كلنا شرق < الرئيسية

على لحاء التوت: قصة أول عملة ورقية في التاريخ

: مشاركة
2018-03-01 13:22:00 الصين اليوم:Source محمد علام:Author

ما بين عامي 1925 و1939، أعادت المملكة المتحدة بناء مبنى "بنك إنجلترا"؛ بنكها المركزي، في قلب العاصمة لندن. وقتها حرص مصممو البنك على وضع تصميم إنجليزي كلاسيكي يزخر بالرموز المعبرة عن قيم وتاريخ أحد أقدم البنوك في العالم، إذ تأسس في عام 1694، فنجد الأبواب البرونزية الضخمة، والأسود التي تعبر عن قوة الإمبراطورية التي كانت يومها لا تغيب عنها الشمس.

لكن، وسط كل هذه الكلاسيكيات البريطانية، تجد للصين مكانا بارزا مع أربع من أشجار التوت تنمو في متحف البنك، كإشارة تذكر بأصل النقود الورقية في التاريخ، التي ابتكرت في الصين في القرن السابع الميلادي على ورق صُنع من لحاء شجر التوت في فترة أسرة تانغ (618- 907)، وهي واحدة من أزهى عصور الصين اقتصاديا وتجاريا وعلميا، كما شهدت انفتاحا على العالم. حينذاك، ابتكر الصينيون أول عملة صينية وعالمية مصنوعة من الورق، وهكذا وضعت الصين بصمتها برمزية بسيطة وسط بنك إنجلترا، بل وسط تاريخ تعاملات الإنسان المالية.

الورقة الأولى

لأن الحاجة هي أم الاختراع، كانت رغبة التجار في عقد صفقات كبرى دون الاضطرار إلى حمل كميات كبيرة وثقيلة من العملات المعدنية هي الدافع لابتكار الأوراق النقدية الورقية. تضافر ذلك مع حالات السرقة التي كان يتعرض لها التجار، وخصوصا في الرحلات الطويلة المسافات. ولأن الثقافة والأعراف الصينية كانت تقبل وقتها بفكرة الائتمان، كانت كل الظروف متاحة لتظهر الورقة النقدية الأولى، تحديدا على ضفاف النهر الأصفر في مقاطعة سيتشوان في عام 690.

على مدى أكثر من خمسة قرون، ظل التجار الصينيون يتعاملون بالأوراق المطبوعة، التي اتخذ معظمها شكل سندات ائتمان. وقد يكون من المهم أن نعلم أن الصين لم تصنع أول عملة ورقية في التاريخ فحسب، بل وضعت أول منظومة مالية متكاملة للتعامل بها، تشرف عليها الحكومة نفسها من خلال ما يشبه هيئة خاصة عُهد إليها بمهام الإشراف على إصدارها وكشف المزور منها. وكما تتمتع العملات الورقية حاليا بوسائل عديدة لمكافحة تقليدها مثل العلامات المائية، تم تخصيص أختام خاصة لتلك الأوراق يصعب على المزورين تقليدها.

علاوة على ذلك، كان التجار يقومون بإيداع أموالهم في الخزينة الحكومية، وفي المقابل يحصلون على مذكرات رسمية تعترف بالمبالغ التي تم إيداعها. هكذا، يمكن القول إن الفضل يرجع للصين في وضع أساسيات تعامل الأفراد مع البنوك. واستمرت رحلة تطور النقود الورقية في المجتمع الصيني حتى فترة أسرة يوان الحاكمة (1279- 1367). في تلك الحقبة أصبحت النقود الورقية هي النقود الرسمية الوحيدة المعترف بها، كما ظهرت أوراق تحمل قيما معينة تساوي في المقابل أوزانا محددة من معدن الذهب أو الفضة.

من جانب آخر، لم يقتصر تأثير ظهور النقود الورقية على حياة الصينيين الاقتصادية فحسب، فقد بدأت الأوراق تحل محل النقود المعدنية تدريجيا. ومع مرور الوقت، قلت كميات النقود المعدنية بشكل ملحوظ، وتغيرت معها ملامح تقاليد دفن الموتى. فيما سبق، كان الميت يأخذ ثروته من النقود المعدنية معه إلى قبره تمهيدا لعودته من الموت مجددا وفقا للمعتقدات الصينية. ولكن مع ظهور النقود الورقية، لم يعد المتوفى في حاجة إلا إلى تلك الورقة المسجلة فيها قيمة ثروته كي يأخذها معه إلى قبره.

