كلنا شرق < الرئيسية

الترجمة تجمع طلاب العلم الصينيين والعرب

: مشاركة
2019-06-03 13:23:00 الصين اليوم:Source تشن جينغ:Author

يصادف المرء في حياته الكثير من الأصدقاء، وينسى بعضهم مع مرور الأيام، ولكن يبقى أصدقاء الدراسة حاضرين في الذهن دائما مهما تباعدت الأيام ومرت الأزمان. هذا ما تراه في جامعة بكين للغات والثقاقة. في قاعة محاضرات الترجمة الشفوية بالجامعة، ترى الطلبة الصينيين والعرب يجلسون جنبا إلى جنب، يدرسون تحت سقف واحد، على أيدي أساتذة صينيين يجيدون اللغتين الصينية والعربية. إن الزملاء القدامى الأعزاء، هم الزملاء العرب.

العرب في المحاضرات الصينية

قال العرب قديما "اطلبوا العلم ولو في الصين"، وقد جاء الطلبة من بلاد العرب إلى الصين عبر مبادرة "الحزام والطريق". بدعم من هذه المبادرة، تسعى جامعة بكين للغات والثقافة لجذب المزيد من الدارسين من الدول الواقعة على طول "الحزام والطريق" لإعداد أكفاء من الشباب في مجال اللغة والترجمة. في عام ٢٠١٨، التحق خمسة طلاب عرب قادمين من مصر والمغرب بجامعة بكين للغات والثقافة، لدراسة الماجستير بعد أن أتموا دراستهم الجامعية في بلدانهم، وبذلك أصبحوا أول دفعة من الطلاب العرب يدرسون للحصول على الماجستير في الترجمة والترجمة الفورية في جامعة بكين للغات والثقافة.

الحقيقة أن دراسة الطلاب العرب في الجامعات الصينية ليست أمرا جديدا، فقد اشتهرت جامعة بكين للغات والثقافة باستقبال الطلبة الوافدين من أنحاء العالم وإعداد الأكفاء الممتازين لتعزيز الترابط بين الصين وباقي الدول. لكن أسلوب التدريس التقليدي للطلبة الأجانب كان يقوم على تصميم محاضرات خاصة لهم، وتشكيل فصول خاصة بهم حسب مستواهم اللغوي، وليس دمجهم في فصول الطلبة الصينيين مباشرة. الجديد هو أن الطلبة العرب الخمسة الذين يدرسون في السنة الأولى لتخصص الترجمة بجامعة بكين للغات والثقافة، لديهم نوعان من الدروس، الأول هو التدريبات الأساسية للغة الصينية، مثل القراءة والاستماع، حيث يدرسون مع الطلبة الوافدين من الدول الأخرى. أما النوع الأخر، فهو الدروس مع الطلبة الصينيين، حيث يتعلمون مهارات الترجمة.

بعد سنتين من الدراسة، سيتخرج الطلبة العرب مع الطلبة الصينيين للبحث عن عمل في الصين أو في الدول الأخرى. لهؤلاء الطلبة مستقبل مشرق بفضل قدرتهم اللغوية في الصينية والعربية، ومهارتهم الممتازة في الترجمة، خاصة علومهم وفهمهم تجاه الثقافتين الصينية والعربية وخبرتهم في التعامل مع العرب والصينيين. يمكن القول إن هؤلاء الطلبة يستفيدون من مبادرة الحزام والطريق، وبالمقابل سيساهمون في تطبيق المبادرة وتعزيز التبادلات في شتى المجالات بقوة شبابهم.

قصتهم مع الصين

يوسف واحد من الطلبة العرب الذين يدرسون في جامعة بكين للغات والثقافة. تخرج في جامعة عين شمس المصرية، وبدأ دراسته العليا في سنة 2018 في جامعة بكين للغات والثقافة. قال إنه مولع بمشاهدة أفلام الووشو الصينية منذ نعومة أظفاره، ويفضل أفلام جاكي تشان وسلسلة أفلام المعلم ييب للممثل الصيني المشهور تشن تسي دان. كان في صغره يحلم بأن يقابل هذين النجمين ليتأكد بنفسه أنهما شخصان عاديان، فقد ظن أن ما يقومان به من حركات سريعة ومدهشة ليست من أعمال البشر. كل هذه الأفلام، وهي جزء هام من الثقافة الصينية، غرست بذور الطموح والاجتهاد والمثابرة في نفسه حتى اشتد عوده وأصبحت تلك السمات ركنا أساسيا في حياته.

