كلنا شرق < الرئيسية

دول الخليج ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية

: مشاركة
2019-10-30 16:57:00 الصين اليوم:Source عادل علي:Author

باتت مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها الصين في عام 2013 عنوانا رئيسيا في تفاعلات العلاقات الصينية مع دول الخليج، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي الست. وبقدر ما يطرح انخراط دول الخليج في المبادرة من فرص وإمكانيات واعدة أمامها لتعزيز وتنمية اقتصاداتها الوطنية، وبالتالي الصعود بمكانتها الاقتصادية والجيوسياسية على المستوى العالمي، لاسيما وأنها تمتلك من الإمكانيات والمميزات التي ربما لا تتوافر لدول أخرى تستهدفها المبادرة، بقدر ما يطرح في الآن ذاته من تحديات ربما تعوق من إمكانية استفادتها الكاملة من تلك المبادرة، وبالتالي التأخر عن اللحاق بـ "قاطرة" أكثر جهود الاستثمار في البنية التحتية طموحا في التاريخ. فما هي الفرص المتاحة والتحديات التي تواجه دول الخليج في إطار اندماجها في مبادرة "الحزام والطريق"؟، وكيف تواجه الدول الخليجية هذه التحديات لتعظيم مكاسبها من علاقاتها مع الصين عموما ومن انضمامها للمبادرة خصوصا؟ الإجابة في السطور التالية.

 فلسفة عميقة لمبادرة "الحزام والطريق"

يكمن وراء إطلاق مبادرة "الحزام والطريق" بواعث فلسفية عميقة، تجسد سعي الصين لصياغة وتنفيذ هذه المبادرة الطموحة، تتجلى فيما تنطوي عليه من قيم وتصورات معنوية (ناعمة)، ترتكز على السلام والتعاون والكسب المشترك، وأخرى مادية (صلبة)، ترتكز على التنمية والبناء. فأولا، تُعد المبادرة تجسيدا عصريا لروح طريق الحرير القديم، وتعكس خبرة الصين في التحديث وطموحها لتعميم ونقل تجربتها وتبادلها مع الدول الأخرى.

ثانيا، تُعد المبادرة انعكاسا لرؤية الصين بشأن العولمة الاقتصادية، واعتبرها البعض النسخة الثالثة من العولمة (ذات طابع دولي أكثر تعاونية وأقل أحادية)، أي عولمة سلمية وشاملة للجميع، مقارنة بالنسخة الأولى للعولمة (قوة تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية)، في حين تشير العولمة الثانية وفقا للمفكر الأمريكي توماس فريدمان إلى عولمة الشركات الغربية. والعولمة الصينية، إذا جاز التعبير، تدعو، طبقا لتقرير المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني في عام 2017، "شعوب العالم كافة إلى العمل معا لبناء رابطة المصير المشترك للبشرية"، وأداتها لذلك هي مبادرة "الحزام والطريق".

ثالثا، تُعد المبادرة مُخْرَجا طبيعيا تراكميا لسياسات الصين الاقتصادية، الداخلية والخارجية، في الفترات الماضية. فالنجاح والنمو الاقتصادي الذي حققته الصين ارتكز، ضمن عوامل أخرى، على تطوير منشآت البنية التحتية، التي نجحت بدعم من الاستثمارات الحكومية في إنعاش الاقتصاد، وأصبح تدفق السلع وحركة البشر أكثر سهولة وأقل تكلفة. ومن هنا، ترى الصين أنه يمكن تعميم هذه التجربة في إطار علاقاتها الاقتصادية الدولية من خلال مبادرة "الحزام والطريق"، عبر روابط البنية التحتية، والتي لن تؤدي إلى تعزيز النمو الاقتصادي في المناطق على طول الحزام والطريق فحسب، وإنما أيضا إلى تقوية الروابط الاقتصادية بين الصين وهذه المناطق.

