ثقافة وفن < الرئيسية

مطارات الصين

: مشاركة
2026-06-24 13:10:00 الصين اليوم:Source مي عاشور:Author

ظلال وخطوات وأصوات متداخلة، تجعلني أشعر بقدر من تشتت الانتباه. ولكن لأن المسافر وحده ينبغي أن يكون متيقظا، وخاصة وسط هذا الصخب، يجب تذكير النفس بأن في هذه المسافة البعيدة، ليس هناك رفيق آخر سوى النفس. عيناي يثقلهما النوم، ولكن يجب عليّ متابعة تفاصيل الرحلة التالية والتأكد من أنني موجودة في المكان الصحيح. أقرأ ما يكتب على الشاشة بتركيز وأتابع تغيرها السريع بنظرات متيقظة، وأعيد القراءة لأكثر من مرة للتأكد من أنني لم أر شيئا بالخطأ.

كان الليل قد انتصف عندما هبطت الطائرة في مطار تشنغدو. كنت أسير في المطار بخطوات مثقلة بقلق اكتشاف الأماكن الجديدة. فهذه هي المرة الأولى التي أمكث فيها وقتا طويلا في المطار بغرض "الترانزيت". ليست كل التجارب الجديدة والمؤثرة تحدث دائما في إطار مريح وسلس، ولكن بعضا منها يجلب دروبا مختلفة بعد قدر من التعقيد. في المطار، كان التفتيش الأول آليا بدون وجود موظف. كنت متجهة إلى مدينة لانتشو بمقاطعة قانسو، وكان عليّ البقاء في المطار لمدة سبع ساعات، فتجولت في المطار لتهوين ثقل الوقت. المطار كبير وبه العديد من الخدمات، تجولت في بعض المتاجر، لشراء طعام لأتناوله. وفجأة، أثقل جفوني النعاس وعرقل خطواتي التعب، فتوقفت لأخذ قسط من الراحة. كنت أحتاج لأغفو ولو لدقائق. جلست في ساحة الانتظار الموجودة أمام المتاجر، أحاول الخلود إلى النوم. لكنني وحدي هنا، ويطاردني هاجس ألا ألحق بالطائرة.

مضت ساعة أو أكثر، استيقظت مجددا. بدأ نور يلوح في الأفق يطل بين كتل الغيوم، من وراء الواجهة الزجاجية للصالة. عزمت على الذهاب إلى البوابة الخاصة لانتظار رحلتي إلى مدينة لانتشو، ولكنها لم تكن في نفس المكان، كانت في صالة أخرى، ركبت قطار النقل الداخلي الذي يتنقل بين صالات المطار، متجهة إلى هناك. ولكن عندما سألت في مكتب الاستعلامات، قيل لي إن البوابة لم تحدد بعد. انتظرت لبعض الوقت، ثم عاودت السؤال، فعلمت بمكان الصالة وبوابة الإقلاع.

ومن هنا بدأت رحلتي إلى لانتشو، التي فتحت لي أبوابا عديدة للتعرف على طريق الحرير وتاريخه العريق وثقافة مقاطعة قانسو، وكهوف موقاو التي تعد موسوعة للفنون البوذية، وبحيرة يوييا (الهلال) معجزة الصحراء، وممر جيايويقوان الحصين، ومعبد ماتي المتفرد، وغيرها من الأماكن الغنية بملامح الحضارة الصينية العريقة، وقد شاركت تجربتي في زيارتها مع القراء في سلسلة مقالات نشرت بعضها في مجلة ((الصين اليوم))، وغيرها من المواقع الإلكترونية والمجلات.

لا تحدث كل الاكتشافات دائما في البداية، ولكن قد تحدث أحيانا قرب نقطة الانتهاء. فعند توديع لانتشو، تعرفت على مطارها عن كثب، حين غادرت محل إقامتي بالمدينة واتجهت إلى المطار مبكرا، ووصلت إليه قرابة السادسة صباحا. كانت طائرتي في وقت الظهر، ما يعني أن لدي متسعا من الوقت. ولسبب ما، أردت تخفيف عبء حمل الحقائب، فقررت تسليم أمتعتي واتجهت إلى مكتب تسجيل الوصول، وبعدما راجع الموظف تذكرتي وجواز سفري، أخذ يجري عدة اتصالات، لم أفهم ماذا يجري، وقبل أن أبادر بالسؤال، سبقني هو، قائلا: "قد ألغيت الرحلة في هذا الموعد." ما يعني أنني لن ألحق بالرحلة التالية، والتي ستنطلق من سيتشوان إلى القاهرة. تجمدت في مكاني، ولكن سرعان ما تواصلت مع منظمي البرنامج الذي شاركت فيه، فنقلوا سفري إلى خطوط طيران أخرى. تم حل المشكلة، ولكن واجهتني مشكلة أخرى، وهي الانتظار لمدة اثنتي عشرة ساعة إضافية في المطار.

