كلنا شرق < الرئيسية

السفير العراقي لدى الصين: علاقاتنا مع الصين راسخة وفي جوهر اهتمامنا

: مشاركة
2018-07-31 12:16:00 الصين اليوم:Source أنسام شاكر خضر:Author

تحتفل الصين والعراق هذا العام 2018، بالذكرى السنوية الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي مناسبة تأتي في ظل تنامي العلاقات التاريخية الودية وتزايد التبادلات الاقتصادية والتجارية، وتعزز الثقة السياسية بين البلدين الصديقين. وبهذه المناسبة، أجرت ((الصين اليوم)) مقابلة مع سعادة سفير جمهورية العراق لدى الصين، السيد أحمد تحسين برواري، لإلقاء الضوء على واقع ومستقبل العلاقات بين الصين والعراق.

((الصين اليوم)): في صيف هذا العام، تدخل العلاقات الصينية- العراقية عامها الحادي والستين، وهي مناسبة جديرة بالاحتفال، فماذا أعددتم لها، وما هو تقييمكم للعلاقات الثنائية وأبرز ما حققته على مدى العقود الستة الماضية؟

السفير العراقي: العراق والصين يتمتعان بعلاقات صداقة تاريخية مبنية على أساس الاحترام والمنفعة المتبادلة، تمتد الى أكثر من ألفي عام. وقد استمر التواصل بين الحضارتين والتبادل التجاري والثقافي بين الشعبين منذ ذلك الحين وإلى عصرنا الحاضر. لقد اعترفت جمهورية الصين الشعبية بنظام الحكم الجمهوري الذي تأسس في العراق في يوليو/ تموز عام 1958، وأقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وبشكل رسمي في الخامس والعشرين من أغسطس/ آب 1958. ومنذ ذلك الحين تشهد العلاقات الثنائية بين العراق والصين تطورا كبيرا في كافة النواحي وعلى المستوى الحكومي والشعبي وخاصة بعد عام 2003، بعد إنشاء النظام الديمقراطي الجديد في العراق. تحتفل سفارة جمهورية العراق في بكين في العام الجاري وبالتعاون مع جهات صينية حكومية معنية  بالذكرى السنوية الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الصديقين من خلال عدد من النشاطات والفعاليات في الصين، من أهمها إصدار مجلتين باللغة الصينية والإنجليزية احتفاء بهذه المناسبة مع التركيز على الجانب الاقتصادي والاستثمار، وكذلك إصدار كتاب باللغتين الصينية والعربية يشترك فيه مجموعة من الدبلوماسيين والأكاديميين والإعلاميين العراقيين والصينيين بمقالات تبرز عمق العلاقة بين البلدين وآفاقها المستقبلية. كما ستنظم السفارة احتفالية كبيرة في بكين تتضمن عروضا فنية وموسيقية عراقية وصينية. وسيتم إقامة معرض لصور فوتوغرافية تعرض حضارة وتراث العراق. وهناك أيضا نية لإصدار طابع بريدي احتفاء بهذه المناسبة. في العقود الستة الماضية وبالرغم من الحروب والأزمات السياسية التي مر بها العراق، ظلت الصين داعمة للعراق سياسيا واقتصاديا، ومتفهمة للظروف الصعبة التي مر بها، وفي الوقت نفسه، ظل العراق صديقا وفيا للصين داعما لمواقفها السياسية وخاصة في المحافل الدولية. هذا التعاطف والتفاهم بين البلدين أدى إلى تطورعلاقات تعاون ودية ومثمرة في كافة المجالات وإقامة علاقات شراكة إستراتيجية بين البلدين، الأمر الذي أرسى أسسا قوية لمزيد من التعاون .