في ضوء المعاني المشار إليها سابقا، فإن هدف المبادرة هو استثمار وتوظيف ما تمتلكه أكثر من 60 دولة مشاركة فيها من موارد كبيرة في إقامة مشروعات بنى تحتية، بما فيها سكك حديدية وموانئ وأنابيب نفط وشبكات اتصالات ومرافق، بجانب تدشين أكبر منصة للتعاون الاقتصادي، يمكن وصفها بأنها مشروع القرن الاقتصادي في العالم.

أهمية دول الخليج بالنسبة للمبادرة

على الرغم من أن دول الخليج، باستثناء إيران، لا تقع مباشرة على أي من الطرق الرئيسية والمسارات المحددة لمبادرة "الحزام والطريق"، فإن ثمة إدراكا من الجانبين الصيني والخليجي للأهمية الكبيرة التي تحظى بها دول الخليج في إطار المبادرة. هذه الأهمية التي تمثلها المبادرة في سياق العلاقات التعاونية بين الصين ودول الخليج، تنبع من العديد من الاعتبارات الهامة. أولها: الموقع الجغرافي الإستراتيجي الذي تحظى به دول الخليج كحلقة اتصال هامة بين القارات الثلاث التي تربط بينها المبادرة (آسيا وأفريقيا وأوروبا). ثانيها: أن دول الخليج تعد مصدرا أساسيا للصين للحصول على موارد الطاقة، ولا تزال الصين في حاجة إلى إمدادات النفط والغاز من دول الخليج بكميات ضخمة تغطي نحو 60% من احتياجاتها. ثالثها: امتلاك دول الخليج للموانئ والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية. رابعها: العلاقات الثنائية المتميزة لهذه الدول مع الصين. خامسها: أن دول الخليج تعد من أكبر الشركاء التجاريين للصين. سادسها: العلاقات القوية بين دول مجلس التعاون الخليجي وباكستان، وهي إحدى الدول المهمة والمؤثرة في إطار مبادرة "الحزام والطريق". سابعها: أن المبادرة ربما تكون المخرج أمام إيران للخلاص من العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

وبدورها، تسعى الصين من تعاونها الاقتصادي مع دول الخليج في ظل المبادرة إلى تحقيق عدة أهداف، أولها: تلبية احتياجاتها المتزايدة من إمدادات الطاقة. ثانيها: الاستفادة من عوائد التعاون الاقتصادي مع الدول الخليجية في مجالات البنية التحتية، والتصنيع، ونقل التكنولوجيا الإنتاجية، والطاقة بمختلف مكوناتها (الكهربائية والمتجددة والنووية)، والزراعة والتكنولوجيا الدقيقة، بجانب فرص التعاون المالي والاستثماري بين الجانبين، الأمر الذي يؤكد تركيز الصين في أولوياتها تجاه المنطقة على الاقتصاد.

الفرص الكامنة في المبادرة لدول الخليج

في محاولة من جانبها للاستفادة من الفرص والإمكانيات المتنوعة التي تتيحها مبادرة "الحزام والطريق" للدول المشاركة فيها، اتخذت دول الخليج العديد من الخطوات والإجراءات: 

