كانت المواجهة بين منظومة القيم تلك مع الخوف من فيروس مميت سريع الانتشار، كيف تصرف الناس والحزب والحكومة عندما بدأ الهجوم؟

 السمة الأولى التي يلاحظها أي باحث في تعامل الصين مع الفيروس، سيجد أنها "العمل الجماعي"، نحن بصدد نحو 20% من سكان كوكبنا هم تعداد شعب الصين، أظهروا ما لا يعد ولا يحصى من النماذج للعمل الجماعي الدؤوب.

لا يمكن في جزء من مقال واحد عرض كافة تلك النماذج، ربما سيحتاج الأمر لكتب كاملة تشرح ما حدث بعد الانتصار المأمول فيه للبشرية كلها على الفيروس، لكن سأحاول عرض بعض الأمثلة الهامة عما حدث وطبق فيه الصينيون مثلهم القديم: "إن الصينيين لا يمكنهم أن يفعلوا أي شيء إلا بامتياز"، في مواجهة أكبر فاشية فيروس في تاريخ جمهورية الصين الشعبية.

لم تنقطع المساعدات أبدا من الصينيين خارج الوطن الأم لمواجهة الفيروس، كما ساهم الصينيون في كل من ماكاو وتايوان وهونغ كونغ بمساعدات كبرى، كما لا يجوز هنا أن ننسى مساعدات الحكومات والمنظمات الدولية الصديقة للصين، لكن أكثر ما جذب اهتمامي بل وإعجابي هو موقف لطالب عراقي رفض الكشف عن اسمه، ترك مبلغ أربعمائة يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات تقريبا حاليا) على إحدى الطاولات بمدخل مركز شرطة في مقاطعة جيانغسو. مبلغ بسيط من طالب بسيط الحال يدرس الهندسة، فقط أراد أن يرد الجميل لدولة أعطته دراسة عليا في جامعة مرموقة وسكنا جيدا وراتبا بسيطا.

في مكافحة الفيروس الأخطر منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، لم يكن هناك عمل جماعي أهم وأدق مما فعله العاملون في مجالات الطب المختلفة، عشرات الآلاف من هؤلاء يحاربون المرض في منظومة عمل جماعية شملت المدنيين منهم، وحتى القادمين من القطاع الطبي بجيش التحرير الشعبي الصيني. في "هوبي، ووهان" حيث تركز الوباء كان هناك أكثر من 30 ألف طبيب وممرض قادمين من جميع أنحاء الصين للمشاركة في الحجر الصحي الذي قد يكون الأكبر في التاريخ العالمي.

بجانب هؤلاء، الكثير من الجنود المجهولين في نشرات الأخبار والتغطية الصحفية، إنهم سائقو وسائل النقل المختلفة من شاحنات وقطارات سكك حديدية وحتى الطيارين، إنهم الذين مثلوا شريان الحياة بتوفيرهم الإمدادات بالأدوية والمستلزمات الطبية وحتى الطعام والشراب ليس فقط للمرضى والمستشفيات، بل لكل السكان في المناطق المصابة، ولولا الجهد الذي قام به هؤلاء لم يكن من الممكن أبدا للأطباء والأطقم الطبية أداء واجبهم.

كان من أبرز ما ظهر فيه كيف تحركت الصين كأمة واحدة ضد كوفيد- 19، وأيضا من أكثر الموضوعات التي اهتم بها العالم كله هو السؤال: "كيف ستوفر الصين الكمامات والملابس الطبية الواقية التي يحتاجها شعب تجاوز المليار؟"

برز في الجواب عن هذا السؤال أو "التحدي"، الكثير مما حققته الصين من قوة صناعية هائلة مدعومة بإنجازات هامة وضخمة في ملفات البحث العلمي والابتكار.

