كلنا شرق < الرئيسية

مي عاشور.. العزف على حروف الصينية ولغة الضاد

: مشاركة
2019-07-31 14:33:00 الصين اليوم:Source محمد علام:Author

في الأول من ديسمبر 2018، شرفت بأن كنت واحدا من المدعوين لحضور الحفل الذي نظمه المركز الثقافي الصيني بالعاصمة المصرية القاهرة لتوزيع جوائز الدورة الأولى من مسابقة "أنا والصين" في الكتابة الصحفية، والتي كنتُ أيضا واحدا من الفائزين بجوائزها.

ووسط الحضور المتميز والراقي في تلك الليلة القاهرية، برز اسم أعرفه بين الحاصلين على التكريم ضمن المراكز المتقدمة مع عملها المتميز "رسالة إلى صديق"، والذي أبرزت فيه الكثير من التشابهات بين مصر والصين حضارة وتاريخا وجغرافيا بل ومجتمعيا كذلك. إنها مي عاشور، المترجمة المصرية عن اللغة الصينية، الاسم الذي عرفته للمرة الأولى من خلال صفحات مجلة ((الصين اليوم)).

أتذكر جيدا ذلك العدد من ((الصين اليوم)) الذي لا أزال أحتفظ به، في فبراير 2015 عندما عرفتنا على الأديبة الصينية البارزة لونغ ينغ تاي، ومنذ ذلك اليوم وأنا متابع جيد لحالة العزف التي تجيدها في الترجمة والتنقل بين حروف اللغتين الصينية والعربية، وهو الأمر الذي دعاني لتحيتها شخصيا تلك الليلة، والكتابة عنها اليوم.

فن الترجمة

الترجمة، تلك الصورة البديعة من صور العبقرية الإنسانية التي لولاها لما تواصلت الشعوب وتعارف الناس، بل لولا الترجمة ما كان يمكن للحضارات الإنسانية أن تستقي المعارف من بعضها البعض، وصولا إلى التطور الذي نعيشه اليوم. إن بحثت في أي شيء مهما كانت درجة تطوره ستجد هناك ما يربطه بالحضارات السابقة وصولا إلى حضارات العالم القديم، وبدون الترجمة ما كان يمكن لهذا التتالي أن يحدث.

الترجمة أيضا تقرب بين شعوب العالم بعضها ببعض على الصعيد النفسي، بترجمة الصور الأدبية المختلفة كالروايات والكتب والشعر، فتربطنا جميعا وتقلل من فرص النزاعات والخلافات. يطول الحديث عن الترجمة وأهميتها، واختصارا لهذا كله يمكن القول، إن الترجمة هي الجسر الأشبه بالمعجزة والذي تسير عليه كل إنجازات الإنسان وحضارته حتى وإن لم ينتبه.

وبالنسبة للغة الصينية تحديدا، الترجمة قد تكون واحدة من أصعب عمليات الترجمة، لاتساعها وكثرة حروفها وتنوع أشكالها أحيانا، وتشابهها أحيانا أخرى، وهي عملية مرهقة للغاية لأي مترجم، وواقعيا فإننا نعاني في عالمنا العربي من قلة أعداد المجيدين للغة الصينية أصلا، ناهيك عن من يمتلكون القدرة على "الترجمة"، فما بالك عن أعداد هؤلاء المتميزين منهم، مع غزارة في الإنتاج.

جهد متنوع

يتنوع جهد مي عاشور في الترجمة بين عدد من الصور بداية من القصص القصيرة مرورا بالنصوص النثرية، ولا تتوقف عند الروايات وأبيات الشعر. كانت ضربة البداية عام 2012 مع كتاب "كيف تجعل أبناءك يحبون الدراسة؟" من تأليف عالمة النفس الصينية يانغ شيا، ومراجعة هشام المالكي.

بالطبع هذا واحد من أهم الموضوعات وأكثرها تداولا لدى الأسر التي لديها أطفال في بداية مراحلهم الدراسية. وفي هذا الكتاب قدمت لنا مي عاشور رؤية وفلسفة صينية مشوقة عن أسرار التفوق الدراسي، والطرق والوسائل التي يلجأ لها رب الأسرة لتوجيه أبنائه دراسيا.

لقد كان الدليل العملي على كل من أهمية العمل المترجم وحسن اختياره وجودة الترجمة، اهتمام المركز القومي للترجمة التابع للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، بنشره وتقديمه كباقي إصداراته بسعر التكلفة الفعلي للكتاب وذلك لإتاحة الكتب المترجمة لأكبر عدد ممكن من القراء.

