ثقافة وفن < الرئيسية

مقاهي الشاي والقهوة.. عوالم مختلفة ودفء واحد

: مشاركة
2026-04-21 11:29:00 الصين اليوم:Source ليو جيان شيون:Author

في بكين، مع حلول شهر إبريل، يرحل الشتاء ويقبل الربيع. تتسلل أشعة الشمس الدافئة عبر أغصان الأشجار العتيقة في الأزقة، فترسم خطوطا من النور على عتبة أحد مقاهي الشاي العريقة. يرفع ستار باب البيت ثم يسدل، فيدخل مع ذلك عبق زهور الماغنوليا، بينما تظل عالقة في المكان رائحة الخشب القديمة لطاولات الشاي، التي تشبعت بما تسرب إليها من الشاي خلال مئات السنين. في إبريل، يحل موسم شاي "مينغتشيان"، وكلمة "مينغتشيان" تعني ما قبل "تشينغمينغ". شاي "مينغتشيان" هو الشاي الذي يقطف ويجهز قبل حلول تشينغمينغ؛ وهو أحد الأربعة والعشرين فصلا شمسيا في التقويم الصيني التقليدي. تكتنز هذه الأوراق الصغيرة النضرة مغذيات الشتاء بأكمله، مبشرة بقدوم الربيع بقمم براعمها الرقيقة.

"شاي مينغتشيان، أغلى من الذهب"، مقولة متوراثة في الصين منذ فترة أسرة تانغ (618- 907م). إنه نوع من الشاي عالي القيمة، ليس فقط لأن تجهيز نصف كيلوغرام منه يتطلب قطف عشرات الآلاف من البراعم الطرية، بكل ما يعنيه ذلك من جهد بشري ووقت ومواد خام، وإنما أيضا لأنه يحمل في طياته توقير الصينيين للفصول الشمسية وامتثالهم لها، وفهمهم لقوانين الطبيعة واتباعهم إياها. منذ فترة أسرة تانغ، كان شاي مينغتشيان يقدم كأفضل هدية إلى البلاط الإمبراطوري. وبعد مرور أكثر من ألف عام، لا يزال هذا التقدير لـ"أول نسمة ربيع" متأصلا بعمق في صميم الحياة اليومية للصينيين.

مقاهي الشاي ومقاهي القهوة.. وجهان للسكينة

في بكين قديما، كانت مقاهي الشاي متنوعة، فبعضها كان يضم حكائين يسردون فصولا من رواية ((الممالك الثلاث)) ورواية ((أبطال على شاطئ البحيرة))، وبعضها الآخر كان ملتقى للأدباء والمفكرين يتبارون في إلقاء الشعر والرسم. كان الجميع، من النبلاء وعامة الناس، لهم مكانهم فيها. وكانت مقاهي الشاي، في الواقع، فضاءات لانصهار مختلف طبقات المجتمع.

مقهى "لاو شه"، الذي يتربع في شارع تشيانمن الغربي ببكين، يحمل اسما له دلالة عميقة، فهو مستلهم من الأديب الصيني الكبير لاو شه ومسرحيته الخالدة ((مقهى الشاي)). على باب المقهى، يصدح صوت النادل، كما كان دائما: "تفضلوا أيها السادة.. ادخلوا بسلام!" وما إن تطأ قدماك هذا المكان الذي يفوح بعبق الأصالة، حتى تخال أن الزمن قد عاد بك إلى بكين في القرن الماضي. مع الطاولات المربعة وأكواب الشاي ذات الأغطية والمقاعد الطويلة وفناني "شيانغشنغ" (الحوار الكوميدي) على المسرح، أنت لست في مكان لتذوق الشاي فحسب، بل أيضا في متحف حي لثقافة بكين الأصيلة. في زاوية من المقهى، تلمح بعض المسنين متحلقين حول طاولة عليها أكواب من شاي مينغتشيان الطازج، تفوح رائحته في المكان. لا يتعجل الزوار تناول الشاي، بل يستمعون أولا إلى مقطع من شيانغشنغ. يقدم الفنانون على المسرح بعضا من المزاح الكلاسيكي، فتملأ المكان ضحكات وبهجة. بعد الانتهاء من الاستماع إلى العرض، يفتح البعض رقعة الشطرنج الصيني ويتنافسون في بضع جولات؛ فيما يدخل آخرون ومعهم أقفاص طيورهم المغردة، يحتسون الشاي ويتبادلون الخبرات في تربية الطيور. هذا المشهد متوارث منذ فترة أسرة تشينغ (1644- 1911م) حتى اليوم، لأكثر من ثلاثمائة عام.

إذا كانت مقاهي الشاي في بكين تعكس أصول عاصمة الصين وأجوائها المهيبة، فإن مقاهي الشاي في تشنغدو تحمل الطابع الخاص الذي تتميز به "أرض الوفرة" من حيث الراحة والهدوء والانطلاق. يرى بعض الباحثين أن ثقافة مقاهي الشاي المتأصلة في تشنغدو هي إحدى أبرز سمات هذه المدينة. ولعل مقاهي الشاي هي أكثر الأماكن التي يفضلها الناس لقضاء الوقت، ويمكن القول، من دون مبالغة، إنه لا يمكن للمرء أن يفهم تشنغدو حقا إلا بعد أن يدخل أحد مقاهي الشاي القديمة فيها.

