ثقافة وفن < الرئيسية

من تشانغآن إلى القاهرة.. حوار الحضارتين الصينية والمصرية على طريق الحرير

: مشاركة
2026-08-25 12:35:00 الصين اليوم:Source يان وي:Author

تشانغآن هي العاصمة القديمة للحضارة الصينية لآلاف السنين، والقاهرة هي مراكز حضاري مهم على ضفاف نهر النيل. "من تشانغآن إلى القاهرة" يمتد رمز نابض بالحياة للحوار الحضاري لأكثر من ألفي عام ويربط بين الطرق البرية والبحرية.

كان المسار الرئيسي لطريق الحرير البري في فترة أسرتي هان (206 ق.م.- 220م) وتانغ (618- 907م)، يبدأ من تشانغآن شرقا، ويمتد غربا إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. وكانت القاهرة، التي نشأت من مدينة الفسطاط، تقع على شريان حيوي بري وبحري، ومثلت مركزا رئيسيا في شبكة طريق الحرير التي تربط البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

لم تمنع المسافة الشاسعة بينهما التواصل والتفاهم بين الحضارة الصينية وحضارة حوض نهر النيل. فعلى طول مسارات طريق الحرير الممتدة بلا نهاية، انتقلت البضائع والحرف والأفكار، لتكتب فصلا طويلا من التواصل والتعلم المتبادل بين حضارتين عظيمتين.

على مدى أكثر من ألفي عام، بدأت التجارة غير المباشرة بين المدينتين (تشانغآن والقاهرة) تتشكل بهدوء. وتؤكد الاكتشافات الأثرية أن الحرير الصيني خلال فترة أسرة هان كان ينتقل غربا عبر شبكة تجارية، ليصل إلى مصر الخاضعة للحكم الروماني، حيث أصبحت أقمشة الحرير الفاخرة كنزا شرقيا يتهافت عليه المجتمع الراقي المحلي. وبعد وصول البضائع من الشرق إلى سواحل غربي آسيا والبحر المتوسط، كان جزء منها يعبر البحر شمالا إلى روما، وجزء آخر يتجه جنوبا إلى مصر، ليتجمع أولا في موانئ مثل الإسكندرية. ومع حلول فترة أسرة تانغ، انتقل مركز الثقل التجاري إلى الفسطاط، حيث انطلقت البضائع منها عبر البحر الأحمر في رحلاتها البعيدة. هذه التجارة المستمرة أنشأت جسور التعارف بين الحضارتين ومهدت لتواصل أكثر عمقا.

في فترة أسرة تانغ، ازدهرت العلاقات الحضارية بين الصين ومصر. في عام 751، عقب معركة طلاس، سافر دو هوان غربا إلى الإمبراطورية العربية، وأقام في غربي آسيا وشمالي أفريقيا أكثر من عشر سنوات، وأصبح بذلك أول رحالة صيني معروف وصل إلى أفريقيا، وترك سجلا لرحلته باللغة الصينية. على الرغم من فقدان النص الأصلي لكتاب دو هوان ((سجل رحلتي "جينغ شينغ جي"))، فإن بعض أجزائه لا تزال موجودة في كتاب دو يو ((الرسالة الشاملة حول المؤسسات "تونغ ديان")). وقد جاب دو هوان حوض نهر النيل، موثقا الخبرات الطبية المحلية، تاركا واحدا من أقدم السجلات المكتوبة عن هذه المنطقة بقلم رحالة صيني.

في نفس الفترة، أرسل إمبراطور أسرة تانغ المبعوث يانغ ليانغ ياو في مهمة دبلوماسية إلى الخلافة العباسية، وأبحر أسطوله من قوانغتشو لافتتاح طريق بحري رسمي إلى غربي آسيا. وقد أسهم هذا الطريق البحري في توسيع معرفة الصينيين بعالم غربي المحيط الهندي، وسهل تدفق البضائع عبر المحيط، مما مكن البضائع الصينية الوفيرة من الوصول إلى حوض نهر النيل عبر شبكات التجارة.

يشهد انتقال التقنيات عبر المناطق على قوة الحضارة المتألقة على طول طريق الحرير. فبعد معركة طلاس في عام 751، انتقلت تقنية صناعة الورق غربا إلى سمرقند في آسيا الوسطى، ثم انتشرت تدريجيا إلى بغداد ودمشق، وفي أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر وصلت إلى مصر. وفي الفسطاط تم بناء ورش لصناعة الورق، وبدأ الورق يحل تدريجيا محل البردي الذي استخدم لآلاف السنين.  وقد أسهم ذلك في ازدهار حركة الترجمة في العالم العربي على مدى قرن من الزمان، واستمرت تقنية صناعة الورق في الانتقال غربا عبر شمالي أفريقيا، حتى وصل إلى أوروبا.