 

((الصين اليوم)): وأنتم تدخلون مرحلة تاريخية جديدة للعلاقات بين الصين والعراق، على كافة المجالات، كيف تنظرون لمستقبل هذه العلاقات؟ وأبرز أولويات الجانب العراقي لتعزيزها؟

السفير العراقي: العراق بلد غني بموارده الطبيعية والبشرية ويتمتع بعمق حضاري وموقع جيوستراتيجي مهم في الشرق الأوسط (غربي آسيا). والصين دولة تتمتع بثقل سياسي واقتصادي عالمي متزايد الأهمية، ولها إمكانيات كبيرة في كل المجالات وتمارس سياسة خارجية سلمية ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وكل من العراق والصين صاحب أعرق الحضارات البشرية في العالم، وبفضل العمق الحضاري الذي يتمتع به الشعبان، فهما يشعران بمسؤولية مشتركة لمواجهة التحديات التي تهدد البشرية ولهما منظور مستقبلي متشابه لمصير العالم. هذه العوامل تمنح البلدين الصديقين فرصا وفيرة وآفاقا مستقبلية كبيرة لتعزيز وتوسيع التعاون بينهما، من أجل الدفع قدما في تطوير العلاقات الثنائية بينهما خدمة لحماية المصالح المشتركة التي تربطهما وترسيخا لبلورة مواقف سياسية مشتركة على الصعيد الدولي وخدمة لتوجهات الدولتين السلمية وأهدافهما في تأسيس مجتمع بشري يسوده السلم والعيش المشترك بأمان ورفاهية وازدهار.

 

((الصين اليوم)): ما الدور الذي تتطلعون إليه كسفير لبلدكم العراق في الصين، لضخ المزيد من الحيوية في مسيرة العلاقات الثنائية؟

السفير العراقي: العمل كسفير للعراق في بلد صديق كالصين، يحظى بكامل الدعم من الحكومة الصينية، ويشعر بشكل ملموس بما يكنه الشعب الصيني من الاحترام والتعاطف مع بلده العراق، هو بلا شك عمل مثمر وممتع ومسؤولية في آن واحد. أما التواصل والتنسيق في العمل بين السفارة والجهات الصينية المختلفة على المستوى الحكومي والشعبي فيتميز بالمهنية العالية. نحن نعمل كل ما في وسعنا لإدامة وتعزيز مستوى التبادلات بين البلدين والحفاظ على التعاون المشترك في المجالات الرئيسية على أعلى مستوى ممكن. الصين هي أكبر شريك تجاري للعراق، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين لعام 2017 حوالي 22 مليار دولار أمريكي.  يتميز ميزان التبادل التجاري بين البلدين بالتوازن نسبيا، وهذا يدل على أن العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين تسير بشكل إيجابي. تساهم الصين وبشكل فعال في دعم العراق في إعادة إعمار وتحديث البنى التحتية. شركات النفط الصينية الحكومية هي أكبر مستثمر أجنبي في مجال النفط بالعراق. كذلك هناك عدد من المشروعات الحيوية الهامة التي تنفذها شركات صينية في العراق في قطاعات مختلفة، مثل قطاع الطاقة وتوليد الكهرباء والاتصالات والمواصلات والإنشاء والدفاع. والعراق هو رابع أكبر مصدّر للنفط الخام إلى الصين وشريك تجاري حيوي يوفر لها احتياجاتها من الطاقة. وقد وقفت الصين إلى جانب العراق في حربه ضد الإرهاب في السنوات الأربع الماضية وقدمت له الدعم المادي والمعنوي الممكن والذي تكلل العام الماضي بالنصر على تنظيم داعش الإرهابي وتحرير كافة الأراضي العراقية منه. إن ضخ المزيد من الحيوية في العلاقات الثنائية، يتطلب من البلدين استكشاف مجالات تعاون أخرى بينهما، مثلا في مجال الزراعة والتعليم العالي والثقافة والسياحة وحماية البيئة. هناك تعاون محدود بين البلدين في المجالات المذكورة أعلاه، ولكن إمكانية التفاعل والتعاون بين البلدين فيها كبيرة وواعدة، لذا، نعمل على دراسة سبل الاستفادة من الفرص والإمكانيات المتوفرة لدى الطرفين للشروع في تنفيذها. ومن المفيد جدا في هذا السبيل الحث على تكثيف الزيارات المتبادلة بين البلدين وعلى مستويات مختلفة والمشاركة بفعالية أكبر من قبل المعنيين في المعارض والمنتديات الاقتصادية التي تقام في البلدين.