السفر فرصة للتعرف على العالم، والأكثر من ذلك، هو فرصة حقيقية للتعرف على الذات، يضعك الواقع في مواجهة مواقف مختلفة ويدفعك لتحدي مخاوفك، فتتضح الرؤى أمام عينيك وتكتشف قدراتك. لمعت أمامي المزيد من أسرار الثقافة الصينية في الساعات التي قضيتها في مطار لانتشو، اقتربت خطوة من الصين ورأيت أوجه التقدم في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

جلست بجوار الواجهة الزجاجية في صالة الانتظار، تنتقل عيناي بين النظر إلى المارة وساحات الإقلاع وهبوط الطائرات. خيوط الشمس شفافة ولماعة عند انعكاسها على الأشياء، كأنها أعمدة ضوئية بلورية غير مرئية مربوطة في السماء بخيوط شفافة. يلامس ضوء الشمس ملامحي، وأشعر براحة ما تنفذ إلى روحي. عندما تطلعت أمامي، وجدتني أجلس أمام مطعم للمأكولات المحلية المشهورة في لانتشو وغيرها من الأماكن في الصين. اشتهيت تناول "نيورو لاميان"، وهو حساء لانتشو الشهير باللحم والمعكرونة الصينية، طعمه لذيذ ومميز جدا، وهو طعام ابتكره مسلمو قومية هوي الصينية في فترة أسرة تشينغ (1644- 1911م). أتذكر أننا في لانتشو ذهبنا إلى مطعم مشهور بتقديم هذا الحساء. كما كانت هناك العديد من الأطعمة التي تشبه المأكولات المصرية، رأيت خبزا محشوا باللحم يسمى "روجياموه"، وهو طعام شهير في مقاطعة شانشي، ولفت نظري أنه يشبه "الحواوشي". وكذلك لا يغادر فمي مذاق الزبادي المحلي المرصع بالزبيب، ويتشابه مع الأرز بلبن في شكله وقوامه.

تناولت الطعام، ثم أمسكت بهاتفي للرد على بعض الرسائل، ولكن لم يكن مشحونا بشكل كاف. وعندما نظرت إلى جواري، لمحت أشخاصا يتحلقون حول جهاز، وعندما دنوت منهم وجدت أنه جهاز لشحن الهواتف مزود بشاشة وتخرج منه أسلاك عدة لتناسب الهواتف المختلفة، ويتم تشغيل هذه الخدمة عبر تطبيق ويتشات لنصف ساعة مجانا، وإذا أردت المزيد من الوقت يمكن دفع مبلغ رمزي.

أرهفت السمع إلى إعلانات تأجيل وإلغاء الرحلات بسبب تقلبات الطقس، أخشى أن تكون رحلتي من بينها. وبينما كنت أتجه نحو مكتب استعلامات المطار، لمحت صورتي تنعكس على شاشة كبيرة، رجعت بضع خطوات إلى الوراء، وحينها أدركت أنها شاشة للاستعلام عن تفاصيل ومعلومات الرحلات تعمل ببصمة الوجه، تظهر المعلومات عليها بمجرد أن تلتقط صورة بالكاميرا الموجودة فيها.

على امتداد الخطى، هناك مكتبة إلكترونية لاستعارة الكتب تشبه ماكينة بيع المشروبات الغازية والوجبات الخفيفة في المطارات ومحطات المترو والقطارات، مما يضمن وجودها في كل الأوقات. وكذلك كانت هناك أكشاك متعددة للترفيه ولغناء الكاريوكي والاستمتاع بالغناء منفردة بداخلها.

في مطارات الصين، لاحظت أيضا أنه للمرور عبر بوابة الصعود إلى الطائرة، تفتح البوابة تلقائيا بقراءة بصمة وجه المسافرين.

وفي رحلة أخرى إلى الصين بعدها بأشهر، أتيحت لي فرصة لزيارة منطقة شينجيانغ، وعندما وصلت إلى مطار أورومتشي، شعرت حقا أنني في شينجيانغ. المطار يعكس طابع المنطقة وثقافتها، حيث المنتجات المحلية من مأكولات وملابس وهدايا تذكارية مغلفة بشكل فريد ولطيف. وقد لفت نظري في الصين أن كل مطار ذهبت إليه يعكس روح المدينة أو المقاطعة التي يقع فيها، فالمطارات هي بوابة الدخول إلى المدن وواجهة لها، حتى أن العابرين منها ومسافري الترانزيت يمكنهم التعرف على ثقافة الصين، ولو بشكل خاطف، من خلالها؛ بداية من المطاعم ووصولا إلى التصميم المعماري لها. في مطار سيتشوان، هناك تماثيل وألعاب على شكل الباندا، لأن سيتشوان هي موطن الباندا في الصين. أما في شينجيانغ، فالمشغولات اليدوية المطرزة تردك إلى سنوات طويلة من التاريخ، وتجعلك تنتبه إلى سحر طريق الحرير وامتزاج الثقافات والفنون.

 لم تنته الكتابة عن الصين هنا، ببساطة لأن تفاصيل الحضارة الصينية ببريقها الملتمع، تفضي إلى تفاصيل غنية خاطفة، أشاركها مع الآخرين سواء بالكتابة أو التصوير.

--

مي عاشور، كاتبة ومترجمة من مصر.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4