تاريخ نظر البشر إلى السماء قديم قدم الحضارة نفسها. ففي أرض الصين القديمة، بدأ الصينيون القدماء منذ وقت مبكر مراقبة الظواهر السماوية بشكل منهجي، وربطوا حركة النجوم بمواسم الزراعة والتقويم وشؤون الحياة. فقد جاء في كتاب ((شانغشو "السجلات")): "ثم أمر الإمبراطور ياو أبناء عشيرتي شي وخه أن يلتزموا باحترام إرادة السماء، وأن يضعوا التقويم وفقا لحركة الشمس والقمر والنجوم، لينقلوا الفصول والمواسم إلى الناس بدقة وعناية." وفي شبه الجزيرة العربية البعيدة، كان البدو في الصحراء الشاسعة ينظرون أيضا إلى السماء المليئة بالنجوم، ويستعينون بها في تحديد الاتجاهات وتقسيم الفصول. كانت الاستكشافات الفلكية لهاتين الحضارتين كنهري نجوم تفصل بينهما مسافات شاسعة والتقيا في طريق الحرير، فأسهما معا في صياغة فصل رائع في معرفة البشر للكون.
في فترة أسرة سونغ الشمالية (960- 1127م)، ولدت في مدينة بيانجينغ (مدينة كايفنغ في مقاطعة خنان حاليا)، عاصمة أسرة سونغ الشمالية، معجزة تعد جوهرة علمية لعالم القرن الحادي عشر، ألا وهي محطة الرصد المدفوعة بالماء التي ابتكرها العالم الصيني سو سونغ.
لم يكن سو سونغ (1020- 1101م) سياسيا بارزا فحسب، وإنما أيضا كان عالما واسع المعرفة. في عام 1042، اجتاز سو سونغ الاختبار الإمبراطوري ليبدأ مسيرته في العمل الحكومي. شغل مناصب في حكومات محلية قبل أن يتولى منصبي وزير العدل ووزير شؤون الموظفين، وفي أواخر حياته تولى منصب رئيس الوزراء، غير أن ما خلد اسمه في التاريخ كانت إسهاماته البارزة في علم الفلك والهندسة والطب.
في عام 1086، أصدر البلاط الإمبراطوري أمرا بتطوير أدوات فلكية جديدة. في ذلك الوقت، كانت الأجهزة والمرافق القديمة في أسرة سونغ الشمالية بالية ومتداعية، وغير قادرة على تلبية متطلبات الرصد الدقيق. أدرك سو سونغ تماما أهمية هذه المهمة وصعوبتها، ولهذا كلف هان قونغ ليان، الذي كان ماهرا في علم الفلك والميكانيكا، بتشكيل فريق بحث وتطوير جمع أفضل الخبراء في ذلك الوقت. قام هان قونغ ليان أولا بإعداد الأسس النظرية للمشروع، وصنع نموذجا أوليا لعجلة خشبية لاختبار التصميم. وبعد سلسلة من الدراسات والمراجعات والتجارب المتكررة، تم اعتماد الخطة النهائية للمشروع.
في عام 1088، بدأ المشروع الرئيسي في بيانجينغ. بعد مرور أربع سنوات كاملة، وفي عام 1092، تم الانتهاء من بناء خشبي شاهق يبلغ ارتفاعه حوالي اثني عشر مترا وعرضه حوالي سبعة أمتار. وأعطى الإمبراطور تشاو شيوي، سابع أباطرة أسرة سونغ الشمالية، بنفسه اسما لهذا المرفق وهو "محطة الرصد المدفوعة بالماء".
جمعت هذه المحطة بين وظائف ضبط الوقت والمراقبة الفلكية والعرض الفلكي، وكانت في ذلك العصر أكثر المنشآت الميكانيكية تطورا في العالم وأعلاها مستوى من حيث تكامل التقنيات المستخدمة فيها. يتكون الهيكل الخاص بهذه المحطة من ثلاثة أجزاء: الطبقة العليا المخصصة لرصد الأجرام السماوية، حيث يمكن رفع السقف العلوي أثناء الرصد؛ الطبقة الوسطى المخصصة لعرض حركة الأجرام السماوية ومحاكاتها؛ والطبقة السفلى التي تحتوي على آليات الطاقة وآليات التوقيت والتنبيه، ومن خلال نظام دقيق لنقل الحركة يعتمد على التروس، ويربط بين الأجزاء الثلاثة، تحققت حركة متناسقة لمختلف مكونات الجهاز، مما مكنه من محاكاة حركة الأجرام السماوية وتشغيل أجزائه المختلفة بصورة متزامنة ودقيقة.