بفضل الاتصالات البعيدة المدى، انتشرت تقنيات مبتكرة متنوعة عبر قنوات متعددة. خلال فترة سونغ الشمالية (960- 1127م)، شاع استخدام البوصلة في الرحلات البحرية. وقد أتقن التجار العرب في قوانغتشو وتشيوانتشو وموانئ صينية أخرى هذه التقنية الملاحية، ونقلوها إلى المحيط الهندي وغربي آسيا، مما دعم التجارة عبر المحيطات في البحر الأحمر والمحيط الهندي المزدحمين. وبفضل موقعها الجغرافي المتميز، أصبحت مصر مركزا مهما لتبادل وتطبيق تقنيات الملاحة، مستفيدة من ثمار الابتكارات التقنية التي سبقت عصر الاكتشافات البحرية.

بحلول فترة أسرة سونغ (960- 1279م)، تحول المركز السياسي والاقتصادي للصين تدريجيا نحو السواحل الجنوبية الشرقية. وبسبب الوضع في شمال غربي الصين، تعثر المرور التقليدي لطريق الحرير البري، فتزايد الاعتماد على طريق الحرير البحري للتواصل بين الصين ومصر في فترة الدولة الفاطمية، وأصبحت تشيوانتشو وقوانغتشو بوابتين لتجمع تجار العالم وتبادل الأخبار والمعارف عن العالم الخارجي.

في عام 1008، جاء إلى الصين مبعوث من ميناء دمياط المصري، عرف في المصادر الصينية باسم "توه بوه لي"، وكان قائدا لأسطول بحري تابع للدولة الفاطمية التي كانت تحكم مصر آنذاك. مما شكل حدثا تاريخيا مهما في التأسيس الرسمي للعلاقات بين الصين ومصر. وقد حظي "توه بوه لي" بتكريم رسمي من الإمبراطور تشاو هنغ لأسرة سونغ، الذي سمح له بالمشاركة في احتفالات فنغشان في جبال تايشان، لتصبح هذه الزيارة حدثا رمزيا في تاريخ العلاقات بين الصين ومصر في العصر القديم. وفي فترة أسرة سونغ الجنوبية (1127- 1279م)، جمع تشاو رو كوه، الذي شغل منصب المشرف على التجارة البحرية في ميناء تشيوانتشو، معلومات واسعة عن البلدان والتجار الأجانب الذين وفدوا إلى الصين، ودونها في كتابه الشهير ((تشو فان تشي))، الذي يعد من أهم المصادر الصينية عن التجارة البحرية والعالم الخارجي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر.

في كتابه، أشار تشاو رو كوه إلى مصر باسم "وو سي لي"، وإلى القاهرة باسم "تشي يه"، وإلى نهر النيل باسم "نهر تشينغشوي"، كما وصف بالتفصيل هيكل ومزايا منارة الإسكندرية. تتوافق هذه النصوص مع المصادر العربية، مما يدل بوضوح على التبادل التجاري والمعلوماتي بين الموانئ في جنوب شرقي الصين وحوض نهر النيل في ذلك الوقت. وأكد الباحث المعاصر ليو ينغ شنغ أن معرفة الصينيين خلال فترة أسرة سونغ توسعت بشكل كبير لتشمل مناطق تمتد من المحيط الهندي حتى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، حيث وصلت كميات كبيرة من المعلومات الخارجية عبر طريق الحرير البحري، والتي جمعها التجار من مختلف البلدان في موانئ ساحل الجنوب الشرقي للصين.

كانت التجارة على طول طريق الحرير رحلة لتبادل المنتجات. فالسبانخ والتمر والفلفل والتين والياسمين تعود أصولها إلى بلاد فارس والهند وشبه الجزيرة العربية؛ أما اللبان والمر وغيرهما من الأعشاب العطرية الثمينة فتُنتج بشكل رئيسي في جنوبي الجزيرة العربية وشرقي أفريقيا. وبفضل موقعها على البحر الأحمر، أصبحت مصر مركزا رئيسيا لجمع وتوزيع المنتجات النادرة، حيث التقت فيها شتى أنواع السلع النادرة ليتم نقلها ونشرها برا وبحرا إلى الشرق والغرب، مما أثرى حياة الناس في كلا المنطقتين باستمرار.

