يوافق الخامس عشر من الشهر الثامن حسب التقويم القمري الصيني عيد منتصف الخريف الصيني (عيد تشونغتشيو، عيد القمر، عيد البدر)، الذي يحل هذا العام في الخامس والعشرين من سبتمبر. يقوم هذا العيد على معنى "الاجتماع العائلي"، حيث يحرص الصينيون في هذا اليوم على تأمل القمر وتناول كعك القمر والاجتماع مع أفراد الأسرة. وفي مصر أيضا، يستخدم الناس القمر لقياس الزمن، ويربطون اكتمال البدر بمعاني اللقاء والاجتماع العائلي.
عيد منتصف الخريف والاجتماع العائلي
اختير اليوم الخامس عشر من الشهر الثامن لأن القمر يكون في تلك الليلة في أتم صوره وأشدها إشراقا، ومن هنا جاء معنى "اكتمال القمر واجتماع الناس". يعود تاريخ عيد منتصف الخريف إلى طقوس تقديم القرابين للقمر في العصور القديمة، ثم تبلور بوصفه عيدا في أسرة تانغ (618- 907م)، وانتشر تدريجيا بعد أسرة سونغ (960- 1279م)، حتى صار تقليدا متوارثا منذ أكثر من ألف عام. وهو يعد، إلى جانب عيد الربيع وعيد تشينغمينغ وعيد دوانوو (عيد قوارب التنين)، أحد الأعياد التقليدية الأربعة الكبيرة في الصين. ومنذ عام 2008، أدرج عيد منتصف الخريف ضمن العطلات الرسمية الصينية.
في هذا اليوم، يحرص من هم بعيدون عن أهاليهم على العودة إلى ديارهم، بينما يعد من بقي في المنزل من كبار السن الموائد مبكرا. طاولة مستديرة، وأطباق مستديرة وحلوى مستديرة وقمر مكتمل، كل هذه الدوائر تشير إلى معنى واحد: التئام الشمل. قلما يقول الصينيون مباشرة "أحبك" أو "اشتقت إليك"، لكنهم يجيدون تضمين المشاعر في الأشياء؛ في الحشوة الحلوة لكعك القمر، وفي شكل الطاولة المستديرة.
أبرز عادتين في عيد منتصف الخريف هما تأمل القمر وتناول كعك القمر. فكعكة القمر المستديرة الشكل، ترمز إلى التئام شمل الأسرة. وفي أسرة سونغ، كتب الشاعر الصيني الكبير سو شي: "كعكة صغيرة كأنك تمضغ بها القمر، في جوفها السمن والعسل"، حيث شبه تناولها بـ"مضغ القمر"، مشيرا إلى ما تحويه من سمن وعسل. وعلى مدى أكثر من ألف عام، تطورت كعكات القمر وتعددت مدارسها؛ فكعكة قوانغدونغ رقيقة القشرة وغنية الحشوة، وكعكة سوتشو متعددة الطبقات الهشة، كما توجد نكهات أخرى مثل كعكة بكين وكعكة يوننان. وفي عيد منتصف الخريف كل عام، يجلس أفراد الأسر حول الطاولة، ويتقاسمون الكعك ويتأملون القمر معا، فاستدارة الكعكة تعني في وجدان الصينيين التئام شمل الأسرة.
كتب الصينيون عن القمر لأكثر من ألفي عام. كتب الشاعر والسياسي الصيني تشانغ جيو لينغ في أسرة تانغ: "بدر يطلع من البحر، ولو بعدت المسافات نتقاسم هذه اللحظة"، ليؤكد أن هناك من يرفع بصره في اللحظة نفسها إلى الشيء نفسه. وكتب الشاعر الصيني في أسرة تانغ وانغ جيان: "في هذه الليلة والقمر بدر، الناس جميعا ينظرون إليه، ولا أدري في أي بيت ينزل شوق الخريف"، معبرا عن شجن مشترك يسكن القلوب في كل مكان. وفي ليلة العيد بمدينة ميتشو (مدينة تشوتشنغ الحالية بمقاطعة شاندونغ)، كتب سو شي وهو ثمل: "أتمنى أن ينعم الأحبة في كل مكان بالسلامة والصحة وطول العمر، وأن يتقاسم الناس ضوء القمر الجميل مهما بعدت المسافات"، فلم يصرح بالشوق، بل قال إن ضوء القمر ساطع بما يكفي ليبلغ من هم بعيدون. هذه الأبيات معروفة في كل بيت صيني، وتتناقلها الأجيال.