 

((الصين اليوم)): على ضوء شراكة التعاون الإستراتيجية بين الصين والعراق، هل لدى الجانب العراقي ما يركز عليه أكثر؟ وما الذي يرغب في تفعيله بشكل أعمق مع الجانب الصيني؟

السفير العراقي: لقد ارتقى مستوى العلاقات الدبلوماسية بين العراق والصين إلى علاقات شراكة تعاون إستراتيجية، خلال زيارة السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي إلى بكين في ديسمبر عام 2015. ومنذ ذلك الحين،  تم تحقيق إنجازات كبيرة على المستوى السياسي والاقتصادي بين البلدين. وتمكن العراق من زيادة صادراته من النفط الخام وغيرها من المواد الخام لإنتاج الطاقة إلى الصين وبشكل ملحوظ، وهذا أسهم في تلبية متطلبات تعزيز تنمية الاقتصاد الصيني. كما استفاد العراق من القدرات والخبرات الكبيرة التي تتمتع بها الصين لإعادة إعمار وتطوير البنية التحتية في العراق في مجالات حيوية متعددة أشرنا لها أعلاه. كما قدمت الصين دعما معنويا وماديا إلى العراق في حربه ضد الإرهاب وتحرير أراضيه، ومساعيه للسيطرة على أزمة النازحين الداخلية، وتمكين إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية. إضافة إلى ذلك، تقوم الصين بمساعدة العراق في تأهيل وتطوير كفاءة الموارد البشرية العراقية في مجالات ومستويات متعددة حتى تشارك بصورة فعلية في إعادة إعمار وتطوير البنية التحتية وتأهيل وتحديث القطاع الصناعي ومؤسسات الدولة، من خلال تقديم الاستشارات ودورات تدريبية ومقاعد دراسية في الجامعات الصينية. العراق يرغب في مواصلة وتعميق التعاون مع الصين في المجالات الحيوية، مثلا في تطوير إنتاج النفط والغاز الطبيعي وإنتاج المشتقات النفطية وتوليد وتوزيع الطاقة الكهربائية من مصادر مختلفة، وتأهيل السكك الحديدية وتوفير القطارات الحديثة وفي تطوير شبكة الاتصالات بأنواعها المختلفة وإعادة إعمار الطرق والجسور، وكذلك في مجال الدفاع. وهناك مجالات أخرى يطمح العراق الاستفادة من إمكانيات وخبرات الصين في تأهيلها وتطويرها في العراق، مثلا في مجال تنظيم وإدارة الموارد المائية والتكنولوجيا الزراعية وأنظمة الري والبزل وتقنيات حماية البيئة، وكذلك في بناء الوحدات السكنية وفي قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والتعاون الثقافي والسياحي وفي مجال حماية وصيانة الآثار. كما يأمل العراق الاستفادة من الخبرات الصينية في إنجاح إستراتيجية تطوير المجال الصناعي الحكومي والخاص التي تبنتها الحكومة العراقية للفترة 2014- 2030. ومن الواضح أن فرص وآفاق التعاون المستقبلية بين البلدين كبيرة جدا، حيث تتطلب تفعيل آلية للحوار الإستراتيجي وبذل جهد وسعي مشتركين من الجانبين للاستفادة منها، خدمة لتحقيق مصالح البلدين المشتركة.

 

((الصين اليوم)): هناك آلية تعاون كبيرة بين الصين والدول العربية، وهي منتدى التعاون الصيني- العربي، الذي عقد اجتماعه الوزاري في يوليو هذا العام، وكذلك مبادرة الحزام والطريق التي طرحتها الصين عام 2013، كيف تنظرون لفرص التعاون بين العراق والصين في إطار المنتدى، والمبادرة؟

