كلنا شرق < الرئيسية

الذكرى الستون لتأسيس العلاقات العراقية الصينية حافز لتعزيزها

: مشاركة
2018-07-31 12:15:00 الصين اليوم:Source أنسام شاكر خضر:Author

الأساس التاريخي

التاريخ عامل هام لا يمكن تجاهله عند الحديث عن أية علاقات بين طرفين، ويمكن أن يكون أساسا تستند عليه العلاقات بمجملها. والعلاقات العربية- الصينية تعود في تاريخها لنحو 2000 سنة، ولبلاد الرافدين (العراق) أكثر من 1000 سنة منها. وبفضل هذه الفترة التاريخية الطويلة، تمتلئ السجلات التاريخية  بالكثير من الشواهد على عمق وودية العلاقات بين العراق والصين.

فالعراق مهد حضارة عريقة، وكذلك الصين معروفة بحضارتها القديمة العريقة، وكلتا الحضارتين لهما إسهامات بارزة في تاريخ البشرية، وهذه نقطة جذب بين الحضارتين. والعلاقات العراقية- الصينية قديمة جدا، والرسمية المُسجلة تاريخيا منها، يمكن أن تعود للقرن الثامن الميلادي. وجاء في بعض المصادر التاريخية الصينية الرسمية، أن الصينيين عرفوا المنطقة العربية منذ القدم في عصر أسرة هان، وأطلقوا على منطقة بلاد الرافدين (العراق حاليا) اسم "تياوجه"، أي بلاد النهرين. والسجلات التاريخية الموثقة تشير إلى أن العلاقات بين العراق والصين تعود إلى مطلع فترة الدولة العباسية، وعاصمتها بغداد، وخاصة عصري أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد، حيث بلغت ذروتها تجاريا وسياسيا واجتماعيا. وهناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تدل على عمق هذه العلاقات، ومنها ما ترويه سجلات التاريخ من أن إمبراطور الصين لي هنغ، ثامن أباطرة أسرة تانغ، قد طلب عام 756 للميلاد، من الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، دعما عسكريا لإخماد فتنة أثارها محليون. ولبّى المنصور الطلب، وأرسل له المئات من القادة والمقاتلين مع عائلاتهم. وبعد أن تم إخماد تلك الفتنة، استقر الكثير من المقاتلين في الصين، وتزوجوا وتكاثروا وأرسوا أساسا اجتماعيا جديدا في الصين.

ورغم بعض التذبذب في العلاقات على مدار القرون الماضية بسبب ظروف خاصة مر بها العراق، ظلت الصين دوما مساندة للعراق وتدعم استقلاله وسيادته وحريته وحق شعبه في تقرير مصيره، كما هو موقفها مع كل شعوب العالم.

 وظلت هذه العلاقات ودية في مجملها، لم تشبها شائبة عدائية. وعندما قامت ثورة 1958 في العراق، أرسلت الحكومة الصينية رسالة دعم واعتراف بها، وتعززت العلاقات عبر إقامتها رسميا في 25 أغسطس 1958.

وفي ظل العلاقات التاريخية التقليدية الودية بين العراق والصين، واستمراريتها على هذا المنوال، هناك الكثير من العوامل المساعدة على تعزيز التعاون وتنويعه بين الجانبين. والواقع الحالي لعلاقاتهما يتميز بحيوية رائعة، تدعمها حقائق عديدة منها على سبيل المثال أن كلا من العراق والصين له تاريخ حضاري عريق وإنجازات باهرة في تاريخ تطور البشرية؛ وكل منهما يخرج حاليا منتصرا من حرب يخوضها؛ فالعراق يخرج منتصرا من حربه على الإرهاب، ويحقق انتصارات واضحة على عدة جبهات أبرزها جبهات القتال، ثم مساعيه لتحقيق المصالحة السياسية والمجتمعية، وجهوده لدفع النمو الاقتصادي وإعادة البناء. وكذلك الصين تبرز منتصرة في حرب لا تستخدم فيها أسلحة تقليدية، ولكنها لا تقل ضراوة عن الحروب التقليدية؛ فهي تشن حربا على الفقر الذي كان يكبل الملايين من أبناء شعبها، وتمكنت خلال السنوات الخمس الماضية وحدها، من تحقيق نصر باهر في هذه المعركة، من خلال تخليص أكثر من 65 مليون نسمة من الفقر، والمعركة مستمرة لمساعدة من تبقى من الفقراء، وتحقيق مجتمع رخاء نسبي خلال السنتين القادمتين.

