كلنا شرق < الرئيسية

قوة الثقافة.. إستراتيجية كونية غائبة

: مشاركة
2019-07-01 14:14:00 الصين اليوم:Source د. محمد حسين أبو العلا:Author

تصر الإستراتيجية الأمريكية دائما عبر أطوارها الزمنية على رفض وجود مجتمع إنساني طامح متوازن متعدد تختلف فيه التوجهات ولا تتعارض فيه المصالح، لأنها لا تتشدق إلا بمنطق أحادي أجوف، منطق يتغافل عن وجود أي قوة سياسية اقتصادية ثقافية تشق مسار الصعود نحو الغايات المحلية أو الإقليمية أو العالمية، لأن مسارات الصعود والارتقاء لا تجوب آفاقها إلا الولايات المتحدة الأمريكية تلك المؤرقة وحدها بحلم السلطة الكونية المتعارض مع حركة التاريخ ومرحلياتها وما تنطوي عليه من دورات حضارية، فكيف لدولة تتعلق بأحلام السيادة الأبدية على الكوكب الأرضي وهي لا تملك ملامح مشروع ثقافي حضاري تحمل ثناياه آليات إنقاذ سياسي يعصم المجتمع الإنساني المعاصر من توعكاته ومشكلاته وأزماته ومآزقه ومعضلاته ويجنبه ظلامية المستقبل؟ ففي الوقت الذي لا تزال ترفع الولايات المتحدة الأمريكية فيه شعارات الصدام مع الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية، تطرح القيادة الصينية مشروعا تقدميا إنسانيا أخلاقيا لبناء رابطة المصير المشترك، تعتمد ركيزته الأساسية فكرة أن البشرية ليست في حاجة أكثر من حاجتها إلى قوة ثقافية، وهو ما يترجم في أن هذه القوة هي قوة الوعي الحاد المقتحم الفاعل في تفكيك منظومة الكارثيات المحدقة بإنسان هذا القرن، ذلك بجانب تلك القوة الاقتصادية والتكنولوجية التي لا بد لها أن تسحق التحديات العالمية المتزايدة لحظيا. والمتأمل فى خطاب القيادة الصينية يجد أن هناك تقدمة وأولوية خاصة للطاقة الثقافية المعطلة والمستوجبة للاستثمار، لأنها تعد المرجعية الأصيلة والمفتاح السحري لاجتياز العثرات والكبوات المعوقة لأداء الأنظمة السياسية في المحيط الدولي.

ذلك بجانب الإشارة إلى الحاجة الملحة لتشجيع مختلف الحضارات واحترام بعضها البعض أملا في التعايش بين الشعوب تحقيقا لسيادة السلام العالمي. وهو ما يعنى في مضمونه ضرورة نسف العنصرية الحضارية القائمة على التفاضل والتميز وإعلاء حضارة على أخرى، من منطلق اعتقادات راسخة عن السمو العرقي. من ذلك كانت النداءات لتهيئة الظروف نحو تطور الحضارات الأخرى وتمكينها من العيش الآمن، إذ أن القيمة المميزة للحضارة الصينية إنما تكمن في شيوع الاستقرار والازدهار لأنه السبيل الأوحد للإصلاح والنهضة، من ثم فإن الصين مستقبلا ستحتضن العالم وتساهم بإنجازات حضارية رفيعة ستكون أكثر ديناميكية. وتلك هي الرؤية الثقافية الواعية بما لها من شمول تستظل تحته الحقائق وتتلاقى حوله الأفكار والتوجهات ويكون منتجا لحوارية خلاقة مبدعة تستطيع إبادة الرؤى التقليدية التي لا ترى بديلا للصدام والصراع والتآمر وتكريس لغة العداء التاريخي الفاعلة في استعادة وجه البربرية. لكن القيادة الصينية تدأب دائما نحو إعادة صياغة نسق قيمي عالمي يدفع المجتمع الإنساني نحو الاستمرار والبقاء في إطار يتسق مع كافة المعطيات الحضارية التي تمثل رادعا قويا للارتداد والتراجع.

ولعل الحرب التجارية الدائرة التي تشعل الولايات المتحدة الأمريكية فتيلها مع الصين إنما تجسد رعونة سياسية وتخبطا إستراتيجيا أهون نتائجه أنه سيكبد الاقتصاد الأمريكي خسائر تبلغ نحو تريليون دولار أمريكي. وبالطبع، لا يخول هذا للولايات المتحدة الأمريكية مطلقا أن تتبوأ مقعد القيادة العالمية بعد ذلك التراكم من الموبقات في اختراق الشرعية الدولية طيلة أكثر من قرنين.

ولم يكن ما بثته وسائل الإعلام الصينية في الآونة الأخيرة إلا استحضارا وتذكيرا وتحطيما للذات الأمريكية المتجبرة ووضعها في بؤرة المهزوم المنسحق، باعتبار ذلك هو جزء من تاريخه. فلقد كانت ضربة الفيلم الوثائقي عن المعركة المجيدة في منتصف القرن الماضي والمسماه "الربوة المثلثة" بين القوات الأمريكية والصينية والتي أسفرت عن هزيمة نكراء زلزلت العقل الأمريكي لعقود طوال، لكن الضربة الإعلامية القاسمة بالفعل تمثلت في ذلك التوصيف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية بأنها عدوة العالم، وهو ما يثير ويؤلب الشعوب المقهورة والأنظمة المستقطبة على تلك الدولة المارقة المنفلتة من أي ميثاق قيمي أخلاقي فكري إنساني، لتدفع أثمانا باهظة لتلك العداوة المتأصلة التي لم تستطع أو لم ترد محوها بل تعاملت معها باعتبارها نقطة إشعاع في الهوية الأمريكية. ومن ثم لم يخطىء الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل حين قال: "إنني أصلي كل ليلة طالبا من الله أن يساعدني على حب أمريكا لكن الله لم يستجب لي حتى الآن".

--

د. محمد حسين أبو العلا، كاتب من مصر وأستاذ علم الاجتماع السياسي.

 

 

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037