السفير العراقي: إن منتدى التعاون العربي- الصيني منصة هامة أثبتت فعاليتها للتنسيق وتبادل المعلومات والخبرات بين الدول العربية والصين، وللعمل على تعزيز وتطوير العلاقات بينهما في مجالات سياسية واقتصادية وتنموية وثقافية واجتماعية مختلفة، وبلورة مواقف وسياسات داعمة للقضايا الدولية والإقليمية التي تهم الطرفين، وخاصة بشأن القضية الفلسطينية التي تعتبر قضية جوهرية بالنسبة للدول العربية. إن نجاح وتطورعمل المنتدى يصب في صالح ترسيخ وتطوير التعاون بين الدول العربية والصين، سواء بصورة ثنائية أو متعددة الأطراف. كما يلعب المنتدى دورا في تقريب وجهات النظر بين الدول العربية في بعض القضايا التي قد تبرز فيها اختلافات، وذلك بفضل كون الصين تتمتع بعلاقات صداقة متينة مع كافة الدول العربية ويمكن أن يكون لها تأثير إيجابي لخلق مناخ ودي بينها للحوار والتفاهم إذا تطلب الأمر. العراق، ومنذ تأسيس المنتدى عام 2004، يعمل بفعالية في تنفيذ وإنجاح مختلف قرارات ومشروعات المنتدى، خدمة للصالح العربي العام وتعميقا للعلاقات العربية- الصينية. شارك العراق بوفد رفيع المستوى برئاسة الدكتور إبراهيم الجعفري وزير خارجية العراق في الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي- الصيني الذي عقد في يوليو من العام الحالي في بكين. شارك الوفد العراقي بفعالية في ما صدر عن الاجتماع من قرارات وبيانات والبرنامج التنفيذي. وفيما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق، أعرب العراق عن اهتمامه الكبير بها، وانضم بشكل رسمي لها عام 2015 وهو من أوائل الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية التي أيدت المبادرة، وحريص على تحقيق أهدافها. طريقا الحرير البري والبحري القديمان كانا يمران بالعراق بحكم الموقع الجغرافي السياسي الهام للعراق، في غربي آسيا، ويتمتع بكافة الخصائص المؤاتية ليكون نقطة التقاء فعالة في هذه المبادرة الكبيرة، إضافة لحقيقة كون العراق حريصا جدا على النهوض بواقعه بكافة المجالات، ولاسيما التبادلات التجارية والاقتصادية والتفاعلات والتبادلات الثقافية والشعبية. لقد كانت هناك ذروة للتبادل التجاري والثقافي بين العراق والصين من خلال طريقي الحرير البري والبحري، في الفترة من منتصف القرن الثامن إلى أواخر القرن العاشر الميلادي بين الدولة العباسية في العراق وأسرة تانغ في الصين. لذا، ظل العراق متحمسا لإحياء هذا الطريق والانضمام إلى المبادرة لترسيخ وتعميق علاقاته السياسية والاقتصادية والثقافية مع الصين وكافة البلدان التي تشارك في المبادرة، والاستفادة من الفرص والقدرات التي توفرها هذه المبادرة. ويعتقد العراق أن تحقيق أهداف هذه المبادرة سيؤدي إلى خلق بيئة إيجابية ومحفزة للحوار السلمي بين الدول التي تقع على طول طريق الحرير، وتكون عاملا في حل الخلافات بينها وتوحيد نظرتها للمشكلات الجماعية التي تواجه البشرية. إن مبادرة الحزام والطريق تساهم في إنشاء نمط جديد لعلاقات دولية مبنية على أساس الثقة المتبادلة والسلم والمنفعة المشتركة بين دول العالم وشعوبها.

 

((الصين اليوم)): أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقوة دولية حيوية، ومقصدا دائما لوفود رسمية وشعبية من كافة أنحاء العالم. هل من خطط أو برامج لدفع الزيارات الرفيعة المستوى بين البلدين، لتفعيل التعاون في المجالات الحيوية؟

السفير العراقي: نحن ندرك أهمية الزيارات تماما، وهي موجودة فعلا بين بلدينا. فبعد عام 2003، وبعد التغيير الذي حصل في العراق، تكثفت الزيارات الرسمية والشعبية المتبادلة بين البلدين؛ فقد زارت الصين وفود عراقية رسمية متعددة على مستوى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزراء آخرين ووكلاء وزارات وأعضاء مجلس النواب العراقي وغيرها من الوفود الحكومية والاقتصادية والحزبية والشعبية والثقافية والرياضية. كما كانت هناك زيارات متعددة لمسؤولين صينيين إلى العراق. في العام الحالي قام وزير خارجية العراق بزيارة بكين في شهر يوليو للمشاركة في الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي- الصيني، وعقد لقاءات ثنائية مع مسؤولين صينيين. ونحن نحتفل بهذه المناسبة الهامة، يحدونا أمل أكبر بمزيد من الزيارات بكافة المستويات بين البلدين، لأن الزيارات المتبادلة بين الدول لها أهمية خاصة في معايشة واقع البلدان عن قرب وفهم إمكانياتها واحتياجاتها وتحديد أوجه ومجالات التعاون بينها. وعلى هذا الأساس، تولي السفارة العراقية لدى الصين، أهمية كبيرة في العمل على حث الجانبين على مواصلة وتكثيف زيارات الوفود الرسمية والشعبية بين العراق والصين بما يعكس عمق وأهمية العلاقات الثنائية بينهما، ويفعل علاقات الشراكة الإستراتيجية بين البلدين .