 

الواقع الحالي والآفاق المستقبلية للعلاقات العراقية- الصينية

العلاقات بين العراق والصين تتمتع بآفاق مشرقة، وكلاهما لديه الرغبة الحقيقية بتعزيز التعاون. العراق لديه رغبة واستعداد للتعاون البناء، والصين مستعدة أيضا ولديها إمكانيات هائلة بكافة المجالات، وهذه الإمكانيات تسعى للمنفعة المشتركة، والدخول في مشروعات تعاونية ثنائية المنفعة، أو حتى متعددة الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والتشاور والتنسيق.

الشعب الصيني شعب ودود مسالم محب لكل الشعوب، وبسبب خلفيته الحضارية العريقة، هو شعب بطبعه يكن الحب والتقدير للشعوب صاحبة الحضارات العريقة القديمة، ومن ضمنها الشعب العراقي. فأغلب الصينيين لديهم اطلاع ومعرفة حول حضارة وادي الرافدين، وكثير منهم معجب بها ويرى أوجه تشابه كثيرة بين حضارتي العراق والصين.

في الوقت الحالي، تتشعب أوجه العلاقات بين البلدين، وتشمل مجالات عدة، ربما من أهمها، مجال النفط والطاقة بشكل عام، فالصين، وبفضل تقدمها ونموها الاقتصادي المتسارع، تحتاج إلى البترول كثيرا، وهي ثاني أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم، وتعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط كمصدر لهذه الطاقة، وبالطبع لا يخفى على الجميع أهمية العراق كأحد أهم مصادر النفط في العالم، لذا يعمل الطرفان على زيادة المشروعات والاستثمارات في هذا المجال وغيره من أجل مصلحة البلدين.

 ومن هذا المنطلق، قدمت الحكومة العراقية العديد من التسهيلات والميزات للجانب الصيني، لتشجيعه على زيادة مشروعات الاستثمار في مجال الطاقة والنفط في العراق.

حاليا، هناك تعاون كبير جدا بين البلدين، يظهر في مشروعات تطوير الصناعة النفطية وبنيتها التحتية بكافة منشآتها ومرافقها (المساكن والخدمات الطبية والتعليمية وتشغيل العمالة المحلية)، في أغلب مناطق العراق وخاصة الوسط والجنوب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مشروعات تطوير حقل الأحدب في محافظة واسط منذ 2008، وتطوير حقول أخرى في البزركان والفكة وحلفاية في محافظة ميسان، ومشروع مصفاة النفط في ميناء الفاو بمحافظة البصرة، والذي تجري شركتان صينيتان هما (الصين للطاقة China Power ونيركو  Nerco)، مفاوضات مع شركات أخرى من أجل تنفيذه. وهذا يعني أن الشركات الصينية ما تزال المستثمر الأكبر في العراق في هذا المجال. وفي مجال الكهرباء، هناك تعاون كبير أيضا، يتمثل في أن شركات الطاقة الكهربائية الصينية تولد أكثر من 50% من الكهرباء المزودة لبغداد ونواحيها. والبضائع الصينية منتشرة بالعراق، خاصة الأجهزة المنزلية، وتحظى بالإقبال بفضل جودتها وملاءمة أسعارها مع الواقع المحلي.

وخلال السنوات العشر الماضية، شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قفزة نوعية وتطورا ونموا مزدهرا، حيث دخلت الصين السوق العراقية بقوة، وأخذت البضائع الصينية تنتشر في الأسواق العراقية وحظيت بسمعة طيبة بفضل جودتها وملاءمتها للقدرة المالية لأغلب العراقيين. وهذا الأمر شجع العديد من التجار العراقيين للتوجه للسوق الصينية بدلا من اعتمادهم السابق على سوقي تركيا وكوريا الجنوبية وغيرها من الأسواق. والزائر لمدينة إيوو الصينية يلحظ هذا الأمر ويلمسه، حين يرى العديد من المحلات العربية والعراقية تحديدا، والعديد من العوائل العراقية المستقرة في تلك المدينة التجارية الأشهر لدى العرب.