قال يوسف: "بعد أن حصلت على شهادة الثانوية العامة، جاء دور القدر في تحديد مسار حياتي. في ذلك الوقت، كان لدي قريبة تدرس اللغة الصينية بالفعل، واقترحت عليّ دراسة اللغة الصينية. حدثتني عن رموز الكتابة الصينية وفن كتابتها الواسع ومدى صعوبتها التي ستعتبر تحديا لي في المرحلة المقبلة من حياتي. أدركت في أعماق قلبي أن ذلك هو المصير الذي سترتبط به حياتي ارتباطا وثيقا. عندما بدأت دراسة اللغة الصينية، كان أول ما أثار انتباهي هو التنافس الشديد بين الطلاب في ممارسة وإتقان اللغة، حيث تعتبر المشاركة في المسابقات الطريق الأسرع لتحقيق الهدف. كان سبيلي لتطوير لغتي الصينية هو الاشتراك في كافة المسابقات والفعاليات التي تنظمها معاهد كونفوشيوس في مصر والمركز الثقافي الصيني بالقاهرة. اشتركت في مسابقة المواهب الصينية ومسابقة كأس السفير للأغنية الصينية ومسابقة إلقاء الشعر الصيني وكافة المهرجانات التي تضيف إلى معرفتي باللغة والثقافة الصينية. ولكن بقى هدف الفوز بمسابقة جسر اللغة الصينية هو الحلم الذي تمنيته منذ عامي الدراسي الأول."

بذل يوسف أقصى جهوده للمشاركة في مسابقة جسر اللغة الصينية، وذلك في السنة النهائية من المرحلة الجامعية. بمساعدة معلمته الصينية الأستاذة بياو تشون يان والتشجيع الكبير من زملائه، حصل على المركز الأول في المسابقة في مصر.

الطلبة العرب الذين يدرسون الماجستير في الترجمة الفورية بجامعة بكين للغات والثقافة، كلهم ممتازون من حيث مستواهم في اللغة الصينية، ولديهم رغبة شديدة في التعرف على الحضارة الصينية والصينيين عن قرب. بالإضافة إلى تعلم علوم اللغة، يدرسون تقنيات الترجمة ومهاراتها، حيث يتعلمون الترجمة التتابعية والترجمة الفورية، وسيشاركون في مشروعات الترجمة الواقعية في مختلف المناسبات.

أشقاء في أسرة كبيرة

يعتبر هذا نوع من الاندماج التعليمي ظاهرة جديدة بالنسبة للطلبة العرب والطلبة الصينيين. في البداية، شعر الطلبة الصينيون بالدهشة والقلق عندما سمعوا أنهم سوف يدرسون مع الطلبة العرب، إذ أن بعضهم لم يتعامل مع أي عربي حتى وإن كانوا درسوا العربية أكثر من أربع سنوات، ومنهم من لم يسافر إلى أي دولة عربية. يمكن القول إنهم عرفوا اللغة العربية والبلدان العربية من الكتب أو وسائل الإعلام فقط. إن الطلبة العرب، لم يقطعوا مسافات طويلة إلى الصين من أجل الدروس الصينية فحسب، وإنما أتوا ومعهم الثقافة العربية واللغة العربية الحية والنكهة الإنسانية الاجتماعية لحياة العرب العاديين. وبينما يتعلم هؤلاء العرب اللغة الصينية والترجمة والثقافة الصينية، فإن الطلبة الصينيين يستفيدون من لغتهم العربية وقصصهم ونشاطاتهم.

بعد فترة قصيرة من التآلف، أصبح الطلبة الصينيون والعرب يحبون ويعتزون ويفتخرون ببعضهم البعض وصاروا أشقاء في أسرة كبيرة. أدرك الطلبة سريعا أن مرافقة الناطقين باللغة الأم طريقة مفيدة لتعلم اللغة والثقافة، إذ يُجاب عن أسئلتهم وتُصوب أخطاؤهم من قبل ناطق أصلي في بيئة لغوية ممتازة. كما يهتم الأساتذة أثناء إلقاء المحاضرات بتحقيق التفاعل بين الطلبة الصينيين والعرب، ويدعونهم للقيام بتدريبات الترجمة المتبادلة عن طريق تشكيل الفرق الصغيرة، والقيام بالمناقشة والمناظرة حول موضوعات ذات أهمية واقعية.

وانغ جينغ فان، طالب صيني في السنة الأولى لتخصص الترجمة، يجلس بجانب يوسف في كل الدروس، ويزوره ويلعب معه كرة السلة دائما. لدى الطلبة الصينيين والعرب أسئلة لا نهاية لها، ولا يتسع وقت المحاضرات دائما للتحدث والتبادل بينهم. في هذا الفصل، عندما يدق جرس انتهاء الدرس، قد لا يغادر أحد حجرة الدرس، بل ينهمكون في المناقشة أو يتحلقون حول الأساتذة لتعلم المزيد.

الصداقة بين الطلبة الصينين والعرب ستصبح ذكريات جميلة مفعمة بالمحبة والصفاء والكفاح في حياتهم، ولأن شبابهم يتدفق نشاطا وحيوية، فهم يتنافسون في طلب العلم. في المستقبل، سيساهم الطلبة بنصيبهم في بناء دولهم وخدمة شعوبهم، بل سيساهمون في تمتين جسر التفاهم والتبادل والتعاون بين الصين والدول العربية، أيا كان المجال الذي سيعملون فيه. وسوف يتقدمون في مسيرتهم الراسخة الثابتة خطوة بعد خطوة، حاملين أمنياتهم وأحلامهم، مستنفدين علومهم واجتهادهم من أجل بناء طريق الحرير.

--

 تشن جينغ، أستاذة بكلية الشرق الأوسط في جامعة بكين للغات والثقافة.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037