شركة SGMW لصناعة السيارات، حولت جزءا هاما من خطوط إنتاجها والأيدي العاملة فيها لهذه المهمة، ووفقا لتقرير نشرته شبكة تليفزيون الصين الدولية CGTN سلمت الشركة في غضون أسبوع مليون كمامة، كما تمكنت من صناعة ماكينات إنتاج هذه الكمامات آليا، قالت الشركة: "نحن ننتج ما يحتاج إليه أبناء وطننا." هذا وقد انضمت شركة BYD أيضا لهذا العمل، بقدرة إنتاج يمكن أن تصل حتى خمسة ملايين كمامة يوميا. ووفقا لذات التقرير، تبرعت شركة هواشنغ بأكثر من 50 ألف كمامة، وقال مديرها: "لا يتم بيع الكمامات التي ننتجها، فقط نتبرع بها للإدارات المعنية".

 على صعيد آخر لم يتم التحدث عنه كثيرا وخصوصا من وسائل الإعلام الغربية، كان لدور العبادة في الصين دورها في المعركة ضد كوفيد- 19. المعابد والمساجد والكنائس المنتشرة في جميع أنحاء الصين ضجت بالدعوات من أجل شفاء المرضى ونهاية الأزمة، كما أن رواد دور العبادة نظموا حملات لتقديم التبرعات والمساعدات الطبية والإنسانية لمساعدة المصابين بالفيروس.

شعر الصينيون جميعا بشعور الوحدة ضد هذا الفيروس الذي لم ولن يفرق بين صيني وآخر على أساس الانتماء العرقي أو الديني. كانت تلك المساهمات الإيجابية التي قدرت بعشرات الملايين من الدولارات إسكاتا لكل بوق نعق ذات يوم، ففي كل يوم تزيد قيمة المساعدات والمبالغ التي تقدمها المعابد والمساجد والكنائس يدا بيد مع الدولة، كما شهدنا تصرفا شديد الرقي من بعض المطاعم التي يديرها مسلمون وتقدم طعاما وفقا للشريعة الإسلامية، إذ سارعت بإرسال وجبات ساخنة ومعلبة إلى المستشفيات التي تعالج مرضى الفيروس كرسالة مفادها إننا معكم، وسنقدم لكم كل ما في أيدينا.

على الصعيد العلمي، ومنذ بداية تفشي الفيروس، شهدنا واحدة من أفضل حملات التعاون بين الباحثين الصينيين في الجامعات والمؤسسات التابعة لها مع الأطباء في الجبهة الأمامية سعيا للتوصل لعلاج فعال للفيروس، بإجراءات احترازية في غاية الاحترافية لنقل وتبادل البيانات والمعلومات والعينات حول كوفيد- 19، الذي يمكن أن ينتقل بسرعة شديدة بتأثيره الفتاك. ينظر الصينيون والعالم كله بأمل إلى تلك المؤسسات البحثية الصينية لمواجهة كوفيد- 19 والوصول لعلاج لجميع الناس، ويحصل هؤلاء على كل ما يلزمهم من الأطباء الشجعان الذين ينسقون معهم للعمل.

أبطال في المواجهة

خلال الحرب التي تخوضها الصين ضد كوفيد- 19، ظهرت العديد من القصص عن أبطال يخوضون المواجهة ضده، سأعرض عدة نماذج لهم، بأمل أن يكون الوقت متاحا لنا جميعا فيما بعد لنقص ونروي ماذا فعلوا حينما اشتد هجوم كوفيد- 19 وزاد الخطر، وكيف قدموا نماذج تفتخر بها الإنسانية كلها. القصة الأولى للطبيبة هوانغ شيا ذات السبعة والثلاثين عاما. إنها من المقاتلات في الجبهة الأمامية، وتحديدا في مستشفي تشونغتشينغ بجنوب غربي الصين، كل يوم ستجدها في وحدة العناية المركزة بين المرضى ذوي الحالات الصعبة. أسلوبها في العلاج يعتمد على أن المريض هو أيضا مقاتل مع الطبيب ضد عدو واحد هو الفيروس، وقد ارتبط اسمها أيضا بالتفاؤل والأمل. كانت الطبيبة التي تولت رعاية أول مريض يشفي من فيروس كورونا الجديد في تشونغتشينغ. تمثل الطبيبة هوانغ جيلها من الأطباء الذين ولدوا وعاشوا وتعلموا في ظل "الانفتاح والإصلاح"، ذلك الجيل الذي كان في الموعد عندما احتاجته بلاده.