واليوم، لا يزال الصينيون يجتمعون في عيد منتصف الخريف. وتقيم مجموعة الصين للإعلام كل عام حفلا خاصا بمناسبة هذا العيد، ومن المقرر أن يقام حفل عام 2026 في هواينان بمقاطعة آنهوي، ويبث عبر التلفزيون والإنترنت للصينيين في كل أنحاء العالم. كما يجتمع الصينيون المغتربون والمنحدرون من أصل صيني في الخارج في هذا اليوم لتأمل القمر وتناول كعك القمر، مستعينين بضوئه للتعبير عن حنينهم إلى وطنهم.
المصريون والقمر
علاقة المصريين بالقمر عميقة وقديمة. ففي الحضارة المصرية القديمة، كان القمر إلها مهما. الإله خونسو في طيبة، الذي يحمل قرص القمر فوق رأسه، يعد مع الإله آمون والإله موت ثالوث طيبة المقدس. كما كان الإله تحوت إله الحكمة والقمر، مسؤولا عن التقويم والزمن. ومن ثم، بدءا من التقويم المصري القديم، وحتى التقويم الهجري الذي يعتمد على رؤية الهلال لتحديد الشهور، ظل القمر رفيق المصريين الحميم في حساب الوقت وملاحظة الفصول.
في أرض تغطي الصحراء معظم مساحتها، كان القمر دليل المسافرين في الليل؛ يطلع في موعده، ويغيب في موعده، فلا يخون ثقة من يسيرون على ضوئه. وتعد "رؤية الهلال" قبل حلول رمضان تقليدا متوارثا منذ قرون؛ إذ تجتمع كثير من العائلات في الأماكن المرتفعة أو على ضفاف المياه، تبحث في الأفق عن الهلال الذي يعلن بدء شهر رمضان، وأول من يراه ينقل الخبر، فينتقل من شخص إلى آخر، حتى تنتظر المدينة كلها ذلك الصوت. إنها طقوس مرتبطة بالزمن، لكنها في جوهرها موعد للقاء.
في الشعر العربي، القمر حاضر دائم. وقد قال شاعر العصر الأموي المكي عمر بن أبي ربيعة: "قد عرفناه وهل يخفى القمر؟" واعتاد العرب تشبيه المرأة الجميلة بالقمر أو البدر، ويرون في القمر رقة وتفهما. هذه الصور تكاد تلتقي مع ما كتبه الشعراء الصينيون عن القمر.
عيد الفطر من أكبر أعياد مصر. فقبيل العيد، تعد الأسر "الكحك"، وهو حلوى دائرية تمتد جذورها إلى مصر القديمة، تصنع من الدقيق والسمن والسكر والسمسم، ويرش سطحها بالسكر الناعم، وتحشى بالتمر أو المكسرات أو العسل. تكون "الكحكة" مستديرة كالبدر، ذهبية مقرمشة، تشبه كعك القمر الصيني إلى حد كبير. كما تحضر على مائدة العيد أطباق تقليدية مثل اللحم الضأن المشوي وورق العنب المحشي والفول المدمس. ولا يعني ذلك أن أحدا قلد الآخر، بل هو ميل إنساني مشترك إلى "الدائرة" و"الحلاوة": فالدائرة تعني الاكتمال، والحلاوة تعني الخير، واجتماعهما أبسط دعاء لحياة أسرية سعيدة.
عيد منتصف الخريف في القاهرة
في القاهرة، يحتفل بعيد منتصف الخريف بحرارة أيضا. فالمركز الثقافي الصيني بالقاهرة هو أول مركز ثقافي صيني أنشأته الصين في الخارج، ومنذ افتتاحه في عام 2002 ظل جسرا مهما للتبادل الثقافي بين الصين ومصر.
