كلنا شرق < الرئيسية

الصين– أفريقيا والتنمية الناعمة

: مشاركة
2018-08-29 15:08:00 الصين اليوم:Source د. عصام شرف:Author

في عام 1996 ألقى الرئيس الصينى (الأسبق) جيانغ تسه مين كلمته في مقر منظمة الوحدة الأفريقية والتي حملت عنوان (نحو خطوة تاريخية جديدة للصداقة الصينية- الأفريقية)، وتضمنت خمسة مبادئ، هي باختصار: أن يصبح الجانبان أصدقاء في جميع الأحوال. وأن يتم التعامل البناء على المساواة والاحترام المتبادل للسيادة وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية. والسعي لتحقيق تنمية مشتركة على أسس المنفعة المتبادلة. إضافة إلى تعزيز التعاون والتشاور في الشؤون الدولية. وأخيرا التطلع للمستقبل من أجل خلق عالم أفضل. وما حققته الصين في أفريقيا على أرض الواقع جاء تنفيذا أمينا لتلك المبادئ، فالمساعدات الصينية لا ترتبط بشروط سياسية، ولا تجبر الأفارقة على عمل شيء لا يرغبون في فعله، وليست مجرد وعود جوفاء. في تصريحات قبل عامين تقريبا، قالت هوا تشون يانغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية: " التعاون بين الصين وأفريقيا يجب أن ينظر إليه بطريقة موضوعية وعقلانية وعادلة." وكما تعلمنا من جان بول سارتر، "نحن لسنا ما نقول، بل نحن ما نفعل". وإذن، فسبب التلاقي هو أن ما تقوله الصين بشأن أفريقيا هو ما تفعله.

الأهم بالنسبة لنا هنا هو، كيف وصلت الصين لأفريقيا؟ وكيف استطاعت الصين، التي تفصلها عن أفريقيا كل عوامل الجغرافيا، أن تحقق كل هذا النجاح ويصبح حضورها داخل القارة الأفريقية ظاهرة لافتة للانتباه؟

وللإجابة عن هذا السؤال الأساسي لفهم أسس العلاقة بيننا كأفارقه والصين، أقول، إن هذا يعود إلى الدبلوماسية الناعمة، وهي بلا شك أعمق أنواع الدبلوماسية تأثيرا في العالم، لأنها لا تعتمد على القوة المسلحة، وإنما على الثقافة، والقيم السياسية والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية التي تُعد جميعها جزءاً مما يصنع قوة عظيمة، كما يقول جوزيف صمويل ناي الأستاذ بجامعة هارفارد في كتابه "صعود القوة الناعمة للصين". وتُعد فكرة "التغيير الناعم" التي تتبناها الصين في أفريقيا، عقب تأسيس الصين الجديدة، وسيلة ناجعة للغاية في إحداث نوع من التغيير لمصلحة الصين في القارة الأفريقية؛ فالصين تعتمد- ضمن السباق الدولي على أفريقيا من قبل قوى دولية كثيرة- على حقيقة أنها لم تكن يوما دولة احتلال لأفريقيا. كما تعتمد الصين على رفض التدخّل في الشؤون الداخلية لدولنا الأفريقية، وهو ما يزيد من احترام الزعماء والنخب الأفريقية للصين.

 لا شك أن هذه السياسة التنموية الرشيدة ذات البعد الإنساني- كما أطلق عليها دائما في كل محاضراتي عن الصين- هي التي أدت لما تتمتع به الصين من تأثير اقتصادي وسياسي وعسكري وثقافي في قارتنا الأفريقية وحول العالم.

ما برهنت عليه الصين والتزمت به- كما ذكرت- ونراه ملموسا على أرض واقعنا الأفريقي تمثله آليات قائمة نشيطة وفاعلة، أذكر منها بعض الحقائق والإحصاءات عن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين وأفريقيا، فقد زادت التجارة بين الصين وأفريقيا من 765 مليون دولار أمريكي في عام 1978 إلى 170 مليار دولار أمريكي في عام 2017، أي تضاعفت أكثر من 200 مرة. وخلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2018، حققت التجارة الصينية- الأفريقية زيادة بنسبة7ر17% على أساس سنوي، لتصل إلى حوالي 82 مليار دولار أمريكي، كما استثمرت حوالي 3100 شركة صينية في أفريقيا وعملت على مشروعات في مجالات النقل والطاقة والاتصالات والمناطق الصناعية ومراكز التكنولوجيا الزراعية وإمدادات المياه والمدارس والمستشفيات.