القصة الثانية من "ووهان" المدينة نفسها التي انطلق منها الفيروس منذ أسابيع عديدة، أبطالها ليسوا شخصا واحدا، إنهم فرق المتطوعين، هؤلاء الذين اختاروا بأنفسهم أن يكونوا إيجابيين من تلقاء أنفسهم. بداية من هؤلاء الذين قادوا سياراتهم لنقل وتنظيم المتطوعين أو حتى الفرق الطبية ولو في منتصف الليل، كما نقلوا المعدات والتجهيزات الطبية والطعام، ومع توقف المواصلات العامة لبعض الوقت قام الكثيرون باستخدام دراجاتهم. الشتاء القارس في الصين لم يمنع الرجال والنساء من المتطوعين أن يقودوا دراجات هوائية ساعتين لتوصيل ما ينبغي أن يصل، ووسط كل هذا انبرى بعضهم لتدريب الجدد منهم على وقاية أنفسهم ومن حولهم من الإصابة بالمرض. تحرك هؤلاء الأبطال لأنهم وجدوا بلادهم في خطر، شاهدوا المدن التي ولدوا وعاشوا فيها هم وأسرهم منذ أجيال وهي تمر بأزمة، إنه الشعور الذي يسمي "حب الوطن" لدى كل شعب.

أما القصة الثالثة والأخيرة، فقد دارت أحداثها في شبكات التواصل الاجتماعي الصينية، ساعد الناس المرضى والحالات المشتبه بإصابتها بالعدوى عبر إرشادهم لأقرب مستشفى به تجهيزات وأسرة فارغة. بعض الذين تحدثنا عنهم في القصة الثانية كانوا يعرفون من يريد توصيله للمستشفى عبر تلك الشبكات وينتقلون إليه بسياراتهم حيث هو. ومنذ بداية الأزمة يتبادل الصينيون نصائح للوقاية من المرض، والصور والفيديوهات الإيجابية. لقد تعاون الشعب مع بعضه بعضا ومع الحكومة بروح الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، في مشاهد تجعلنا نطلق على ما حدث "اشتراكية الإنسانية والشعور بالآخرين."

المصير المشترك

لم يكن العمل الجماعي داخل الصين فحسب، وإنما أيضا خارجها. ويكفي الصين كدولة شهادة منظمة الصحة العالمية بأن إجراءاتها وإن سببت أضرارا اقتصادية للصين، إلا أنها قدمت الحماية لباقي العالم، ولولا تلك الإجراءات لعرف العالم انتشارا أسرع بكثير للوباء في مختلف الدول.

عززت الصين تعاونها مع شركائها الدوليين، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، عبر مشاركة المعلومات وأفضل طرق ووسائل المواجهة لكوفيد- 19. كما دعمت الصين أكثر دولتين تضررا في الاتحاد الأوروبي "أسبانيا وإيطاليا" بشكل يفوق دعم الاتحاد نفسه لكلا الدولتين بإرسال إمدادات طبية ومساعدات متنوعة، علاوة على الأطباء والخبراء الصينيين الذين يتمتعون بالخبرة في مواجهة كوفيد- 19، حيث خاضوا الحرب الناجحة الوحيدة عالميا ضده حتى الآن. وكان من أبرز ما قدموه في هذا الصدد، تحديد أوجه القلق في المنظومة الإيطالية والأسبانية لمواجهة كوفيد- 19 وإمدادهما بكل ما يلزم من معلومات وخبرات. بل إن الصينيين الذين يعيشون في أسبانيا نظموا حملة لجمع كمامات ومعقمات اليدين وتوزيعها مجانا.