((الصين اليوم)): كيف تنظرون لواقع العلاقات الثقافية والشعبية بين البلدين وآفاق تطورها، وخاصة في مجال التبادلات الثقافية والشعبية والتعليمية، وهل هناك خطط وطموحات في هذه المجالات، ولاسيما فتح معهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في بغداد أو أربيل أو البصرة؟

السفير العراقي: لا غنى عن العلاقات الثقافية والشعبية لأنها دافع هام لتعزيز التفاهم والتعارف بين الجانبين. والعراق والصين يرتبطان بعلاقات ثقافية تاريخية عريقة ترجع إلى قرون ماضية وخاصة إلى فترات نشاط طريقي الحرير البري والبحري القديمين، حيث التفاعل الثقافي إلى جانب التبادل التجاري بين المنطقتين. هناك مصادر تاريخية ونصوص كلاسيكية من أدب الرحلات باللغة العربية تشير إلى هذا التفاعل الثقافي والعلمي بين العراق والصين في تلك الحقبة الزمنية. لذا، من الطبيعي أن يوجد اهتمام ومساع مشتركة بين البلدين لمواصلة وتوسيع التبادلات الثقافية والعلمية والشعبية بينهما. وهناك آفاق تعاون ثقافي واسعة ومتعددة الجوانب بين البلدين الصديقين، صاحبي أعرق الحضارات الإنسانية في العالم. حاليا، هناك مئات من الطلبة العراقيين يدرسون في الجامعات والمعاهد العلمية الصينية في تخصصات مختلفة كالطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والإدارة والاقتصاد واللغة الصينية وغيرها. وهناك عدد من العلماء والخبراء العراقيين يعملون في مجال البحث العلمي في المؤسسات العلمية في الصين.  يوجد اهتمام كبير من قبل الفنانين العراقيين بمختلف تخصصاتهم للمشاركة في المناسبات والمعارض التي تقام في الصين. وتوجد جالية عراقية يقدر عددها بخمسة آلاف عراقي معظمهم من التجار ورجال الأعمال يقيمون في الصين مع عوائلهم، وخاصة في مدينتي قوانغتشو وإيوو. إن إقامة هؤلاء العراقيين وعوائلهم في الصين ومشاركتهم الفعالة في الحياة الاجتماعية والثقافية في الصين تعد دافعا لتشجيع وتعميق التبادل الشعبي والثقافي بين البلدين. وتوجد مدرسة عراقية خاصة في مدينة إيوو، وهي ليست فقط مؤسسة تعليمية تربوية فحسب، بل إنها بمثابة مركز اجتماعي ثقافي وتساهم في تطوير التبادلات الثقافية والشعبية بين البلدين. إضافة إلى ذلك، تعمل السفارة بالتعاون مع الجهات الصينية المعنية لافتتاح معهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في إحدى جامعات العاصمة بغداد. وهذا سيكون له بالتأكيد دور كبير في تمتين العلاقات الثقافية والشعبية بين البلدين.

((الصين اليوم)): طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مفهوما رائدا للعلاقات الدولية، يدعو إلى بناء مصير مشترك للبشرية. كيف تنظرون لهذا المفهوم، وما أثره على العلاقات الدولية في عالم اليوم؟