وقبيل عيد منتصف الخريف في عام 2025، أقيمت في القاهرة فعالية "القمر يجلي المشهد.. جمال نتقاسمه معا" ضمن أنشطة الترويج الثقافي والسياحي لمقاطعة قوانغدونغ. ونظمت الفعالية وزارة الثقافة والسياحة الصينية وسفارة الصين لدى مصر، ونفذها المركز الثقافي الصيني بالقاهرة وإدارة الثقافة والسياحة لمقاطعة قوانغدونغ. وفي الموقع، علّم ورثة فن قص الورق من فوشان الحضور قص أشكال المقطع الصيني "فو" و"الأسد" و"الأرنب القمري"، وأرشد ورثة فن الفوانيس المشاركين إلى صناعة "فوانيس الدعاء" و"فوانيس الأرنب"، كما قدم ورثة أسلوب تساي لي فوه للكونغ فو عروضا أظهرت جمال وقوة الفنون القتالية الصينية. وضمت الفعالية أيضا معرضا مصورا عن عادات عيد منتصف الخريف في قوانغدونغ، وعروضا لرقصة ينغقه (رقصة شعبية تقليدية في المنطقة الساحلية الشرقية من مقاطعة قوانغدونغ) ورقصة الأسد والرقصات القومية والغناء الشعبي. حضر الفعالية رئيس الوزراء المصري الأسبق عصام شرف، ومساعد وزير الثقافة المصري حمدي السطوحي، ونحو خمسمائة ضيف من الصين ومصر، شاركوا بأيديهم في قص أشكال الأرنب وصنع فوانيسها، وعاشوا بأنفسهم دفء معنى "التئام شمل الأسرة" في العيد الصيني. كما أقيمت على هامش الفعالية أمسية "ليلة قوانغدونغ في منتصف الخريف"، التي حضرها أكثر من ثلاثمائة شخص من مختلف الأوساط الصينية والمصرية.
وفي التاسع من أكتوبر عام 2025، أقامت سفارة الصين لدى مصر حفل "الحديث عن عيد منتصف الخريف عند الأهرامات"، اجتمع فيه نحو مائة من الصينيين المقيمين في مصر والطلاب الصينيين، وتقاسموا معا تأمل البدر وتناول كعك القمر.
كتب الشاعر الصيني دو فو، الذي عاش نازحا عن دياره في زمن تمرد آن لو شان: "منذ الليلة يبيض الندى، والقمر في مسقط الرأس أشد إشراقا". كان يرى قمر بلدته أكثر سطوعا من أي مكان آخر، وليس الفرق في ضوء القمر، بل في ميل القلوب؛ فالإنسان يمنح أعمق حنينه لمكانه الأول.
عيد منتصف الخريف عيد صيني، لكن دفء الجلوس مع الأحبة تحت ضوء القمر شعور إنساني عام. يقول الصينيون: "مهما بعدت المسافات، نتقاسم هذه اللحظة"، وقال عمر بن أبي ربيعة: "هل يخفى القمر؟"، وقال دو فو: "القمر في مسقط الرأس أشد إشراقا"، وكلها تعبر عن المعنى نفسه: المسافة لا تقطع الحنين، وضوء القمر يبلغ كل مكان، والبيت ينتظر دائما تحت القمر.
"زهور تتفتح والقمر بدر" عبارة ترددت في الصين منذ أكثر من ألف عام. لكنها إذا ما فككت، لا تعني سوى أن الزهور تتفتح في أوانها، والقمر يكتمل بدرا، وأن من نحبهم حولنا. فمهما ابتعدت المسافات، يظل ضوء القمر واحدا؛ ومهما تعددت البيوت، يضيء البدر للجميع. ولعل هذه أمنية إنسانية مشتركة، لا علاقة لها بحدود أو معتقد أو لغة.
--
لي تسوي، باحثة مشاركة في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.