يقص علينا متحف البنك الوطني البلجيكي قصة اقتباس العالم لهذا الاكتشاف الصيني؛ إذ أن أوروبا لم تلحق بهذا التطور إلا في القرن السابع عشر. ويعتقد المؤرخون أن انتقال هذه التقنية إلى أوروبا جاء نتيجة اطلاع الرحالة الأوروبيين عليها في الصين، وفي مقدمتهم الرحالة الإيطالي ماركو بولو خلال رحلته الشهيرة إلى الصين. وصف بولو عملية صناعة النقود الورقية في الصين بشكل دقيق، نقتطف منه بعض ما ذكره متحف بنك بلجيكا الوطني في تأريخه لظهور النقود الورقية: "في مدينة خان بالق دار لصك العملة، يتم تصنيع النقود هناك من شجر التوت. يقوم مسؤولون معينون لهذا الغرض بكتابة أسمائهم عليها، ووضع أختامهم لاعتمادها كي تصلح للتبادل التجاري. عندما يتم هذا العمل وفقا للقواعد، يضع رئيس الموظفين ختمه الخاص بلونه القرمزي المميز على الجزء العلوي من الورقة. هكذا، تصبح الورقة رسمية ولا يجرؤ أي شخص أن يرفض التعامل بها."

يخبرنا ماركو بولو أنه شعر بالسعادة والانبهار مما شاهده. فبينما استغرق الكيميائيون في أوروبا قرونا طويلة يحاولون عبثا تحويل المعادن الأساسية إلى الذهب، حول الصينيون ببساطة الأوراق إلى أموال. عندما عاد إلى وطنه، كتب ماركو بولو عن تجاربه ومغامراته في بلاد الصين، ولكنه عندما تحدث عن النقود الورقية لم يجد إلا الإنكار. لذا، ليس مستغربا أن استغرق الأمر بضعة قرون أخرى قبل أن يصدق الأوروبيون إمكانية ذلك، كي تدخل النقود الورقية إلى النظام المالي في أوروبا.

بقية دول العالم احتاجت إلى أكثر من قرنين إضافيين ليتم تعميم التعامل فيها بالأوراق المالية. لكن المفارقة أن الصين نفسها وعقب نهاية حكم أسرة تانغ تراجعت خطوات إلى الخلف في هذا الصدد. نتيجة لتزايد إنتاج الأوراق المالية دون تنظيم ومراجعة مستمرة، تراجعت قيمتها وارتفعت معدلات التضخم. بحلول عام 1425، كانت النقود الورقية لا تتجاوز سبعين في المائة من قيمتها الأصلية. في النهاية، ألغت الصين النقود الورقية كليا عام 1455، ولم تعتمدها مرة أخرى لعدة مئات من السنين.

نقطة تحول

كان ظهور النقود الورقية نقطة تحول في تاريخ الصين والبشرية بأسرها. ولعل النجاح الذي حصدته في السوق التجارية هو الذي شجع الأوروبيين فيما بعد على اعتماد هذا الابتكار الصيني. هذه أيضا هي وجهة النظر التي يتبناها واحد من أكبر الخبراء في عصرنا الحالي، وهو مارفن كينغ، الذي شغل منصب محافظ بنك إنجلترا لعقد كامل بين عامي 2003 و2013، فيقول: "رغم مئات السنين، ففي نواح كثيرة تعد النقود الورقية الصينية مثل النقود الحديثة بشكل ملحوظ، مع كونها أكبر حجما. لكن، من الناحية الواقعية تحتوي على جميع خصائص نقودنا الحديثة، مثل ختم الدولة، وعنصر الإلزام الذي يجعل الناس يقبلونها كعملة بينهم."

تاريخيا، تعتبر فترة ظهور النقود الورقية في الصين واكتسابها قوتها القانونية والواقعية، فترة قريبة من عصرنا الحالي وفقا لرأي البروفيسور تيموثي بروك، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة أكسفورد، الذي يعتبر أن الصين وقتها كانت أقوى دولة وصاحبة الاقتصاد الأكبر عالميا أيضا. ورغم بعض الاضطرابات الداخلية وقتها، فإن الصينيين في تلك الفترة عرفوا من يكونون، وأدركوا مكانتهم في العالم. كان يمكنهم أن يشعروا بالثقة.