ومنذ ذلك الكتاب، تنوعت الكتب المترجمة عن الصينية بواسطة مي عاشور، ونذكر منها ((براعم الأمل)) وهي مجموعة من المختارات الشعرية بقلم الشاعر الصيني وانغ قوه تشن. وهذا الكتاب تحديدا هدية لمن يريد أن يتعرف على الشعر الصيني. بسلاسة رائعة قدمت لنا فيه مي عاشور مختارات شعرية ساحرة عكست روعة الشعر الصيني وامتلائه بالكثير من الجمال وعمق الحكمة، وهو شهادة على قوة المترجمة وتمكنها من أدواتها. وبجانب المجموعة الشعرية، قدمت لنا مي عاشور مجموعة قصصية هي ((أزهار البرقوق)) التي جمعت لنا فيها قصصا ونصوصا من الأدب الصيني المعاصر لعدد من الكتاب الصينيين المعاصرين، وهو أيضا مفتاح تعارف لمن يريد التعرف على القصة المعاصرة في الصين.

نقطة تفرد:

من أهم المشكلات التي قد تواجه أي مترجم، عملية التحديد الدقيق لبعض الكلمات أو العبارات وقَصْد الكاتب منها، وخصوصا تلك التي قد تحمل أكثر من معنى، إذ قد يؤدي الخطأ هنا إلى انحراف تام بين المعنى في النص الأصلي والنص المترجم. ويبدو الأمر أكثر صعوبة إذا كان للمرادف الواحد مفاهيم أو معاني تختلف باختلاف اللهجات أو حتى المنطقة الجغرافية وهو ما يتكرر بكثرة في الترجمة عن الصينية.

والحقيقة أن من نقاط تفرد نهج مي عاشور في الترجمة، سعيها الدءوب للتواصل مع الكتاب أنفسهم، فأثر هذا لا يتوقف عند إزالة أي لبس أو احتمال في المعنى فحسب، وإنما أيضا يسمح للمترجم بأن يفهم النص ويستوعبه بشكل أكبر، والنظر إليه بمنظور المترجم والكاتب معا، مما ينتج في النهاية نصا يستحق الإشادة به، ومترجما يتميز عن رفاقه بالاحتكاك الفعلي. وعن هذا تقول مي عاشور نفسها: "المترجم يجب أن يكون شخصا واسع الاطلاع على الكتب والدنيا والبشر، كيف يمكن أن ينقل أشياء شتى من دون فهم عميق؟ ثمة أشياء لن يجدها في الكتب ولن يجيبه عليها جوجل، بل سيفهمها بالتواصل مع أهل اللغة الأصليين."

ولقد كررت مي عاشور هذا الأمر مع كثير من المبدعين الصينيين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الكاتبة شويه شياو تشان، وهي واحدة من أهم الكاتبات اللاتي يمكن تصنيفهن ضمن الجيل الجديد من الكتاب في الصين، وصدر لها أكثر من خمسين كتابا، أهمها رواية ((تعيس بدون حب)) ورواية ((الوشم)).

تبلور ذلك من جديد في حصول مي عاشور على الحق في ترجمة قصة ((من هو أهم شخص بالنسبة لك؟))، للكاتبة والطبيبة النفسية الصينية بي شو مين، والتي لم تبدأ في ترجمتها إلا بعد أن تقابلت مباشرة مع كاتبتها في الصين. وهي قصة نفسية تحكي عن كيف يعيش جرح معنوي تتسبب فيه معلمة لواحدة من طالباتها ذات يوم ليظل مصاحبا لها سنوات طويلة تالية. وستجدون هذه القصة ضمن مجموعة ((أزهار البرقوق)) التي أشرت إليها. بجانب تلك اللقاءات الفردية مع الكتاب والمبدعين الصينيين، من المهم لأي مترجم يريد أن يصل إلى مرحلة الإجادة التامة أن يحقق احتكاكا مباشرا مع المجتمع الذي يترجم منه وعنه. ومن هنا تبرز أهمية الزيارات المتعددة التي قامت بها مي عاشور إلى الصين، وفيها زارت عددا معتبرا من مدنها، والتقت بالشعب نفسه لا بكتابه ومبدعيه فحسب، وإنما أيضا بعدد من المترجمين من دول أخرى يقومون هم أيضا بالترجمة عن الصينية إلى لغاتهم الأم. إن الأبعاد والزوايا التي تنفتح من مثل هذه الزيارات لا يستهان أبدا بأهميتها.