وعلى صعيد بالأرقام، الصين حاليا هي أكبر شريك تجاري للعراق، والعراق ثالث أكبر شريك تجاري للصين بين الدول العربية، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من 22 مليار دولار أمريكي في عام 2017، بزيادة 8ر21% عن عام 2016. وهناك ميزة إيجابية ملحوظة في هذه العلاقات، تجعلها مختلفة عن الكثير من العلاقات التجارية للصين مع معظم شركائها في العالم، وهذه الميزة هي التوازن النسبي في الميزان التجاري، وهي إشارة صحية لمزيد من تطور العلاقات. لقد بادرت الصين بإعفاء العراق من ديون باهظة متراكمة من عهد النظام البائد، تقدر بمليارات الدولارات، ولم تخيّب أمل الرئيس العراقي الراحل مام جلال رحمه الله، عندما زارها في صيف 2007، وقال علنا في حفل استقبال له بالسفارة العراقية في بكين: "إن الصينيين كرماء جدا معنا؛ ورغم أنني لا أحبذ ذكر مبلغ الديون المُعفاة بالضبط، ولكنه كبير جدا". والصين هي البلد الوحيد الذي ظلت شركاته ومواطنوه يعملون بمشروعات متعاقد عليها في العراق، رغم المخاطر الناجمة عن احتلال الإرهابيين للموصل والمحافظات الغربية عام 2014، ولم تنسحب الشركات الصينية وطواقمها، أو ينقضوا تعهداتهم بأعمالهم، بعد أن غادر جميع الأجانب العراق.

العراق يمر بفترة حساسة حاليا، ويحتاج إلى الكثير ولاسيما في مجال التعافي الاقتصادي وإعادة البناء والإعمار. وشبابنا يحتاجون لفرص العمل والتنمية، والانشغال بالعمل المثمر يغنينا ويبعد عنا مشكلات البطالة، وتعاوننا مع الصين يحفظ لنا الكثير من استقلاليتنا وشؤوننا الداخلية، بحيث نعمل وفقا لواقعنا وعلى ضوء احتياجاتنا العاجلة وإمكانياتنا.

في 22 و23 ديسمبر عام 2015، زار رئيس الوزراء العراقي السيد حيدر العبادي الصين، والتقى كبار المسؤولين الصينيين، وعلى رأسهم الرئيس شي جين بينغ، وأعلن البلدان إقامة شراكة إستراتيجية بينهما، وهي خطوة يمكن اعتبارها تتويجا للعلاقات الودية المتنامية بينهما. وهذه الشراكة تتضمن الكثير من التعهدات والاتفاقات، ومنها ما يتعلق بتعاون المصلحة المتبادلة، وهو تعاون حيوي متنامٍ بين الجانبين. العراق الناهض مهتم بتقوية علاقاته مع الصين، والصين مهتمة أيضا بعلاقاتها مع العراق، وتأكيدا للأهمية التي توليها الصين لعلاقاتها مع العراق، قال الرئيس شي لدى استقباله السيد العبادي في بكين في ديسمبر 2015: "إن الصين تقدر علاقاتها مع العراق، وتراه شريكا يستحق الثقة وشريكا هاما للتعاون في الشرق الأوسط."

ومع الاحتفال بالذكرى السنوية الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين العراق والصين، لا بد أن يتمسك المهتمون بدفع هذه العلاقات، بضرورة العمل على إطلاق العنان لها وتفعيل مضامين هذه الشراكة، وخاصة تعهدات الصين بالمشاركة الفعلية والفعالة في إعادة الإعمار الاقتصادي بالعراق، ثم الانطلاق من هذه المناسبة لتمهيد الطريق لمزيد من التعاون والتبادلات الرسمية والشعبية لترقية هذه الشراكة إلى شراكة إستراتيجية شاملة، بحيث تكون أوسع وأعمق وأطول مدى.