السفير  العراقي: دعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى تبني أسس جديدة في العلاقات الدولية، تستند إلى التعامل السلمي ودفع التعاون وتغليب المصلحة المشتركة بين الدول من أجل بناء مستقبل لعموم البشرية، ومصير مشترك لها، وهي دعوة رائدة للرئيس شي، في إنشاء نمط جديد وغير تقليدي من العلاقات الدولية من خلال التعاون الودي بين الدول لتحقيق التنمية المشتركة والفوز المزدوج، والسير معا لتحقيق أهداف التقدم. والهدف الرئيسي من النمط الجديد للعلاقات الدولية هو إنشاء بيئة دولية سلمية ونظام دولي مستقر، يحترم تنوع الحضارات ويعزز التبادلات فيما بينها، حتى تزدهر جميع الحضارات في العالم. علاوة على ذلك، تأتي دعوة الرئيس شي منسجمة مع تراث وتقاليد الصين قديما وحديثا، فهي تتمسك بمبادئ التعايش السلمي وتشجع الصين بإصرار على الاحترام المتبادل والتشاور المتكافئ ونبذ الحروب واستخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية الخلافات عبر الحوار والتشاور وعلى أساس القوانين والأعراف الدولية، والتصدي المشترك للتحديات، التقليدية وغير التقليدية، التي تواجه البشرية. وهذه الدعوة تحظى باهتمام العراق شعبا وحكومة، لأنه يؤمن بهذه المبادئ ويدعمها. ومما لا شك فيه أن دعوة المستقبل المشترك للبشرية تحظى باهتمام عالمي في ظل التغيرات التي يشهدها عالم اليوم، ومعظم دول الشرق الأوسط، ولاسيما التي عانت وتعاني، ومنها بلدنا العراق، من عدم استقرار وأزمات وحروب داخلية وتوترات خارجية، ستكون مستفيدة من هذا النمط الجديد من العلاقات الدولية، لأن هذا النمط يساعد في مواجهة التحديات الداخلية والتوترات السياسية وتذليلها من خلال دفع وإحياء فرص التنمية، ويفسح المجال للتركيز على دفع التنمية والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة وفرص العمل والبناء. لذا، أرى أن رؤية الرئيس الصيني في إنشاء نمط جديد من العلاقات الدولية، تهدف إلى بناء مصير مشترك للبشرية سيعود بالمنفعة على كل بلدان وشعوب العالم ومن ضمنها بلدان وشعوب الشرق الأوسط.

 

((الصين اليوم)): هذا العام يصادف الذكرى السنوية الأربعين لتطبيق الصين سياسة الإصلاح والانفتاح على العالم. كيف ترون الصين خلال العقود المنصرمة؟ وهل هناك من خطوات للاستفادة من هذا الانفتاح الصيني المتزايد على العالم في تطوير علاقات البلدين سياسيا واقتصاديا؟

السفير العراقي: إن تبني الصين لسياسة الإصلاح والانفتاح على العالم خلال السنوات الأربعين الماضية، قد مكّن الصين من إطلاق العنان لكافة قدراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، لتصبح دولة كبرى بكل المقاييس، واليوم هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم وتتمتع بتأثير دولي مباشر في كافة التطورات العالمية. ومن خلال متابعاتي ومشاهداتي عن قرب، يمكن القول إن هناك ترابطا وثيقا بين الحزب الشيوعي الصيني والصين الجديدة والإصلاح والانفتاح ومسيرة البناء والتنمية الحالية، وتعزز مكانة الصين وقوتها الشاملة، ولولا هذا الترابط الوثيق لما تحققت هذه المنجزات المعجزة. وبفضل هذا الترابط ومسيرة الإصلاح والانفتاح، تمكنت الصين من تحقيق ما نراه اليوم، وهي تسير لتحقيق أهداف كبرى، وخاصة تحقيق القضاء على الفقر تماما، والوصول إلى مجتمع رغيد الحياة ولو بشكل معتدل للشعب الصيني. والملاحظ هنا أن الصين لم تنشغل بنفسها فقط، بل سعت وتسعى لتقديم الدعم والمساندة الممكنين للكثير من دول العالم الصديقة، وخاصة النامية، ومنها العراق، من أجل النهوض بأحوالها الاقتصادية وصيانة أمنها واستقرارها واستقلاليتها. وأنتهز هذه الفرصة  لأعبر عن التهنئة المخلصة للصين حكومة وشعبا، على الإنجازات الكبيرة التي تم تحقيقها في ظل سياسة الإصلاح والانفتاح، وأبارك للحزب الشيوعي الصيني نجاحه في قيادة الصين إلى الأمام لتصل إلى مصاف دول العالم المتطورة والمؤثرة. وأؤكد مرة أخرى على أن العراق يتطلع لمزيد من التعاون مع الصين الصديقة، والمزيد من تعميق هذا التعاون للاستفادة من قدرات وخبرات الصين في كافة المجالات السياسية والاقتصادية، لكي يتمكن العراق من مواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية وتنفيذ الإصلاحات والبرامج والخطط والمشروعات التي تتبناها الحكومة العراقية.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037