كلنا شرق < الرئيسية

الصين.. مسيرة النموذج الأمثل

: مشاركة
2019-10-30 16:56:00 الصين اليوم:Source د. محمد حسين أبو العلا:Author

أوهام وخزعبلات تستحوذ على عقل المارد الأمريكي الذي بات يتخبط ويترنح بشكل غير مسبوق على مسار تاريخه القصير. صار يقتحمه الرعب خشية انفلات القيادة الكونية وهو الذي أقسم على ديمومة السبق والتفوق وأبدية السيادة واحتكار أسس الانطلاقة الحضارية، وهو ما يتنافى في كليته مع الحتميات البشرية بل ونواميس الطبيعة، إذ أن معادلة التفوق هي رهن لمن يحققه أما من يغفله لو لحظات فإنه يحرز تراجعا يتناسب مع مستوى تفوق هذا الآخر.

ولعل أولى مقدمات هذا التخبط هو مقولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تعكس سذاجة سياسية بالغة، إذ كيف يتأتى لشخص يمثل الإمبراطورية الأمريكية أن يتحدث تحت ظلال الغيبيات مؤكدا أنه الشخص الذي اختاره القدر لمواجهة الصين تجاريا، بل يحرض وزير دفاعه على إشاعة أكذوبة كبرى حين يردد أن الصين تسرق أسرار التكنولوجيا الأمريكية!!

ولعل كل ذلك يعد من مفردات قاموس الاحتيال السياسي الذي تجدد الإمبراطورية كلماته ومعانيه كلما عنّْت لها أزمة أو مشكلة أو حتى لم تعن لها ظرفيات حادة، لأنها دوما إمبراطورية عاشقة لحدوث وإحداث الكوارث والأزمات وتكريس الشعور بضرورة الاشتباك حتى مع الكيانات الحليفة، وذلك لتمركز المشاعر العدائية التي هي بالفعل مكون أصيل في نمط السياسة الأمريكية. وانطلاقا من تلك العدوانية، كانت شظايا الحرب التجارية على الصين كإستراتيجية تعويق للمسيرة التنموية الرائدة التي انطوت على إعجازات اقتصادية لا تقوى أعتى الدول على النهوض بها، إذ أنه ومنذ نحو عشرين عاما دخلت الصين نادي العشرة الأوائل في قائمة اقتصادات العالم وظلت تدأب إلى أن تبوأت المركز الثالث عالميا من حيث حجم الناتج المحلي متخطية ألمانيا باعتبارها تمثل أكبر اقتصادات أوروبا، ثم تجاوزت اليابان وأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم منذ عام 2010، وها هي كافة المؤشرات تشير إلى أن الصين خلال عقد واحد سوف تصبح أكبر اقتصاد في العالم، وهو ما يثير عليها هالات الحقد السياسي التي تجلت أولى مشاهدها في رعونة الحرب التجارية التي يتوهم النظام الأمريكي أنها إحدى آليات المواجهة والتي يستطاع من خلالها دفع الإقتصاد الصيني نحو الاحتضار.

إن النموذج التنموي الصيني هو نموذج عتيد، لأنه ثمرة لتجربة ثرية خصبة عمرها سبعون عاما، ولكن إذا دفعنا بالنسبية التاريخية فإن ذلك يجعل عمرها الفعلي نحو سبعمائة عام، لأن هناك تجارب عمرها الزمني أكثر من سبعين عاما لكن عمرها الفعلي لا يبلغ سوى سنوات قلائل!! إن هذه التجربة هي التي زلَّلت للعالم معنى التحديات والمستحيلات، لأنها كما قيل قد عبرت من مجال التنمية الفائقة السرعة إلى مجال التنمية المتوازنة والمستدامة، وهو ما يترجمه الصينيون بالانتقال من مرحلة "صُنع في الصين" إلى مرحلة "ابتُكر في ال

أوهام وخزعبلات تستحوذ على عقل المارد الأمريكي الذي بات يتخبط ويترنح بشكل غير مسبوق على مسار تاريخه القصير. صار يقتحمه الرعب خشية انفلات القيادة الكونية وهو الذي أقسم على ديمومة السبق والتفوق وأبدية السيادة واحتكار أسس الانطلاقة الحضارية، وهو ما يتنافى في كليته مع الحتميات البشرية بل ونواميس الطبيعة، إذ أن معادلة التفوق هي رهن لمن يحققه أما من يغفله لو لحظات فإنه يحرز تراجعا يتناسب مع مستوى تفوق هذا الآخر.

ولعل أولى مقدمات هذا التخبط هو مقولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تعكس سذاجة سياسية بالغة، إذ كيف يتأتى لشخص يمثل الإمبراطورية الأمريكية أن يتحدث تحت ظلال الغيبيات مؤكدا أنه الشخص الذي اختاره القدر لمواجهة الصين تجاريا، بل يحرض وزير دفاعه على إشاعة أكذوبة كبرى حين يردد أن الصين تسرق أسرار التكنولوجيا الأمريكية!!