ولكن، وعلى ضوء علاقة الشراكة الإستراتيجية هذه، هناك الكثير من المضامين والاتفاقات والتعهدات الواردة فيها، مازالت بحاجة إلى مزيد من التفعيل، وهذه طموحات مشروعة لاسيما في وقت تدخل فيه علاقات البلدين عامها الستين. والأمل يحدونا بأن تزداد التبادلات الرسمية بين البلدين على أعلى المستويات، وتتعزز الأواصر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، كذلك في مجالات التعليم والصحة والإعلام وتدريب الكوادر وتطوير الإدارة، وتتوسع مجالات التعاون الحالية المركزة على قطاعي النفط والطاقة، وتتعمق وتمتد لمجالات أخرى وردت أصلا في اتفاقية الشراكة، ولا بد من متابعة هذه الاتفاقات والتعهدات وتفعيلها عن طريق تنفيذها والسعي لجني ثمارها. وهذه المجالات تحديدا هي "زيادة التبادلات الرفيعة المستوى وتعزيز التواصل الإستراتيجي حول العلاقات الثنائية، بما يوسع الأرضية المشتركة ويرسخ الثقة الإستراتيجية المتبادلة بشكل مستمر، ويواصل الجانبان تعزيز التواصل والتعاون من أجل تعزيز الفهم المتبادل. ويؤكد الجانب الصيني دعمه لإعادة الإعمار الاقتصادي في العراق والمشاركة الفعالة فيه خاصة في المجالات ذات الأولوية والتي لها علاقة بحياة الشعب." كما ورد في نص اتفاقية الشراكة الإستراتيجية عام 2015 بين البلدين.

لقد طرحت الصين عام 2013 مبادرة من رئيسها شي جين بينغ، أصبحت تعرف عالميا بمبادرة الحزام والطريق (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الـ21)، والصين مستعدة للتعاون مع كافة دول العالم لتفعيل هذه المبادرة لتطرح ثمارها المشتركة للجميع. وبفضل العلاقات الودية التاريخية بين البلدين، فلا عقبات تعترض تعزيز التعاون ضمن إطار هذه المبادرة التي تحظى حتى الآن بدعم ومشاركة أكثر من 80 دولة في العالم؛ وكل الدول العربية، وكذلك الدول المجاورة للعراق وفي محيطه الإقليمي. وقد بدأت فعلا مشروعات تعاون مع الصين ضمن هذه المبادرة، والعراق يتمتع بموقع حيوي على طريق مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهو مؤهل لأن يلعب دورا كبيرا فيها، ولديه شراكة تعاون إستراتيجية مع الصين، ولديه اتفاقيات ومشروعات تعاون فعلية على مستوى رفيع، ولكنها مازالت قليلة جدا ومحدودة على ضوء ما يتمتع به البلدان من علاقات طيبة وإمكانيات هائلة، وعلى ضوء ما أشعر به أنا شخصيا وأطمح إليه، حيث أعيش بين الصينيين وأعرف جيدا مشاعرهم تجاه العراق. وهذا يعني أن الفرصة مؤاتية للعراق ليمد يدَ التعاون أكثر وأوثق مع الصين، التي لا تضع أية شروط لهذا التعاون، عدا الرغبة الجادة من الجانب المقابل.

ومن النقاط التي تصب في صالحنا تماما، علاقاتنا مع الشعب الصيني. وهناك حقيقة مؤكدة وهي أن الصينيين يكنون مشاعر محبة واحترام للعراق وللعراقيين، وهناك حالة عامة بين الصينيين وهي أنهم حالما يعرفون أنك من العراق، فإنهم يرفعون إشارة الإعجاب بالإبهام دلالة على تقدير لحضارة وادي الرافدين، واحتراما لقوة وجَلد وصبر وصمود العراقيين على مدى 5 عقود مضت من التاريخ الحديث. وهذه المشاعر حقيقية، وأساسها هو العمق الحضاري والعلاقات الودية التي لم تشبها شائبة بين البلدين. ولا بأس هنا أن نروي قصة طريفة حقيقية حدثت بين العراق والصين، ويتداولها الصينيون بتقدير كبير ولكن معظم العراقيين يجهلونها، وهي أنه خلال فترة نهاية الخمسينات من القرن الماضي، عانت الصين من ظروف اقتصادية صعبة، وعانى الكثير من مواطنيها من ظروف قاسية أشبه بمجاعة حقيقية. حينئذ، بادرت الحكومة العراقية برئاسة الراحل عبد الكريم قاسم، بإرسال باخرتين (على الأقل) محملتين بالتمور العراقية. وكانت تلك التمور نعمة كبيرة وحلاوة لا يمكن أن تنسى. وظلّ في بال الكثير من الصينيين حتى اليوم، أن كلّ التمور بالدنيا، أصلها عراقي، وكل طعم حلو مرتبط بالتمر العراقي! 

