
في شهر مايو من كل عام، تتزين شوارع القاهرة بالأزهار الحمراء الزاهية لأشجار البونسيانا التي تعرف في مصر بالأشجار الملكية وتسمى في الصين بـ"أشجار العنقاء"، لأن أزهارها الحمراء تذكر بريش طائر العنقاء. ويرمز اللون الأحمر وطائر العنقاء في الثقافة الصينية إلى الحظ السعيد والازدهار، كما يرمز طائر بنو في الحضارة المصرية القديمة إلى البعث والتجدد والحياة الأبدية، وهكذا تحمل الرموز بين الثقافتين آمالا متقاربة. في عام 2026، الذي يصادف الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، تبدو الأشجار المزهرة وكأنها تقدم هدية صادقة وحارة احتفالا بهذه المناسبة الخاصة. تأسس معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة منذ نحو عشرين عاما، وشهد تفتح أزهار "أشجار العنقاء" على مر السنوات، وتخرجت فيه دفعات من الشباب الذين يشكلون القوة الشابة التي تغذي صداقة البلدين المزدهرة.
في عام 2007، الذي يعد مرحلة مهمة في تعميق علاقات التعاون الإستراتيجي بين الصين ومصر بشكل شامل، افتتح معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة بالتعاون مع جامعة بكين، ليصبح أول معهد كونفوشيوس في مصر وشمالي أفريقيا. في ذلك الوقت، شهد المجتمع المصري إقبالا متزايدا على تعلم اللغة الصينية ورغبة في معرفة الصين. كما ارتفع عدد الزوار الصينيين القادمين إلى مصر، مما عزز التبادلات السياحية والثقافية بين البلدين. ومع انطلاق التعليم بالمعهد في عام 2008، قدم معهد كونفوشيوس دورات مكثفة للمرشدين السياحيين إلى جانب دروس اللغة الصينية الأساسية والثقافة الصينية.
منذ تأسيس معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة، كانت مساعدة الشباب المصريين على تحقيق أحلامهم والتخطيط لمستقبلهم هي المهمة الأساسية له. فقد انطلق المعهد، الذي يُعد نموذجا عالميا، بثلاثين طالبا، ثم تطور تدريجيا فصار يدرس فيه أكثر من ثلاثة آلاف طالب مصري سنويا لتعلم اللغة الصينية. وفي هذا المعهد، يلتقي تيار التنمية المعاصرة بأحلام الشباب المصريين والصينيين، فيسهمان معا في تعميق أواصر الصداقة بين البلدين.
في معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة، بدأ الشباب المصريون رحلتهم بتعلم اللغة الصينية، ثم انتقلوا إلى معرفة الصين. ففي السنوات الأولى من تأسيس المعهد، ركزت أنشطة المعهد على تقديم الثقافة الصينية التقليدية من خلال تجارب تفاعلية مثل صنع "جياوتسي (كرات من العجين محشوة)" وعروض رقصات التنين والأسد وفن الخط الصيني والعزف على آلة قوتشين الموسيقية الصينية القديمة وعروض أوبرا بكين. وقد أسهمت هذه الأنشطة في تكوين صورة أولية عن الصين، ارتبطت بمعالمها الكلاسيكية، كالمدينة المحرمة وسور الصين العظيم والووشو. أما اليوم، فإن الشباب المصريين لا يكتفون بتعلم مقاطع كتابة اللغة الصينية ونطقها وقواعد اللغة من الكتب، بل يبدون اهتماما متزايدا بتجارب التنمية الصينية المعاصرة وحياة الشعب الصيني الحقيقية. إنهم يتوقون لمعرفة السكك الحديدية الفائقة السرعة والسيارات الكهربائية والتجارة الإلكترونية في الصين، فهم لا يرغبون في السفر إلى مدن مثل بكين وشانغهاي وشيآن فحسب، وإنما أيضا يأملون في استكشاف جبال هوانغشان وبحيرة شيهو (البحيرة الغربية) وتذوق الفطر في يوننان وتجربة طبق هوقوه (القدر الساخن) في سيتشوان. إنهم يبحثون ويتساءلون عن التجارب الصينية في التنمية السريعة والحوكمة الفعالة في السنوات الأخيرة، لتكون مرجعا للتنمية في مصر.
يعمل معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة على بناء منصة لتعزيز التبادل والاستفادة المتبادلة بين حضارتي الصين ومصر. مع تنوع المحتوى التعليمي في المعهد، تم دمج الثقافة المصرية المحلية في الفصول الدراسية الصينية، مما عزز الاستفادة المتبادلة والتسامح والتفاهم بين الحضارتين. في عام 2010، أصدر المعهد مجلة ((معهد كونفوشيوس)) باللغتين الصينية والعربية، التي تقدم في كل عدد موضوعات متنوعة عن البلدين، وتوفر منصة جديدة للتواصل والتبادل الثقافي بين الصين ومصر. في عام 2019، خلال فعاليات "يوم معهد كونفوشيوس" التي نظمها المعهد، قدم أكثر من مائة طالب ومعلم عرضا جماعيا لفن ملاكمة تايجيتشوان أمام هرم خوفو المهيب، حيث تلاقت الحضارتان الصينية والمصرية عبر التاريخ والزمن. وقد أثار هذا المشهد إعجاب الباعة المصريين في منطقة الأهرامات والزوار من مختلف دول العالم. كما نظم المعهد أنشطة مختلفة للتبادل الثقافي في الجامعات المصرية والمتاحف الشهيرة، لإظهار سحر الحوار بين الحضارات المتنوعة بشكل حيوي. عندما يشرح المرشدون السياحيون المصريون، الذين تخرجوا في معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة، الثقافة المصرية للزوار الصينيين، يربطون ورق شيوانتشي بورق البردي، ويقارنون بين نقوش المعابد المصرية والأعمال الفنية في كهوف دونهوانغ، من دون أن يعطي ذلك انطباعا بأنهم يرددون نصوصا محفوظة. وفي ركن الخط الصيني بالمعهد، لا تقتصر المعروضات على نماذج من فنون الخط الصيني، مثل خطوط تشوانشو وليشو وشينغشو وكايشو فحسب، وإنما أيضا تُزين الجدران بلوحات للخط العربي، تمتاز بخطوطها المتناسقة وتوزيعها الجمالي. أما في مسابقات المسرحيات القصيرة باللغة الصينية التي يشارك فيها طلاب الجامعات المصرية، فيبتكر الطلاب، تحت إشراف معلميهم الصينيين، مشاهد فكاهية تعكس اختلافات التصورات الزمنية بين الثقافتين، مما يثير ضحكات لدى الجمهور من الصينيين والمصريين، ويسهم في تعزيز التفاهم في أجواء مرحة. إن توجيه الشباب لإدراك القيمة العميقة للاستفادة المتبادلة بين مختلف الحضارات هو الأساس المهم لاستدامة الصداقة بين الحضارات المختلفة.