الطبقة السفلى التي في مقدمة محطة الرصد المدفوعة بالماء، هي جهاز قياس الوقت على شكل برج. في الطابق العلوي من البرج توجد ثلاثة دمى خشبية: دمية ترتدي ثوبا أخضر في الوسط تقرع الطبل عند حلول الوقت المحدد، ودمية ترتدي ثوبا أحمر على اليمين تدق الجرس، ودمية ترتدي ثوبا أرجوانيا على اليسار تدق آلة تشونغ التي يشبه شكلها الجرس الكبير مرة واحدة، وذلك للإعلان عن الوقت بدقة؛ الطبقتان السفليتان مخصصتان لحراس الليل، الذين يرفعون لافتات لعرض المواقيت ويقرعون آلة تشنغ، وهي نوع من آلات الإيقاع البرونزية، لإبلاغ الناس بوصول الوقت المحدد. يستخدم جهاز قياس الوقت بالكامل أكثر من 160 دمية خشبية صغيرة وأربعة أنواع من الآلات الموسيقية: أجراس وطبول وآلة تشونغ وآلة تشنغ. لم يقتصر دور هذا النظام على إظهار الساعة والدقيقة، بل كان يعلن أيضا عن لحظات الغسق والفجر وساعات الليل المختلفة.
تعمل محطة الرصد المدفوعة بالماء بقوة المياه، إلا أن دور الماء لم يقتصر على تدوير العجلات المائية فحسب، بل شكل أساس نظام ميكانيكي مبتكر يربط بين مختلف أجزاء المنشأة. فمن خلال تدفق المياه، كانت العجلات والتروس تدور بصورة منتظمة، مما يتيح تشغيل الأجزاء الثلاثة الرئيسة في تناغم تام، ومحاكاة حركة الأجرام السماوية بدقة. يرى العالم البريطاني الشهير جوزيف نيدهام (1900- 1995م) أن جهاز النقل الميكانيكي لمحطة الرصد المدفوعة بالماء، يشبه إلى حد كبير آلية الانفلات المستخدمة في الساعات الميكانيكية الحديثة، "قد يكون 'سلف' الساعة الفلكية الأوروبية في العصور الوسطى".
بعد الانتهاء من بناء محطة الرصد المدفوعة بالماء، خوفا من فقدان هذه التقنية الرائعة، أشرف سو سونغ على تجميع كتاب ((مبادئ تصميم الأجهزة الفلكية الجديدة "شين يي شيانغ فا ياو"))، الذي يتكون من ثلاثة مجلدات، ويحتوي على أكثر من ستين رسما هندسيا وشروح تفصيلية لتسجيل مبادئ البناء وأبعاد المكونات وطرق تجميع محطة الرصد المدفوعة بالماء. كما يتضمن هذا الكتاب أيضا خمس خرائط نجمية، سجلت 1464 نجما تم رصدها منذ فترة أسرة سونغ الشمالية، وكانت دقتها في ذلك الوقت غير مسبوقة في العالم. إن هذا المجلد الذي وصل إلينا عبر القرون، مكننا بعد آلاف السنين من التعرف على لمحة من بريق حضارة العلوم والتكنولوجيا في أسرة سونغ الشمالية.
الروح العلمية التي تحلى بها سو سونغ جديرة بالإعجاب بشكل خاص. فقد جاء في كتاب ((تاريخ سونغ· سيرة سو سونغ))، أنه خلال السنوات الثماني التي طور فيها محطة الرصد المدفوعة بالماء، "كلما حان وقت الإجازة، أغلق سو سونغ باب منزله ورفض استقبال الزوار، وكان يقضي اليوم كاملا مع هان قونغ ليان وغيره في دراسة الظواهر الفلكية وحساب التقويم." حتى بعد أن تجاوز السبعين من عمره، ظل يصعد بنفسه إلى المحطة ليفحص أجهزة الرصد. وكان يقول: "إذا حدث أقل خلل في قواعد صنع الأجهزة، فإنها لن تتوافق مع نظام دوران النهار والليل للكواكب والنجوم." وتجسد هذه الدقة المتناهية والسعي الدائم إلى الإتقان روحا علمية وحرفية رفيعة، كانت أحد العوامل المهمة التي مكنت العلوم والتقنيات في الصين القديمة من بلوغ مستوى متقدم على مستوى العالم في عصرها.
للأسف، لم يستمر وجود هذا الإنجاز الهندسي سوى أربعة وثلاثين عاما. في عام 1127، اقتحمت قوات أسرة جين مدينة بيانجينغ، ثم نقل محطة الرصد المدفوعة بالماء إلى مدينة يانجينغ (بكين الحالية). ونظرا لاختلاف خطوط العرض الجغرافية بين المدينتين، لم يعد هذا الجهاز يعمل بنفس الدقة التي كان يعمل بها، ولم يكن لدى أبناء أسرة جين معرفة بكيفية ضبطه وصيانته، ودمر الجهاز في نهاية المطاف خلال الحروب والاضطرابات. ولحسن الحظ، ظل كتاب ((مبادئ تصميم الأجهزة الفلكية الجديدة "شين يي شيانغ فا ياو")) محفوظا، وصار المصدر الوحيد للأجيال اللاحقة لإعادة بناء الجهاز. في عام 1958، أنجز فريق وانغ تشن دوه من متحف القصر الإمبراطوري أول نموذج معاد بناؤه بنسبة مقياس 1:5. وفي عام 2011، تم تشييد نسخة مقلدة كاملة الحجم تعمل بكفاءة في حديقة سوسونغ بمدينة تونغآن في مقاطعة فوجيان. كما أكمل متحف كايفينغ إعادة بناء نسخة مقلدة كاملة الحجم في عام 2018، ليعيد هذه "الجوهرة التكنولوجية العالمية" إلى النور مرة أخرى.