وكقطرة ماء تقدم وقت الضيق، لتعاد بالتأكيد مع قدوم الربيع، أعلن تشاو لي جيان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في اجتماع وزراء صحة دول الاتحاد الإفريقي، أن بلاده ستقدم الدعم حكومة وشعبا للأنظمة الصحية الأفريقية لمواجهة كوفيد- 19.

رئيس صربيا وصف في تصريح له الصين بأنها "الدولة الوحيدة التي ستمد يد العون لبلاده". العراق أيضا تمت تلبية طلب الهلال الأحمر فيه وأرسل الصليب الأحمر الصيني فريقا من الخبراء لمكافحة كوفيد- 19 في بلاد الرافدين. كما أرسلت مصر وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد التي سلمت شحنة مستلزمات طبية كرسالة تضامن من الشعب المصري لصديقه الصيني، فأهداها القائم بأعمال وزير الصحة الصيني "الوثائق الفنية المشتركة لوزارة الصحة الصينية ومنظمة الصحة العالمية لمكافحة كوفيد- 19"، والتي تستخدمها حاليا في المعركة المصرية ضد كوفيد- 19.

العلاج الاقتصادي

شملت الفلسفة الصينية للتعامل مع كوفيد- 19، البعد الاقتصادي أيضا بجانب مواجهتها الأساسية على صعيد النظام الصحي، خصوصا حماية الناس من التأثيرات الاقتصادية السلبية للفيروس، حينما توقف الإنتاج وانكسرت سلاسل التوريد حينا وقلت أحيانا قبل العودة للعمل بشكل طبيعي مرة أخرى.

بداية، خصصت الصين مبالغ ضخمة لمواجهة كوفيد- 19، فدعمت بهذا الأسلوب شعبها الذي يحصل أصلا على أجور مرضية في الأوقات العادية في تلبية احتياجاته وقت الأزمة، كما دعمت الأسواق المالية بتوفير السيولة المالية. هدأ الدعم المالي الذي وجهته الحكومة والحزب الأسواق المالية في الصين بشكل كبير وعزز معنويات الشركات والعاملين فيها.

كان لقرار تخفيف الضرائب أيضا دوره الهام، بتجنيب البلاد أن تشهد حالات إفلاس للشركات فيها أو تسريح الموظفين والأيدي العاملة. كما صدر قرار بتقديم تمويل للبنوك لتقوم بدورها بتمويل الشركات التي تعاني خلال الأزمة وتيسير التعامل مع المقترضين الذين واجهتهم المشكلات. وكانت الحكمة حاضرة، عندما تم تحديد موعد مناسب لاستعادة كامل القدرات الإنتاجية للبلاد في نهاية المطاف، بعد تحقيق الأولوية بالسيطرة على الوباء ثم العمل في المرحلة الثانية على محو أثاره.

ستستمر الصين حكومة، وشعبا في كفاحها، ضد كوفيد- 19 حتى القضاء عليه تماما، كما ستزيد جهود توسيع المعرفة به للوقاية منه أصلا. ستتعاون الصين مع البلدان حول العالم تفيد وتستفيد من كل جديد يحول دون انتشار هذا الفيروس، تمهيدا لإعلان النصر النهائي للبشرية عليه. لقد قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن تجربة الصين تخبر العالم بأنه من الممكن الحد من انتشار الوباء ويمكن لأي دولة السيطرة على الوباء طالما كان لديها "التزام قوي من الحكومة وتعاون كبير من الشعب". ووصفت المنظمة نفسها تجربة الصين بأنها "جهود الوقاية والسيطرة على الوباء الأكثر طموحا والأسرع والأكثر إيجابية في التاريخ."

--

محمد علام، باحث مصري في الشؤون الدولية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037