يشهد العالم حاليا تغيرات غير مسبوقة، بينما تشهد الصين التغيرات الأكبر والأكثر في تاريخها. فمنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في منتصف القرن العشرين، حققت هذه الدولة الواقعة في شرقي آسيا، والتي كانت آنذاك فقيرة ومتخلفة ويبلغ عدد سكانها الآن أكثر من 4ر1 مليار نسمة نموا مذهلا، وأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
أحدثت سياسة الإصلاح والانفتاح، التي بدأ تنفيذها في عام 1978، إنجازا عظيما غير مسبوق في تاريخ تحديث الصين، وفتحت فصلا جديدا في تاريخ الصين. لم يسهم الإصلاح والانفتاح في إحداث تغيير كبير في مسيرة التنمية في الصين فحسب، وإنما أيضا في تغيير مسيرة التنمية في تاريخ العالم إلى حد كبير. اقتصاديا، خلقت الصين معجزة في تاريخ التنمية الاقتصادية العالمية. وفي ظل التطور السريع للاقتصاد الوطني، تحسنت أيضا مستويات معيشة سكان الحضر والريف في الصين بشكل كبير، ليس لحل مشكلة الغذاء والكساء التي ابتليت بها الصين لآلاف السنين فقط، ولكن أيضا تدخل بثبات مرحلة الحياة الرغيدة على نحو شامل. ومن المنظور الدولي، بدأت الصين تدخل مصاف الدول المتوسطة التقدم.
تجتذب الصين، التي تشهد صعودا سريعا، انتباه العالم، حيث لم تصبح مركزا لاهتمام العالم فحسب، وإنما أيضا أصبحت محورا لمناقشات الرأي العام العالمي. ومن بين الموضوعات المهمة التي تثير الاهتمام والنقاش يبرز سؤال أساسي: ما سر معجزة تحديث الصين؟ وبعبارة أخرى، ما هو السر وراء نجاح الصين في المحافظة على الاستقرار الأساسي للنظام الاجتماعي مع تحقيق تحول التحديث الاقتصادي؟ في الواقع، أصبح "لغز تنمية الصين" أو "لغز نجاح الصين" موضوعا محوريا يشغل اهتمام العديد من الأشخاص في المجتمع الدولي.
يقدم كتاب ((كيف تُحكم الصين؟ طريق تحديث منظومة حوكمة الصين)) لعالم السياسة المشهور يوي كه بينغ حلا لما يعرف بـ"لغز تنمية الصين". وباعتباره جزءا مهما من سلسلة كتب "فهم الصين"، يشرح هذا الكتاب مسيرة تطور تحديث حوكمة الدولة للصين بشكل منهجي من وجهة نظر أكاديمية محكمة وتفكير منطقي واضح، مما يتيح للقراء فهما كاملا لمنظومة حوكمة الصين المعاصرة. يتمتع هذا الكتاب بقيمة أكاديمية ودلالات واقعية مهمة.
يعد تحديث حوكمة الدولة هدفا عاما لتعميق الإصلاح في الصين على نحو شامل، كما يمثل مدخلا حاسما لفهم مسار تنمية الصين. تتمحور موضوعات هذا الكتاب حول أربعة أسئلة رئيسية، وهي: كيف يحقق إصلاح الصين نجاحا؟ وكيف تمارس الصين الحوكمة؟ وما هي خصائص نمط حوكمة الصين؟ وما هي النقاط المهمة لإصلاح حوكمة الصين في المستقبل؟ تتعمق هذه الأسئلة تدريجيا لتقديم إرشاد واضح لتنظيم العلاقات الداخلية ضمن منظومة الحوكمة، وتسهم في تحويل مفاهيم الحوكمة المجردة إلى ممارسات مؤسسية قابلة للمعرفة والفهم.
إطار التحليل المزدوج لـ"الأنظمة والإستراتيجيات"
يعرض هذا الكتاب الملامح الكاملة الواضحة لمنظومة حوكمة الصين من خلال جزأين، وهما "الأنظمة الأساسية" و"إستراتيجيات الحوكمة". وإذا كان الجزء الأول يركز أكثر على الإطار السياسي الأساسي، فإن الجزء الثاني يركز على العمليات السياسية أكثر، حيث يتم دمج الاثنين معا لتشكيل منظومة حوكمة الدولة المعاصرة الدائمة التحسن والتطور منذ تبني سياسة الإصلاح والانفتاح.