هناك، في مكان آخر على ضفاف النيل، وفي زقاق عتيق بمدينة القاهرة، تلمح "قهوة الفيشاوي"؛ المقهى الذي يعود تاريخه إلى أكثر من قرنين من الزمان. منذ افتتاحه في عام 1773 وحتى اليوم، ظل هذا المقهى "أحفورة حية" للتاريخ والثقافة المصرية. يقال في بلاد العرب إن الحكايات الحقيقية تسمع في المقاهي. زبائن المقاهي، وهم في الغالب من الرجال، منهم من يدخن الشيشة ويناقش الأحداث الجارية، ومنهم من يجلس بهدوء ويطالع صفحات الجرائد. قبل عشرات السنين، كان الأديب المصري الكبير والحائز على جائزة نوبل في الأدب، نجيب محفوظ، يجلس دائما في زاوية هذا المقهى العتيق، يحتسي فنجان قهوته المركزة، ويتأمل المارة والناس. تلك الشخصيات الشعبية النابضة بالحياة في ثلاثيته الشهيرة ((بين القصرين)) و((قصر الشوق)) و((السكرية))، استلهمها من رواد هذا المكان تحديدا.

عوالم مختلفة وحضارتان.. دفء واحد

مقاهي الشاي في بكين وتشنغدو ومقاهي القاهرة، تبدو ظاهريا مختلفة كل الاختلاف: هنا يفوح عبق الشاي، وهناك تعبق رائحة القهوة الغنية. ولكن عندما نستقصي جوهرها، نجدها في الواقع تحكي قصة واحدة.. قصة عن الفضاءات العامة وعن الحياة الاجتماعية وعن الثقافة التقليدية وعن إيقاع الحياة البطيء.

المقاهي، سواء التي تقدم الشاي أو القهوة أو كليهما، هي مراكز للتواصل الاجتماعي. في مقاهي الشاي القديمة في بكين أو تشنغدو، تجمع الطاولات المربعة والكراسي الخيزرانية الصينية التقليدية الناس معا، بل وتتيح حتى للغرباء مشاركة نفس الطاولة. تعد مقاهي الشاي مقاصد مهمة للصينيين للتواصل والتفاعل الاجتماعي، فمقابل مبلغ زهيد من المال، يمكن للفرد أن يبقى لساعات أو حتى ليوم كامل، كما يمكنه إعادة ملء الأكواب بالماء الساخن مجانا، مما يوفر فضاء مثاليا للحياة العامة للناس العاديين. وفي قهوة الفيشاوي، تتراص الطاولات الصغيرة المستديرة بجانب بعضها البعض، ويمكن للزبائن الانضمام إلى النقاشات الدائرة في أي وقت. هذا التصميم المكاني يزيل المسافات بين الناس.

المقاهي محاور لتبادل المعلومات، بل وأماكن يستلهم فيها الأدباء أفكارهم. وفيها يتبادل الناس الأخبار والتجارب ويناقشون شؤون البلاد، ويتساءلون عن أحوال بعضهم البعض. يسعد الزبائن الأكبر سنا بمناقشة أعمال أبنائهم، حيث يسعون للتوفيق بينهم ويتناقلون الأخبار فيما بينهم. كما يحب الأدباء الشباب الاجتماع والكتابة في المقاهي.

المقاهي حاملات مهمة للتراث الثقافي. الصين ذات تاريخ يمتد لآلاف السنين في شرب الشاي، جعلت من ثقافة الشاي منذ زمن بعيد جزءا لا يتجزأ من الثقافة الصينية التقليدية. يعتمد فن شيانغشنغ في بكين وأوبرا سيتشوان في تشنغدو على مقاهي الشاي للانتقال من جيل إلى جيل، بينما يعد فن إعداد الشاي في حد ذاته استمرار لمهارة عريقة. وفي مقاهي القاهرة، يتوارث الضيوف تقليد النقاش السياسي وتبادل الأفكار الأدبية عبر الأجيال، في أجواء دخان الشيشة المتصاعد ونكهة القهوة المركزة.

الأهم من كل ذلك، أن المقاهي هي ملاذات لإيقاع "الحياة البطيئة". في عصرنا الحالي، تهيمن السرعة والكفاءة والإيقاع السريع على حياة الناس اليومية، بينما لا تزال المقاهي متمسكة بإيقاعها البطيء. في مقاهي الشاي بالصين، يمكنك أن تمضي نصف يوم كامل أو حتى يوما بأكمله، تحتسي إبريقا من الشاي بهدوء وتأن. في مقاهي القهوة، يمكنك أيضا أن تقضي ساعات، تحتسي فنجانا من القهوة ببطء، وتتحدث في السياسة والأدب، أو حتى تتبادل أطراف الحديث عن الطقس مع الآخرين. هذا الإيقاع البطيء ليس كسلا، بل هو نوع من الاحترام للحياة، يتيح لك أن تبطئ الخطى بل وأن تتوقف قليلا.

ثقافة الشاي الصينية ليست معروضات في المتاحف، ولا معرفة في بطون الكتب، بل هي حياة يومية نابضة بالحياة. إنها تخبرنا ببساطة أنه مهما بلغت سرعة تغير العالم، يمكننا دائما أن نتوقف قليلا، لنحتسي فنجانا من الشاي، ونستمع إلى مقطع من شيانغشنغ، ونستمتع بلحظة من السكينة. وكذلك، تخبرنا مقاهي القاهرة، بطريقتها الخاصة، عن قصص حياة أهل القاهرة.

--

ليو جيان شيون، باحث متدرب في قاعدة أبحاث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية والأجنبية بمعهد بحوث كونفوشيوس في مدينة تشيويفو بمقاطعة شاندونغ.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037

互联网新闻信息服务许可证10120240024 | 京ICP备10041721号-4