
"إن الصين ومصر، باعتبارهما حضارتين عريقتين وعضوين مهمين في الجنوب العالمي، ينبغي أن تستلهما الحكمة والقوة من التاريخ، وتسعيا لإنجاز المهام التاريخية المتمثلة في السعي لتحقيق السلام والتنمية والتعاون وترسيخ العدالة، من أجل ضخ زخم قوي في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية." -- الرئيس الصيني شي جين بينغ.
لم تكن هذه الكلمات مجرد رسالة بروتوكولية بمناسبة مرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، بل جاءت تعبيرا مكثفا عن فلسفة ترى أن الحضارات العريقة ليست إرثا من الماضي فحسب، وإنما أيضا قوة فاعلة في صناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، تبدو العلاقات الثقافية بين القاهرة وبكين واحدة من أكثر التجارب تميزا في العلاقات الدولية المعاصرة؛ إذ تأسست على الاحترام المتبادل والتواصل الحضاري، والإيمان بأن الثقافة والتعليم والمعرفة تمثل الركائز الأكثر رسوخا لبناء الشراكات المستدامة.
وعلى امتداد سبعة عقود، تجاوزت العلاقات المصرية- الصينية الإطار التقليدي للدبلوماسية، لتتحول إلى شراكة إستراتيجية شاملة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والتكنولوجيا بالاستثمار، والثقافة بالتعليم، حتى أصبحت نموذجا للتعاون بين دول الجنوب، وقصة نجاح تؤكد أن الحوار الحضاري قادر على ترسيخ الثقة بين الشعوب، وتهيئة المناخ لتعاون أكثر عمقا واستدامة. وقد استطاعت القاهرة وبكين، عبر هذه المسيرة، أن تبنيا نموذجا متوازنا للعلاقات الدولية، يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ودعم المصالح المشتركة، وهو ما منح هذه العلاقة قدرا كبيرا من الاستقرار والاستمرارية.
ولقد أثبتت التجارب الدولية أن الاتفاقيات السياسية قد تتغير بتغير الظروف، أما العلاقات الثقافية فتظل أكثر رسوخا وقدرة على الاستمرار، لأنها تستند إلى المعرفة والاحترام المتبادل، لا إلى المصالح الآنية وحدها. ولهذا، أصبحت الثقافة أحد أهم روافد الشراكة المصرية- الصينية، وعاملا رئيسيا في تعميق التفاهم بين الشعبين، وقوة ناعمة قادرة على ترسيخ الثقة وتصحيح الصور الذهنية، وبناء جسور مستدامة بين الأجيال الجديدة.
يمثل التعاون التعليمي أحد أبرز تجليات العلاقات الثقافية بين البلدين، فقد شهدت العقود الأخيرة توسعا ملحوظا في برامج التبادل الأكاديمي والمنح الدراسية والبعثات العلمية والتعاون بين الجامعات المصرية والصينية، بما أسهم في إعداد أجيال جديدة تمتلك فهما أعمق للغتين والثقافتين.
وفي هذا السياق، برزت معاهد كونفوشيوس بوصفها من أهم منصات التبادل الثقافي والتعليمي، إذ لم تعد رسالتها مقتصرة على تعليم اللغة الصينية، بل أصبحت مراكز للحوار الحضاري والتواصل الثقافي وإعداد الأكفاء المصريين القادرين على الإسهام في تنمية العلاقات بين البلدين. ويقدم معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس نموذجا لهذا الدور، من خلال ما ينظمه على مدار العام من برامج تعليمية واختبارات دولية وندوات علمية وملتقيات ثقافية ومسابقات طلابية وأنشطة فنية، أسهمت في تعزيز حضور اللغة والثقافة الصينية في إقليم القناة وربط الطلاب المصريين مباشرة بالحضارة الصينية المعاصرة، انطلاقا من رؤية مؤداها أن تعلم اللغة هو المدخل الحقيقي لفهم ثقافة الآخر واحترام خصوصيته.
كما أسهمت الجامعات المصرية التي تضم أقساما للغة الصينية في تخريج أعداد متزايدة من المتخصصين، الذين أصبحوا رصيدا بشريا مهما لدعم التعاون في مجالات الاقتصاد والاستثمار والسياحة والإعلام والترجمة والبحث العلمي، حيث تم تتويج التعاون الثقافي بين البلدين بتوقيع برتوكول تعاون بين البلدين في سبتمبر 2020 لتدريس اللغة الصينية في المدارس المصرية كلغة أجنبية اختيارية، وفي سبتمبر عام 2022، بدأ البرنامج التجريبي لتعليم اللغة الصينية في اثنتي عشرة مدرسة حكومية مصرية.