أولا: تنسيق ومواءمة إستراتيجياتها وخططها التنموية مع المبادرة: قوبلت مبادرة "الحزام والطريق" بترحيب كبير واستجابة واسعة من جانب الدول العربية عموما، ودول الخليج خصوصا، وبدأ العديد منها التخطيط بشكل إيجابي لمواءمة إستراتيجياتها وخططها التنموية الطموحة لتتناغم وتتوافق مع رؤى وأهداف وإستراتيجيات المبادرة. ومن ذلك رؤية "المملكة 2030" في السعودية، ورؤية "الكويت 2035"، و"رؤية الإمارات لإحياء طريق الحرير"، ورؤية "قطر الوطنية 2030"، ورؤية "عمان 2040"، كما تتوافق مشروعات البنية التحتية الإيرانية التي تربطها مع وسط آسيا مع المبادرة. وبهدف تنسيق السياسات فيما بينهما بشأن مبادرة "الحزام والطريق"، وقع الجانبان الصيني والخليجي خلال الفترة الماضية العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شملت مختلف مجالات التعاون في ظل المبادرة. ومنها على سبيل المثال، توقيع 35 اتفاقية للتعاون الاقتصادي تقدر قيمتها بأكثر من 28 مليار دولار أمريكي خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للصين في فبراير 2019. وتوقيع 16 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين الصين والإمارات خلال زيارة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد للصين في يوليو 2019، بهدف تطوير الشراكة الإستراتيجية الشاملة والتعاون الثنائي بين البلدين وفتح آفاق جديدة للعمل المشترك في مختلف القطاعات في ظل مبادرة "الحزام والطريق". وخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لإيران في يناير 2016، وقعت الدولتان على 17 اتفاقا بعضها يتعلق بإحياء طريق الحرير التجاري القديم والتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية. كما وقعت الحكومة العراقية مع الجانب الصيني في أواخر عام 2015 اتفاقيات ومذكرات للتعاون الاقتصادي وللمشاركة في بناء "الحزام والطريق".

ثانيا: ترابط المنشآت والبنى التحتية: تشارك الشركات الصينية في إطار المبادرة في إنشاء العديد من الموانئ في دول الخليج، مما سيؤدي إلى زيادة القدرات المتاحة والترابط، ومن ثم تقليل تكاليف النقل. وقد حققت مشروعات التعاون نتائج مثمرة في مجال إنشاء البنية التحتية ورفع مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، تستكشف مجموعة "دونغفانغ شيوانغ (أمل الشرق)" الصينية العملاقة مذكرة تفاهم مع منطقة خليفة الصناعية في أبو ظبي، لعمل دراسة جدوى مشتركة لتطوير ثلاث مراحل في منشأة ميناء يقع بالقرب من حدود العاصمة الإماراتية أبو ظبي مع دبي، على مدى 15 عاما. وهناك شراكة بين موانئ أبو ظبي وشركة "كوسكو الملاحية" الصينية، أسفرت عن افتتاح محطة كوسكو أبو ظبي للحاويات في نهاية عام 2018. أما دولة الكويت، فستشارك في المبادرة بعدة مشروعات تنموية تعكس رؤية "الكويت 2035"، وهي مشروع مدينة (الحرير) ومشروع (الجزر الخمس)، والذي يتضمن إنشاء مشروع ميناء مبارك الكبير الذي سيساهم في انفتاح البلاد على العالم تجاريا واقتصاديا ويخدم مصالح الكويت والعراق وإيران، فضلا عن كونه أقرب موانئ المياه المالحة لمنطقة آسيا الوسطى.

وبالنسبة للطرق البرية، شهد يناير 2016 انطلاق أول رحلة قطار بضائع بين الصين وإيران مرورا بكازاخستان وتركمانستان ولم تستغرق سوى أسبوعين فقط، وبذلك تكون أسرع بمقدار 30 يوما مما كانت تستغرقه الرحلة من قبل. كما يقترح خبراء صينيون إنشاء خط سكة حديدية بين الصين والمملكة العربية السعودية عبر أفغانستان وإيران وبعض دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. كذلك يمكن لإيران الاستفادة من موقعها الجغرافي المتميز، ووقوعها على شواطئ بحر قزوين، لتستغل مرور الخط الحديدي الصيني بالقرب من أراضيها، وأن تستفيد من علاقاتها الدبلوماسية المتميزة مع الصين من جهة والدول الأوروبية من جهة أخرى، في تسويق منتجاتها وسلعها عبر هذا الخط الجديد. وكذلك الحال بالنسبة للعراق، الذي يمكنه الاستفادة من المبادرة من خلال استغلال عوائده المالية في جذب الشركات الصينية الرائدة، لتطوير البنى التحتية المتضررة بسبب الحروب، والمساهمة في عملية إعادة الإعمار. ثالثا: تحسين القدرات الصناعية لدول الخليج: تعمل الصين من خلال المبادرة على تحسين القدرات الصناعية لدول الخليج. حيث قامت دول الخليج بتخصيص مناطق اقتصادية خاصة لإقامة مشروعات مرتبطة بالمبادرة، مثل السعودية (جازان)، سلطنة عمان (الدقم)، الكويت (الجزر الخمس). ففي المملكة العربية السعودية، تحتضن مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية (جنوب غربي السعودية) أول مشروعات التعاون السعودي، الصيني في مبادرة "الحزام والطريق". وفي سلطنة عمان، يعد مشروع (الدقم) أحد أهم المشروعات الاقتصادية الطموحة للسلطنة والتي تتطلع من خلالها إلى أن تصبح واحدة من أهم المناطق الاقتصادية بالمنطقة والعالم.