إن تعزيز التعاون ودفع تنفيذ المشروعات المشتركة لا يعني زيادة فرص العمل فحسب، وإنما أيضا تحريك المزيد من المجالات ومنها مثلا زيادة الطلب على المترجمين باللغتين العربية والصينية، وهذا يحفز الشباب على تعلم لغة الجانب الآخر، ما يعني أيضا المزيد من فرص التعارف والتبادل الثقافي بين الشعبين. حاليا، تقدم الصين 40 منحة دراسية سنويا للطلاب العراقيين، والعراق بدوره يخصص مقاعد دراسية في معهد اللغة العربية للطلاب الصينيين الراغبين في دراسة اللغة العربية؛ وإذا تعززت العلاقات الدبلوماسية والتعاونية أكثر فأكثر، فستبرز بالتأكيد فرصة للحديث عن مزيد من المنح الدراسية للطلاب العراقيين، وكذلك الفرص التدريبية للموظفين والفنيين العراقيين في معاهد الإدارة والخدمات الفنية والتقنية بالصين، وهو ما يحدث فعلا سنويا، ولكن نتطلع للمزيد من أجل رفع مستوى العمل الإداري وإمكانيات الإنتاج بالعراق. التبادلات الثقافية عنصر هام في تعزيز العلاقات وتوطيد الصداقة ومد جسور التواصل عبر تعزيز التفاهم، والنشاطات التعليمية هامة جدا لدفع العلاقات الثقافية. الصين حاليا تفتح كثيرا من معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في العالم، وهذه المعاهد موجودة حاليا في معظم عواصمنا وحواضرنا العربية، وقد حان الوقت لنرى معاهد كونفوشيوس تفتح بالعراق، ولاسيما في العاصمة بغداد وفي البصرة والموصل وأربيل، فهذه المدن أضحت أكثر استقرارا لاحتضان مثل هذه المعاهد. ثم إن معظم شعوبنا العربية، لديها جمعية صداقة مع الشعب الصيني، والعراق من الدول التي أسست مبكرا جمعية صداقة مع الشعب الصيني، ولكنها تجمدت بسبب الظروف. ولا بد من الاهتمام بدفع السياحة؛ فالأوضاع في العراق أضحت الآن أفضل كثيرا، وفيه الكثير من المواقع التاريخية والمنظرية الجديرة بالزيارة، والعراقيون أيضا يرغبون كثيرا في زيارة الصين التي يصفونها بـ"كوكب الصين". ولكوني أعيش بين الصينيين منذ عقدين من الزمان، وأعرف جيدا مشاعرهم تجاه شعبنا العراقي، أود مخلصة إعادة إحياء جمعية الصداقة العراقية- الصينية، وهذه المناسبة هي حافز أيضا لنتطلع إلى الدعم الرسمي والشعبي لها، من أجل توطيد علاقاتنا الشعبية مع الصين.

خلال هذه الفترة الممتدة لنحو 20 عاما من عملي وإقامتي في الصين، شهدت بعيني التطورات الملموسة فيها، وتعزز مكانتها في العالم، وهي حقيقة تدفع كل إنسان حريص على أن يتمناها لبلده. إن نمو الصين وتعزز مكانتها في كافة المجالات، أساسه الحقيقي هو اعتزاز شعبها بالجدية في العمل والتطلع للبناء المثمر، وإدراكه أن ذلك لن يتم إلا من خلال صيانة السلام والاستقرار في داخل الصين، وخارجها. والصينيون يدركون جيدا أهمية السلام، لأنهم عانوا الأمرّين من الحروب والغزو والنهب الاستعماري. وكم نتمنى مخلصين لو تدرك كل بلدان العالم، أهمية السلام والاستقرار وتحرص عليهما.

وبما أننا نستقبل هذا العام الذكرى السنوية الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين، فلنجعلها حافزا لنا للعمل معا على توطيد هذه الصداقة والعلاقات الطيبة ونستكشف المزيد من نقاط التلاقي والدعم المتبادل ونتقرب أكثر من بعضنا البعض، ونسعى للاستفادة من التجربة التنموية للصين. ونعود ونؤكد أن آفاق العلاقات العراقية- الصينية مشرقة وواعدة جدا، وعلينا أن نسهم أكثر لتوارث علاقاتنا الودية الممتازة، ونوطدها ونطورها نحو مستقبل أكثر استدامة وتألقا.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037