عندما كانت محطة الرصد المدفوعة بالماء تعمل في مدينة يانجينغ، كانت دار بيت الحكمة في بغداد البعيدة، في العصر العباسي قد مضى على إنشائها نحو أربعة قرون من أواخر القرن الثامن حتى أوائل القرن الثالث عشر الميلادي. قام العلماء في هذا المكان بترجمة وتصحيح كتاب ((المجسطي)) للعالم الإغريقي بطليموس، ودمجوا بشكل منهجي نتائج النظرية الفلكية اليونانية القديمة، وفي الوقت نفسه جمعوا بين التقاليد القديمة للشعوب الرعوية في شبه الجزيرة العربية في تحديد الاتجاه والوقت بواسطة النجوم، لتطوير نظام فلكي عربي مميز.
أكمل عبد الرحمن الصوفي (903- 986م) كتاب ((صور الكواكب الثابتة)) في عام 964، مسجلا 48 كوكبة يونانية قديمة من العصر البطلمي وحافظ على أسماء النجوم العربية القديمة. على سبيل المثال، يطلق العرب على كوكبة الدب الأكبر اسم "بنات نعش الكبرى"، وكوكبة كاسيوبيا تسمى "ذات الكرسي". اليوم، العديد من أسماء النجوم تعود أصولها إلى اللغة العربية: الدبران تعني "التابع"، وفومالهاوت تعني "فم الحوت"، ومصطلحات مثل سمت الرأس والنادر تأتي أيضا من اللغة العربية.
بدأت التبادلات الفلكية الصينية- العربية مبكرا على طول طريق الحرير. في أوائل فترة أسرة يوان (1279- 1368م)، تم نقل عمل الفلكي الفارسي كوشييار بن لبان الجيلي (971- 1029م) عن علم التنجيم إلى الصين. في عام 1382، أمر الإمبراطور تشو يوان تشانغ، المؤسس لأسرة مينغ (1368- 1644م)، بترجمة هذا العمل إلى اللغة الصينية، وبالفعل تمت ترجمته في العام التالي، وأطلق عليه اسم ((كتاب الفلك المترجم في فترة أسرة مينغ))، وتضمن هذا العمل لأول مرة ترجمة الأسماء العربية لخمس وعشرين كوكبة وكذلك درجات الإضاءة ودرجات الطول البروجي لثلاثين نجما. كما أدخل مفهوم "قدر لمعان النجوم" إلى الصين لأول مرة.
ومن المثير للاهتمام أن علم الفلك العربي يحتوي أيضا على مفهوم المنازل القمرية الثمانية والعشرين، والتي يطلق عليها العرب اسم "الأنواء"، وهي فكرة فلكية بسيطة لتوقع الأحوال الجوية وتقسيم الفصول بناء على صعود وسقوط نجوم محددة. على الرغم من أن أصل نظام المنازل القمرية الثمانية والعشرين في الحضارتين العظيمتين ليس واحدا، إلا أن هذا التشابه في أنواع التقسيم يعكس الحكمة الإنسانية المشتركة في محاولة فهم السماء المرصعة بالنجوم وتفسير حركتها عبر الثقافات المختلفة.
اليوم، بينما ننظر إلى السماء ليلا، لا تزال تلك النجوم المتلألئة تتبع المسار الذي رسمته قبل ألف عام. الدبران وفم الحوت ودنيب (من الكلمة العربية التي تعني "الذيل")، هذه الأسماء النجمية التي لا زلنا نستخدمها تروي بصمت قصة إسهامات علماء الفلك العرب. تعرض نسخة مقلدة لمحطة الرصد المدفوعة بالماء في كايفنغ وتونغآن وبكين، قمة التكنولوجيا الصينية في القرن الحادي عشر للعالم.
لم يكن فضول الإنسان ورغبته في استكشاف الكون منفصلين بحسب الجغرافيا والعرق والمعتقدات. السماء المرصعة بالنجوم التي كان ينظر إليها سو سونغ في بيانجينغ كانت في الأصل نفس السماء المرصعة بالنجوم التي لاحظها العلماء في دار بيت الحكمة في بغداد. هذا الفضول المشترك هو ما دفع الحكماء من الحضارات المختلفة إلى تسخير معارفهم لتفسير أسرار الكون، وللقاء والتواصل والتعلم من بعضهم البعض على طول طريق الحرير. تتقدم المعرفة من خلال المشاركة، وتزدهر الحضارة من خلال التبادل. إن مجرة درب التبانة المتلألئة تعكس مسار البشرية المشترك في الاستكشاف؛ وتشهد الاستفادة المشتركة لعلم الفلك على القيمة الأبدية للتعلم المتبادل بين الحضارات.
--
د. تشانغ يه، باحثة مساعدة في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.