رابعا: التعاون المصرفي والمالي: يمكن لدول الخليج الاستفادة من انضمامها للمبادرة من خلال عضويتها في المؤسسات المالية التي أطلقتها الصين لتقديم التمويل والاستثمارات للدول على طول "الحزام والطريق"، وعلى رأسها البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية. وهناك حضور متزايد للمصارف الصينية في دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي من شأنه توفير الآليات المالية اللازمة لتوثيق وتوسيع الروابط بين الجانبين. وهو ما يتطلب ضرورة قيام المصارف والمؤسسات السيادية في هذه الدول بالاستفادة من هذه الفرصة لتأمين التمويل المشترك للبلدان المشاركة في مبادرة "الحزام والطريق"، بجانب السعي للحصول على تمويل مشترك من القطاعين العام والخاص لمشاريع المبادرة. وهو ما يؤدي إلى تعزيز التقارب بين الجانبين الخليجي والصيني.

خامسا: التعاون التجاري والاستثماري: يؤدي التشارك في بناء "الحزام والطريق" إلى تعزيز تحرير وتسهيل التجارة والاستثمار في الدول والمناطق على طول "الحزام والطريق"، بجانب خفض تكاليف الصفقات وتكاليف ممارسة التجارة، وإطلاق الإمكانية التنموية، وتوسيع وتعميق درجة اشتراك مختلف الدول في العولمة الاقتصادية بشكل متزايد. وقد دفعت مبادرة "الحزام والطريق" التعاون بين الصين ودول الخليج إلى مستوى أعمق وأعلى فيما يتعلق بالعلاقات التجارية. إذ تستحوذ دول الخليج على 66% من التجارة العربية مع الصين.

سادسا: الترابط بين الشعوب: يُعد التفاهم بين الشعوب بأبعاده ومجالاته المتنوعة الركيزة الاجتماعية لعملية بناء "الحزام والطريق". وقد نجحت دول الخليج في الاستفادة من هذا الجانب في إطار علاقاتها مع الصين، وتعددت المؤشرات والمظاهر الدالة على ذلك. ومنها على سبيل المثال: تزايد وتيرة التعاون الثقافي والتعليمي بين الجانبين، وتنظيم العديد من الفعاليات الثقافية للتعريف بثقافة وحضارة الجانبين، بالإضافة إلى وجود العديد من الطلبة الصينيين الذين يدرسون في دول الخليج، والطلبة الخليجيين الدارسين في الصين. بجانب فتح فروع لمعهد كونفوشيوس لتعليم اللغة والثقافة الصينية في كل من أبو ظبي ودبي، وقرار الإمارات تعميم تدريس اللغة الصينية في 100 مدرسة إماراتية كمرحلة تجريبية، واتفاق السعودية مع الصين على إدراج اللغة الصينية كمقرر دراسي في المدارس والجامعات السعودية. وفي مجال تعزيز التعاون السياحي، حصلت الإمارات كأول دولة في منطقة مبادرة "الحزام والطريق" على إعفاء متبادل للتأشيرة لجواز السفر العادي مع الصين عام 2017، كما تجاوز عدد السياح الصينيين إلى الإمارات 1ر1 مليون سائح، بمعدل نمو 5%.

 

عادل علي، إعلامي وباحث بالهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037