ولا يفوتني هنا الإشارة إلى إجادة المترجمة مي عاشور استغلال الفرص، فلقد كانت أيضا خلال تلك الزيارات سفيرة للثقافة المصرية العريقة، فهي تعتز بانتمائها لحضارة تضرب في جذور التاريخ، وتتباهى بامتداد إبداعي مستمر حتى الآن، كما فعلت في معهد فنغ جي تساي للأدب والفنون بجامعة تيانجين، بإلقائها قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي بعنوان "النيل هو الكوثر".

وتتواصل الرحلة

صورة أخرى من صور مجهود مي عاشور المذكور المشكور، بجانب ترجمتها لأعمال كاملة، مساهمتها المتميزة المدعومة بقدرتها على الفهم اللغوي والترجمة، في إمداد الوسط الثقافي العربي بعشرات المقالات عن الثقافة الصينية والعديد من أحدث وأهم الروايات والصور الأدبية المتعددة من الحقل الثقافي الصيني، مقالات وجدت لها مكانا في أهم وأرقى الإصدارات الدورية الثقافية العربية، فعكست صورة المجتمع الثقافي الصيني للمجتمع الثقافي العربي. وبدون أي مجاملات فلا يوجد من يضاهي مي عاشور في هذه النقطة على وجه التحديد. وتبرز أهمية هذا الجهد، عندما نجد حضور الثقافة الصينية على مأدبة المثقفين العرب المطالعين لتلك الإصدارات، معظم هؤلاء بالتأكيد اطلعوا على الأدب الروسي أو الإنجليزي على سبيل المثال، لكن من بينهم كم سنجد من قرأ رواية صينية واحدة في حياته؟ هنا تحديدا تبرز الأهمية البالغة لدور مي عاشور، وغيرها من المترجمين عن الصينية.

لقد عرفنا الصين سياسيا بمواقفها المؤيدة لقضايانا وحقوقنا العربية الشرعية، واقتصاديا تعاملنا معها فصارت الشريك الاقتصادي الأول للكثير من البلدان العربية، وثاني أكبر شركاء الدول العربية مجتمعة، لكن الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها، هي أن هناك حالة من عدم التناسب المعرفي على الصعيد الثقافي بما حققناه سويا سياسيا واقتصاديا، وأنه ما زال أمامنا الكثير لتحقيق المعرفة الثقافية المتبادلة بين الطرفين بشكل قوي، وحتى يأتي اليوم الذي نملأ فيه أرفف مكتباتنا بكتب ترجمت عن الصينية، وحتى يأتي اليوم الذي ندرك فيه أن كل ما حققناه مع الصين سياسيا واقتصاديا، بل وكل اتفاقياتنا معها للتعاون المشترك أو حتى الشراكات الإستراتيجية ومنها "الشراكات الإستراتيجية الشاملة" مع الصين لن تحقق ثمارها كاملة، بل لن تكتمل معانيها إلا بفهم واع وصحيح لثقافة وحضارة الصين.

إننا نمر حاليا بمرحلة هامة في تاريخ الترجمة من وإلى الصينية، فهناك محاولات جادة ومبادرات طموحة نجح بعضها في تحقيق اختراقات هامة في هذا الصدد، وهناك كذلك اطراد في أعداد دارسي اللغة الصينية في الكليات والمعاهد العربية المتخصصة، كما أن هناك زيادة ملحوظة في وعي الآباء والأمهات الذين أصبح الكثيرين منهم أشد حرصا على دراسة أبنائهم للغة الصينية كأحد أهم لغات العالم حاضرا وفي قادم الأيام. وستكون مي عاشور حين يتم وضع تأريخ لحركة الترجمة العربية عن الصينية واحدة من أهم الأسماء التي أعطت دفعة هامة وضرورية للترجمة عن الصينية، ومجددة لجهد أوائل المبادرين.

هذه دعوة لشكر مي عاشور وكل المترجمين العرب عن الصينية، وإعلاما بانتظارنا للمزيد من الجهد في ترجمة ما جاد به الفكر الصيني في مجالات لا تزال الكتب المترجمة عنها تعاني من الشح الشديد كمجالات القانون والتاريخ وعلم الاجتماع السياسي، والطب والصيدلة.

--

محمد علام، باحث مصري في الشؤون الدولية.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037