أصبح تعليم اللغة الصينية في معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة داعما أساسيا لتمكين الشباب المصريين من النمو وتحقيق النجاح. يجد العديد من المعلمين في المعهد أن الشباب المصريين لا يرغبون في تعلم اللغة الصينية فحسب، وإنما أيضا يربطون تعلم اللغة ومعرفة الصين بخططهم المهنية في المستقبل. قبل عشر سنوات، أطلقت الحكومة المصرية "رؤية مصر 2030"، وفي هذا السياق، تجاوز المعهد النمط التقليدي في تعليم اللغة والثقافة الصينية، وعمل على تمكين الشباب المصريين عبر تعليم اللغة الصينية. استحدث المعهد مسارين لتدريب الطلاب، وهما "اللغة الصينية+" و"+اللغة الصينية". يشير مسار "الصينية +" إلى جعل تعلم اللغة الصينية محورا لدعم تعليم المهارات الأخرى مثل السياحة والأعمال التجارية والترجمة، مما يساعد الشباب على بدء مسيرتهم المهنية على أساس اللغة الصينية، بينما يهدف مسار "+الصينية" إلى مساعدة الشباب المصريين الذين يمتلكون مهارات تخصصية، على استخدام اللغة الصينية كأداة ورافعة لتحقيق الأحلام الأكبر وتقديم إسهامات أكثر في التبادلات الدولية.
في معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة، لا تركز أعمال التعليم على التحول الرقمي فحسب، وإنما أيضا تتمسك برسالة المعهد الأساسية المتمثلة في تعزيز التواصل العميق بين الشعوب. في الوقت الحالي، يشهد المعهد تغييرا في نظم التعليم من خلال استخدام التكنولوجيا الرقمية والذكية. يستخدم المعلمون أدوات الذكاء الاصطناعي لتصميم خطط الدروس ومساعدة الطلاب على تصحيح النطق والأخطاء النحوية وتقديم إرشادات تعليمية مخصصة للطلاب عبر منصات ذكية، فيمكن للطلاب التمتع بالموارد التعليمية الوفيرة. كما يولي المعهد اهتماما كبيرا بالتواصل العميق بين الناس، لأن الإنسان قادر على اكتساب كمية هائلة من المعلومات في لحظة، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الإنسان في إتمام التفكير الأساسي، لكنه لن يستطيع أبدا أن يحل محل التفاهم القائم على التواصل الروحي بين الناس. تعتمد أعمال الدبلوماسية والتجارة والثقافة والسياحة وغيرها بشدة على التواصل بين الأشخاص، ولا يمكن تعويض التعاطف والإدراك اللذين يوفرهما التعليم التفاعلي الغامر. لذلك، يحرص المعهد على تعزيز التواصل بين الناس، حيث يدعو المزيد من الطلاب المصريين المعلمين الصينيين إلى منازلهم لتذوق أطباق عيد الفطر، ويصبحون أصدقاء على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يساعد الطلاب المصريون معلميهم الصينيين في تعلم اللغة العربية، ويقول بعضهم ممازحا: "يا أستاذي، لقد علمتني اليوم خمس كلمات صينية جديدة، سأعلمك خمس كلمات عربية أيضا!" وفي مثل هذه اللحظات الدافئة، يغمر الدفء كل معلم صيني قادم من بلاد بعيدة، ويمتلئ قلبه بإحساس عميق بالإنجاز. لقد أتت الصداقة التي تربط بين القلوب بثمار وفيرة بين شباب الصين ومصر.
منذ أكثر من ألف عام، قال المثل العربي القديم: "اطلبوا العلم ولو في الصين." وفي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الصين ومصر بعيدتين عن بعضهما، وقد تطورت معاهد وفصول كونفوشيوس في مصر بشكل مزدهر. إذا نسأل: لماذا تزدهر أزهار الصداقة الصينية المصرية وتتألق يوما بعد يوم؟ فإن الشباب المصريين في معهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة يقدمون الإجابة: عندما تضيء أزهار اللغة الصينية أحلام الشباب المصريين، فإنها تضخ حيوية وأملا للمستقبل في علاقات الصداقة الدائمة بين البلدين.
__
تشو ليانغ ليانغ، الرئيسة الصينية لمعهد كونفوشيوس بجامعة القاهرة.