أصبح تأسيس البنية الأساسية أحد أولويات التعاون الصيني- الأفريقي في إطار مبادرة الحزام والطريق وتغطي مجالات، من بينها السكك الحديدية والطرق السريعة والموانئ وتوليد الطاقة وغيرها.

وفي عام 2015، أعلنت الصين عشر خطط للتعاون بين الصين وأفريقيا لمساعدة القارة على تسريع التصنيع والتحديث الزراعي. كما تم أيضا إنشاء صندوق للتعاون في قدرة الإنتاج بين الصين وأفريقيا بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي بهدف دعم مشروعات التعاون مثل المناطق الاقتصادية والمناطق الصناعية في أفريقيا.

 ومع هذا الاستعراض ودلالاته الهامة، دعونا نتعرف أيضا على ما يمكن أن تقدمه أفريقيا للصين للتدليل على الاحتياج والاعتماد المتبادل لكل منهما على الآخر. فالقارة الأفريقية مكونة من 54 دولة تمثل أكبر سوق واعدة في العالم، إذ يزيد عدد سكانها على مليار ومائة مليون نسمة، وتبلغ مساحتها 30 مليون كيلومتر مربع، وتشكل 20% من مساحة اليابسة في الكرة الأرضية. وتحتاج القارة إلى بناء كل شيء فيها، لذلك باتت القوى الاقتصادية العالمية الكبرى، ومن بينها الصين، تنظر إليها على أنها الملاذ الوحيد في العالم للإبقاء على نمو اقتصادها، حيث لم تعد الأسواق في قارات العالم الأخرى قادرة على تحفيز الاقتصاد العالمي بسبب تشبعها بالاستثمارات، وبلوغ معدل الاستهلاك أقصى حدوده.

في المقابل تعتبر القارة الأفريقية التي ينمو اقتصادها بمعدل 8ر5% سنويا، من البلاد التي حباها الله ثروات طبيعية هائلة، إذ تملك حوالي 124 مليار برميل من احتياطي النفط، وهو ما يشكل حوالي 12% من الاحتياطي العالمي، كما تبلغ احتياطاتها من الغاز الطبيعي حوالي 10% من إجمالي الاحتياطي العالمي، حيث تملك حوالي 500 تريليون متر مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي.

كما تحتوي القارة الأفريقية على موارد طبيعية وأولية ضخمة أخرى، حيث تنتج حوالي 90% من البلاتين المنتج في العالم، و40% من إنتاج الماس، وتحوز على 50% من احتياطي الذهب، و30% من اليورانيوم الهام في الصناعات النووية، وتنتج 27% من إجمالي كمية الكوبالت المنتجة، وتنتج 9% من خام الحديد من إجمالي إنتاجه حول العالم.

وتعتبر الزراعة أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في القارة السمراء، لتنوع المناخ وكثرة الأنهار، حيث يعمل ثلثا سكانها بالزراعة تقريبا، التي تساهم بحوالي 20%- 60% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة من دولها، إضافة إلى كونها أحد أكبر مصادر المنتجات الزراعية مثل البن والقطن والكاكاو.

كما تتميز أفريقيا بوجود الكثير من الغابات التي يُنتَج منها الأخشاب بكميات كبيرة؛ علاوة على الثروة السمكية، ويساعد قطاعها على توفير الدخول لحوالي 10 ملايين أفريقي يعملون بمهنة صيد الأسماك. فيما تبلغ قيمة الأسماك التي تصدرها أفريقيا 7ر2 مليار دولار أمريكي.

 أما عن دخول الصين إلى أفريقيا، فكما ذكرت في البداية اعتمدت الصين لدخول القارة السمراء على تغليب لغة المصلحة المتبادلة والاحترام والمساواة دون التدخل في شؤون الآخرين. ويتجلى ذلك في القروض الميسرة، والاستثمارات دون شروط، إضافة للمساعدات الجزيلة، فقد أنشأت الصين في أفريقيا 3300 كيلومتر من الطرق، و30 مستشفى، و50 مدرسة، و100 محطة لتوليد الطاقة، في أكثر من 40 دولة أفريقية، وبعثت التجار والأطباء، فأرسلت ما يقارب 1600 طبيب إلى المناطق الريفية الأفريقية.