يتجلى التبادل الحضاري أيضا في تقدير الفنون والجماليات. فزخارف رسوم اللؤلؤ المتصلة ورسوم الحيوانات الغريبة، نشأت في بلاد فارس الساسانية وآسيا الوسطى، وانتشرت على نطاق واسع على طول طريق الحرير، وازدهرت على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ​​وحوض نهر النيل، ووصلت في نهاية المطاف إلى الصين حيث امتزجت بالجماليات المحلية. وقد تبنت مصر القديمة ثقافة فريدة لتقديس الأسد، بينما انتشرت نقوش الأسد الصينية التقليدية عبر غربي آسيا إلى الصين، وخضعت لآلاف السنين من التطور المحلي لتصبح رمزا للسعادة والازدهار خاصا بالصين، مما يعكس خصائص التعددية والتعايش التي تميز ثقافة طريق الحرير.

خلال فترة أسرة مينغ (1368- 1644م)، استمر ازدهار التواصل البحري في المحيط الهندي. وقاد البحار الصيني الشهير تشنغ خه أسطولا في سبع رحلات بحرية، وجعل مدينة كاليكوت الهندية مركزا للملاحة، ووصل إلى ساحل البحر الأحمر والعديد من الدول على الساحل الشرقي لأفريقيا.

أسهمت الطرق البحرية الواسعة في تعزيز التواصل السلمي، واستمر تداول الحرير والخزف الذي حملته أساطيل تشنغ خه عبر التجار العرب، مما أدى إلى دخول كميات كبيرة من البضائع الشرقية إلى السوق المصرية. واليوم، تعد العديد من قطع الخزف الأزرق والأبيض التي تعود إلى فترة أسرة مينغ، والتي تم اكتشافها في موقع الفسطاط الأثري، شاهدا حيا على ازدهار التجارة في ذلك الوقت.

كانت مصر تُعرف باسم "مي شي أر" خلال فترة أسرة مينغ، كما أرسل حكام المماليك مبعوثين لزيارة الصين عبر المسار البري. كان هناك مساران بري وبحري متجاوران، حافظا على علاقة متواصلة بين الحضارتين العظيمتين.

على مدى آلاف السنين، لم يكن طريق الحرير مجرد وسيلة لتصدير الحضارة في اتجاه واحد، بل كان شبكة من الحوار والتفاعل المتبادل على مستويات متعددة. فقد انتقلت البضائع والحرف الصينية غربا، بينما استمرت منتجات العالم العربي وحوض نهر النيل، من أدوية وفنون وأفكار، في التدفق شرقا، مما أثرى حضارة كل منهما باستمرار. وبينما ركز التواصل في العصور القديمة على تبادل السلع ونقل التكنولوجيا، ازدهرت حضارات متنوعة معا من خلال التبادل والتقدير والمنفعة المتبادلة.

على مر الزمن، توارثت الأجيال روح الصداقة التي ازدهرت على طول طريق الحرير القديم. في عام 1956، أقامت الصين ومصر العلاقات الدبلوماسية الرسمية، لتصبح مصر بذلك أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وفي عام 2026، تحتفل الصين ومصر بالذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، مدشنتين مرحلة جديدة من الصداقة بين حضارتين عريقتين. واليوم، يواصل الفريق الأثري الصيني- المصري أعمال التنقيب في معبد مونتو بالأقصر؛ حيث تجسد شظايا الخزف الصيني القديم في موقع الفسطاط وآثار التجار العرب في مدينة تشيوانتشو القديمة تاريخا عريقا. وفي إطار مبادرة "الحزام والطريق"، تتقدم مشروعات كبرى، مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر "تيدا السويس"، بخطى ثابتة، كما تشهد المعارض الثقافية والندوات الأكاديمية وتبادل الشباب نموا مطردا.

من تشانغآن إلى القاهرة، تبقى المسافة الجغرافية ثابتة، لكن شكل التبادل الثقافي يتطور باستمرار. فقد أصبحت طرق التجارة القديمة، التي كانت تعج بأجراس الجمال، قنوات تعاون للتواصل والترابط بين البر والبحر. وتطورت هاتان الحضارتان العريقتان، اللتان بدأت بينهما لقاءات تجارية غير مباشرة منذ آلاف السنين، إلى شراكة إستراتيجية شاملة في العصر الحديث.

ليس هناك حضارة سامية وحضارة وضيعة؛ فالتبادل والمنفعة المتبادلة بين الحضارات هما ما يدعمها. واستنادا إلى تاريخ من التبادل يمتد لأكثر من ألفي عام، واستلهاما من حكمة طريق الحرير القديم، تواصل الصين ومصر مسيرتهما معا، معززتين تنوع الحضارات العالمية وتعايشها، ومقدمتين قوة شرقية عميقة ودائمة لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.

--

يان وي، نائب عميد كلية الدراسات الإقليمية والدولية بجامعة شمال غربي الصين.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4