ولعل كل ذلك يعد من مفردات قاموس الاحتيال السياسي الذي تجدد الإمبراطورية كلماته ومعانيه كلما عنّْت لها أزمة أو مشكلة أو حتى لم تعن لها ظرفيات حادة، لأنها دوما إمبراطورية عاشقة لحدوث وإحداث الكوارث والأزمات وتكريس الشعور بضرورة الاشتباك حتى مع الكيانات الحليفة، وذلك لتمركز المشاعر العدائية التي هي بالفعل مكون أصيل في نمط السياسة الأمريكية. وانطلاقا من تلك العدوانية، كانت شظايا الحرب التجارية على الصين كإستراتيجية تعويق للمسيرة التنموية الرائدة التي انطوت على إعجازات اقتصادية لا تقوى أعتى الدول على النهوض بها، إذ أنه ومنذ نحو عشرين عاما دخلت الصين نادي العشرة الأوائل في قائمة اقتصادات العالم وظلت تدأب إلى أن تبوأت المركز الثالث عالميا من حيث حجم الناتج المحلي متخطية ألمانيا باعتبارها تمثل أكبر اقتصادات أوروبا، ثم تجاوزت اليابان وأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم منذ عام 2010، وها هي كافة المؤشرات تشير إلى أن الصين خلال عقد واحد سوف تصبح أكبر اقتصاد في العالم، وهو ما يثير عليها هالات الحقد السياسي التي تجلت أولى مشاهدها في رعونة الحرب التجارية التي يتوهم النظام الأمريكي أنها إحدى آليات المواجهة والتي يستطاع من خلالها دفع الإقتصاد الصيني نحو الاحتضار.

إن النموذج التنموي الصيني هو نموذج عتيد، لأنه ثمرة لتجربة ثرية خصبة عمرها سبعون عاما، ولكن إذا دفعنا بالنسبية التاريخية فإن ذلك يجعل عمرها الفعلي نحو سبعمائة عام، لأن هناك تجارب عمرها الزمني أكثر من سبعين عاما لكن عمرها الفعلي لا يبلغ سوى سنوات قلائل!! إن هذه التجربة هي التي زلَّلت للعالم معنى التحديات والمستحيلات، لأنها كما قيل قد عبرت من مجال التنمية الفائقة السرعة إلى مجال التنمية المتوازنة والمستدامة، وهو ما يترجمه الصينيون بالانتقال من مرحلة "صُنع في الصين" إلى مرحلة "ابتُكر في الصين". وهنا يتجلى النموذج التنموي الصيني كنموذج تجديدي ابتكاري إبداعي ممثل لطابع الشخصية الوطنية المعاصرة. 

إن الميكانيزم السياسي في جوهر هذه التجربة إنما يكمن في عمق مصداقية الإرادة الوطنية، التي تمثل دائما عنصرا محوريا في تغيير حركة التاريخ، ومن ثم تغيير وضعية الدول وارتقاء أداء الأنظمة السياسية وتحرر الشعوب من قبضة الإمبريالية، من ثم المناداة بسيادة طابع إنساني يغزو عناصر المنظومة الدولية ويعمل على تقويمها وتصحيح مسارها، استهدافا لإحلال قيم إيجابية جديدة بدلا من سيادة القيم الدموية والوحشية التي دفعت الشعوب أثمانا فادحة بسببها.

إن النظام الأمريكي الذي لا يقبل بفكرة التزحزح الحضاري، إنما هو نظام أحادي الرؤية من منظور الفكر والثقافة، وكذلك هو نظام حاصد للأخطاء من منظور إستراتيجي، وكذلك أيضا هو نظام هادم لأي معنى إنساني من منظور فلسفي. من ثم فإن الأنظمة حين لا تعتمد معادلة تصويب مسيرتها فلابد لها أن تغادر دوائر التفرد والنرجسية معلنة انتهاء دورتها التاريخية، وترك الساحة الكونية لمن هو أقدر وأفضل وأنفع.

--

د. محمد حسين أبو العلا، كاتب وأستاذ علم الإجتماع السياسي في مصر.

 

 

صين". وهنا يتجلى النموذج التنموي الصيني كنموذج تجديدي ابتكاري إبداعي ممثل لطابع الشخصية الوطنية المعاصرة. 

إن الميكانيزم السياسي في جوهر هذه التجربة إنما يكمن في عمق مصداقية الإرادة الوطنية، التي تمثل دائما عنصرا محوريا في تغيير حركة التاريخ، ومن ثم تغيير وضعية الدول وارتقاء أداء الأنظمة السياسية وتحرر الشعوب من قبضة الإمبريالية، من ثم المناداة بسيادة طابع إنساني يغزو عناصر المنظومة الدولية ويعمل على تقويمها وتصحيح مسارها، استهدافا لإحلال قيم إيجابية جديدة بدلا من سيادة القيم الدموية والوحشية التي دفعت الشعوب أثمانا فادحة بسببها.

إن النظام الأمريكي الذي لا يقبل بفكرة التزحزح الحضاري، إنما هو نظام أحادي الرؤية من منظور الفكر والثقافة، وكذلك هو نظام حاصد للأخطاء من منظور إستراتيجي، وكذلك أيضا هو نظام هادم لأي معنى إنساني من منظور فلسفي. من ثم فإن الأنظمة حين لا تعتمد معادلة تصويب مسيرتها فلابد لها أن تغادر دوائر التفرد والنرجسية معلنة انتهاء دورتها التاريخية، وترك الساحة الكونية لمن هو أقدر وأفضل وأنفع.

--

د. محمد حسين أبو العلا، كاتب وأستاذ علم الإجتماع السياسي في مصر.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037