في وقت تتنامى فيه مكانة الصين على الساحة الدولية بصورة غير مسبوقة، لم يعد تعليم اللغة الصينية في مصر مجرد تخصص أكاديمي، بل أصبح استثمارا إستراتيجيا في المستقبل، يواكب التطور المتسارع للعلاقات الثنائية ويؤسس لجيل جديد من الشباب المصريين القادرين على بناء جسور التواصل مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والعلمية في العالم.
وإذا كانت السياسة ترسم ملامح العلاقات بين الدول، فإن الثقافة تمنحها العمق والاستمرارية. وخلال العقود الماضية، شهد التعاون الثقافي بين البلدين تطورا نوعيا، تجسد في تنظيم الأسابيع الثقافية والمعارض الفنية والندوات الفكرية والمهرجانات وتبادل الفرق الفنية وترجمة الأعمال الأدبية، إلى جانب التعاون في مجالات الآثار والمتاحف والتراث الحضاري، وهي جميعها مبادرات أسهمت في تقريب المسافات بين شعبين يجمعهما تاريخ إنساني ممتد، ورؤية مشتركة تؤمن بأن التنوع الثقافي مصدر قوة وإثراء للحضارة الإنسانية.
كما يلعب الإعلام والترجمة والنشر والإنتاج الفكري المشترك دورا متزايدا في نقل صورة أكثر واقعية عن المجتمعين المصري والصيني وتصحيح كثير من الصور النمطية، بما يعزز مناخ الثقة والتفاهم. وفي الوقت ذاته، يفرض التحول الرقمي والثورة التكنولوجية تحديات وفرصا جديدة أمام التعاون الثقافي، فلم تعد المعرفة حبيسة القاعات الأكاديمية أو الكتب، وإنما أصبحت تنتقل في لحظات عبر المنصات الرقمية، وهو ما يستدعي تطوير آليات التعاون في مجالات التعليم الإلكتروني والترجمة الرقمية والبحث العلمي المشترك وإنتاج المحتوى الثقافي، بما يواكب متطلبات العصر ويحافظ في الوقت ذاته على الهوية الحضارية لكلا البلدين.
إن الاحتفال بمرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين لا ينبغي أن يقتصر على استحضار محطات الماضي، بقدر ما يمثل مناسبة لاستشراف المستقبل. فقد أثبتت التجربة أن العلاقات التي تبنى على الاحترام المتبادل وتبادل المنافع والحوار بين الحضارات، تمتلك القدرة على النمو والتطور مهما تغيرت الظروف الدولية. واليوم، ومع ما تشهده العلاقات المصرية- الصينية من تطور في إطار الشراكة الإستراتيجية الشاملة، تبدو الثقافة والتعليم والبحث العلمي أكثر أهمية من أي وقت مضى، باعتبارها الركائز التي تعد الإنسان وتصنع جسور التواصل بين الأجيال، وتدعم مسيرة التنمية المستدامة في البلدين.
ولعل الرسالة الأهم التي تقدمها التجربة المصرية- الصينية للعالم تتمثل في أن الحضارات العريقة لا تدخل في صراع، وإنما تلتقي حول القيم الإنسانية المشتركة وتتحاور بروح الاحترام والتكامل، وتسهم في بناء عالم أكثر أمنا واستقرارا وتوازنا. سبعون عاما مضت منذ أن التقت إرادة القاهرة وبكين على تأسيس علاقة دبلوماسية أصبحت اليوم إحدى أنجح نماذج التعاون بين دول الجنوب، وخلالها أثبتت الثقافة أنها لم تكن مجرد مكون من مكونات العلاقات الثنائية، بل كانت روحها النابضة والجسر الذي عبرت عليه المعرفة، وتوطدت من خلاله الصداقة وترسخت بفضله الشراكة الإستراتيجية.
ومن النيل إلى النهر الأصفر، لم تكن الرحلة مجرد انتقال بين ضفتي حضارتين عريقتين، بل كانت مسيرة من التعارف والاحترام والتعلم المتبادل، أكدت أن الأمم التي تمتلك حضارة راسخة وثقة في تاريخها تكون أكثر قدرة على بناء المستقبل. ومع دخول العلاقات المصرية- الصينية عقدها الثامن، تبدو الفرصة سانحة لمواصلة هذا البناء، ليس فقط عبر الاتفاقيات والمشروعات الكبرى، وإنما من خلال الاستثمار في الإنسان وتعميق الحوار الثقافي وتوسيع آفاق التعاون العلمي، حتى تظل الثقافة، كما كانت دائما، الجسر الأكثر رسوخا بين الشعبين، والضمانة الحقيقية لاستمرار شراكة تتطلع بثقة إلى المستقبل.
--
أ.د. حسن رجب، مدير معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية.