وفي أكتوبر عام 2000، بادرت الصين إلى إنشاء منتدى التعاون الصيني-الأفريقي لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين والبلدان الأفريقية في القطاعين العام والخاص، وهو ما أسهم في ترسيخ التعاون في أفريقيا، ووضع العلاقات الاقتصادية الصينية- الأفريقية في مسار سريع.

وفي عام 2012، صادق المنتدى الخامس للتعاون الأفريقي- الصيني في بكين على خطة عمل للفترة ما بين 2013-2015، تقضي بحصول الدول الأفريقية على قروض مالية ميسرة من الصين بعشرين مليار دولار أمريكي لتطوير البنى التحتية، الزراعية والصناعية، لتحقيق التنمية الذاتية والتنمية المستدامة، ويقدر عدد الشركات الصينية أو فروعها بأكثر من 2000 شركة (كان عددها 700 عام 2005)، كلها نشيطة في مجال الزراعة والتعدين والبناء والتعمير، وقطاعي التجارة والاستثمار، ومعالجة منتجات الموارد، والتصنيع، والدعم اللوجستي التجاري؛ هذا بالإضافة إلى العمال والخبراء الصينيين، إلى جانب تدريب 30 ألف فرد من الدول الأفريقية في مختلف المجالات، مع فتح الباب لتوفير 18 ألف منحة دراسية للطلاب الأفارقة؛ حيث تبني الصين رؤيتها على أساس أن "التواصل الثقافي" هو البديل المضمون ليرى الأفارقة الوجه الحقيقي للصين صاحبة الحضارة العريقة، وليست القوة الاقتصادية التي جاءت لاستنزاف موارد القارة كما تروج أبواق الدعاية الغربية التي أذهلها هذا التقارب؛ حيث بدأت بكين منذ 2009 مشروعا ضخما للمنح الدراسية وصل بمقتضاه عدد الطلبة الأفارقة في الجامعات الصينية إلى حوالي 12 ألف طالب يدرسون على نفقة الصين.

الخلاصة هي أن القرن الواحد والعشرين جاء مع صعود قوى جديدة إلى المسرح العالمي وتراجع قوى أخرى تقليدية، وبزغت معالم ظاهرة "عولمة بديلة" تعمل على تحدّي السيطرة العالمية للتأثير الغربي وتحد من سطوته. وفي هذا الإطار، تبرز الصين كإحدى الدول غير الغربية التي تنهض بشكل سريع على المسرح العالمي، مقدّمة للعالم أو لمناطق واسعة منه- إن صحّ التعبير- عددا من السياسات والممارسات البديلة عمّا هو سائد، لاسيما في مجال تقديم النماذج التنموية. وفي الإطار الأوسع، يمكن وصف "العولمة البديلة" على أنها مجموعة قيم تؤسس لبديل عن الممارسات والمؤسسات والسياسات والموارد القائمة حاليا. وفي هذا المجال، نستطيع أن نلاحظ أنّه ومنذ تأسيس الصين الجديدة، والحضور الدائم لبكين على المستوى العالمي يكتسب أهمية متزايدة مع الوقت، مدفوعا بالنمو الاقتصادي والتطور الصناعي والتكنولوجي وحشد الأدوات السياسية والاقتصادية والثقافية للاعتراف الدولي بها كقوة رئيسية، بما يخدم مفهوم "العولمة البديلة".

 ولا شك أنّ علاقات الصين بأفريقيا قد تطورت خلال ما يزيد عن 60 عاما بشكل كبير لتصبح أكثر عمقا وقوّة، ولتتحوّل إلى شراكة متميزة تعكس قوّة نفوذ وتأثير الصين في أفريقيا بشكل تصاعدي، ويقدّمها كبديل محتمل عن تأثير هيكلية السلطة والثقافة الغربية في أفريقيا. وقد ساهم استخدام الصين المرن لأدوات السياسة الخارجية المتعدّدة- كما أكرر دائما- من استخدام أدوات السياسة إلى الاقتصاد والثقافة في ترسيخ البصمة الصينية في أفريقيا أمام النفوذ الغربي القديم.

--

د. عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037