أصول فلسفة النمو الصيني

القارئ الجيد لتاريخ الصين، عندما لا يكتفي بمعرفة الوقائع وأبطالها وتواريخها، وينطلق في محاولة التحقيق والتعليل، سرعان ما يكتشف الكثير من أوجه الترابط والتلاقي بين أحداث عصرنا هذا وتلك الأيام. إن الترابط الملفت للنظر هنا تحديدا، هو سعي الصين دوما لمد روابط الصداقة والتعاون مع الآخرين، وابتكار وسائل وأساليب تسهل ذلك، وكأنها فلسفة تطور واحدة اعتمدها الأجداد والأبناء معا. فمن النقود الورقية قديما إلى أبرز وأضخم ما يبنيه الإنسان على كوكبنا الآن وهو مشروع "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير" و "طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين". هذا المشروع تنبع فكرته أصلا من "طريق الحرير القديم"، الذي ولد في عصر الإمبراطوريات الصينية قبل الميلاد، كطريق تجاري ودبلوماسي معا، عبر شبكة واسعة من الطرق البرية والبحرية، من خلاله تاجر الصيني القديم مع الحضارات الأخرى واحتك بها محققا المنفعة المشتركة والمتبادلة للطرفين، وهي بدورها نفس الفلسفة التي يدعو إليها الرئيس الصيني شي جين بينغ، صاحب فكرة إعادة طريق الحرير للحياة مجددا.

قديما كانت الصين تنتج النقود الورقية وتتعامل بها، بينما العالم كله لا يتخيل الفكرة من الأساس. أما الآن، فمع الإعلان عن مشروع "الحزام والطريق" قابلت القوى الاقتصادية التقليدية فكرة الرئيس الصيني بعدم التصديق والتشكيك في إمكانية تنفيذها على أرض الواقع والتكلفة الباهظة لها. لكن الرئيس الصيني كأجداده شرع في العمل، وها هو طريق الحرير البحري والحزام الاقتصادي لطريق الحرير يتحققان على أرض الواقع عاما بعد عام.

وإذا كانت حاجة التجارة قديما قد اقتصرت على ابتكار الصينيين للأوراق المالية، فإن حاجة التجارة اليوم التي تضمن الربح والنمو والمنفعة المشتركة لجميع الأطراف تحتاج إلى الكثير من العوامل، في الطليعة منها الاستقرار ووضع حد للحروب والنزاعات المسلحة. لذا، تسعى الصين دائما إلى نزع فتيل الصراعات. ولعل العالم كله يعلم الجهد الصيني الجهيد في أزمة شبة الجزيرة الكورية ومنعها من الانزلاق إلى هاوية توريط العالم في حرب نووية، ملتزمة أيضا بموقف أخلاقي ضد سلب حقوق الضعفاء وفرض منطق القوة، كما تجلى في رفضها القاطع لقرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل. الصين تسجل دوما اعترافها بحق قيام الدولة الفلسطينية وحصول الفلسطينيين على حقوقهم في القدس.

في الوقت نفسه، ستكون التجارة بين عشرات الدول عبر مساحات جغرافية شاسعة في حاجة ماسة إلى منظومة مشتركة لضمان سلامة الملاحة البحرية والنقل الجوي، وهو ما يدخل أصلا كجزء من دعوة الصين لوضع مفهوم أمن مشترك وشامل بين جميع دول العالم، ويندرج هذا وذاك تحت رؤية الصين أن البشرية ذات مصير واحد ومشترك يجمعنا جميعا.

بجانب كل هذا، تحتاج الدول إلى رؤوس الأموال كي تطور بنيتها التحتية اللازمة لتلبية متطلبات هذا المشروع العملاق، فقدمت لهم الصين "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية"، وهو لكل دول العالم وليس للقارة الآسيوية فقط، ما يتيح لهذه الدول منصات جديدة لمزيد من التعاون والنجاح، خاصة أن بكين أثبتت أن البنك وسيلة للمنفعة والربح المشترك فحسب دون أهداف سياسية خلفه، بدليل انخراطه في مشروعات مع بنك التنمية الآسيوي، الذي ترعاه اليابان بشكل رئيسي، والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، الذي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية شريكا أساسيا فيه. إنها الطريقة التي تراها الصين صحيحة لاستثمار الأموال في مشروعات تحقق ربحا للعالم كله.

--

محمد علام، باحث مصري في الشؤون الدولية.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037