يتضمن جزء "الأنظمة الأساسية"، نظام الأحزاب السياسية في الصين ونظام مجلس نواب الشعب ونظام التشاور السياسي والنظام التشريعي والنظام الإداري والنظام القضائي ونظام الحكم الذاتي ونظام الدفاع الوطني، وغيرها. ينظم الكاتب أساس حوكمة الصين بشكل منهجي، من نظام التعاون المتعدد الأحزاب والتشاور السياسي تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني إلى نظام مجلس نواب الشعب الذي يعد النظام السياسي الأساسي في الصين، ومن منظومة ممارسة السلطات التشريعية والإدارية والقضائية إلى أنظمة الحكم الذاتي للوحدات القاعدية والحوكمة الاجتماعية، ثم إلى الأمن الوطني والدفاع الوطني والشؤون الخارجية وغيرها من التصميم على المستوى الأعلى، وكل هذه الأنظمة لا ينفصل بعضها عن البعض، بل تشكل بنية مترابطة يرتبط بعضها بالبعض ويتعاون بعضها مع البعض. واهتم الكاتب بمنهجية وشمول أنظمة الحوكمة الصينية، مما يكشف التفوق الجوهري للأنظمة والمتمثل في "الوحدة العضوية بين قيادة الحزب وسيادة الشعب وحوكمة الدولة وفقا للقانون"، وإن هذا التفوق يجعل الصين تحافظ على كفاءة مستقرة وفاعلية في مواجهة التحديات المعقدة.
يتضمن جزء "إستراتيجيات الحوكمة"، الانتخابات وسيادة القانون والمشاركة واتخاذ القرار والمساءلة وتقديم الخدمات والشفافية والمراقبة. في هذا الجزء، يركز الكتاب على آليات ممارسة الحوكمة، ويعرض التحول العميق من "الإدارة" إلى "الحوكمة". ويبرز الفرق الجوهري بين المفهومين، حيث أن الإدارة التقليدية تتمحور حول سيطرة الحكومة بوصفها طرفا أحاديا في عملية صنع القرار، أما الحوكمة الحديثة، فتؤكد على المشاركة المتعاونة وضمان حكم القانون وصنع القرار عن طريق علمي للكيانات المتعددة. من الممارسة المنتظمة للانتخابات الديمقراطية إلى التعميق الشامل لحوكمة الدولة وفقا للقانون، ومن التطبيقات الواسعة للديمقراطية التشاورية إلى بناء حكومة خدمية، ومن توفير الخدمات العامة للجميع إلى دفع الحوكمة الاجتماعية لتكون أكثر دقة، تتمحور إستراتيجيات الحوكمة الصينية حول "التركيز على الشعب" مع الاهتمام بالفعالية والمساواة وبالاستقرار والنشاط معا.
الجمع بين الخصائص الصينية والرؤية العالمية
يشرح الكتاب منطق الحوكمة انطلاقا من الظروف الخاصة للصين، كما يرد على شواغل المجتمع الدولي المتعلقة بسؤال: ما السر وراء نجاح الصين في المحافظة على الاستقرار الأساسي للنظام الاجتماعي مع تحقيق التحديث الاقتصادي؟ وفي هذا الإطار، يحلل الكتاب خصائص نمط الحوكمة للصين والتي تشتمل على الهياكل المتعددة الأطراف للحوكمة بقيادة المنظمات الحزبية والإصلاح الإضافي للأنظمة الجديدة على أساس الأنظمة القديمة وإستراتيجيات الحوكمة المتمثلة في استخدام النماذج الرائدة لتعميم التجارب الناجحة في المنطقة كلها. هذه الخصائص ليست من دون أساس، بل هي متجذرة في تاريخ الصين وثقافتها وبنيتها الاجتماعية ومرحلتها التنموية.
في الوقت نفسه، يشير الكتاب إلى أن تحديث الحوكمة في الصين ليس مسارا منغلقا يدور في إطار ذاتي، بل يستفيد من ثمار الحضارة السياسية الممتازة للبشرية، ويتقاطع مع العالم في قيم الديمقراطية وسيادة القانون والإنصاف والعدالة، مما يجسد مفهوم الحوكمة المتميزة بالانفتاح والتسامح. وتكسر هذه التحليلات الموضوعية والعقلانية الانطباعات النمطية للدول الأخرى تجاه الحوكمة الصينية، بل وتبني جسرا أكاديميا للتبادلات بين الصين والدول الأخرى.
وفي خاتمة الكتاب، يقدم الكاتب الجوانب الستة لتعزيز تحديث منظومة الحوكمة وقدرة الحوكمة للدولة، ألا وهي: أولا، تحرير العقل بشكل أكبر والسعي لكسر قيود المفاهيم القديمة التي عفا عليها الزمن. ثانيا، تعزيز التصميم على المستوى الأعلى والتخطيط الإستراتيجي لتحديث منظومة الحوكمة للدولة. ثالثا، تلخيص تجربة إصلاح الحوكمة المحلية والابتكار، ورفع مستوى ممارسات ابتكار الحوكمة المحلية المتميزة إلى أنظمة وطنية. رابعا، يجب ألا نرث ونمضي قدما في تجربة حوكمة الدولة التقليدية في الصين فحسب، وإنما أيضا أن نتعلم ونستفيد من الخبرة المتقدمة لحوكمة الحكومات والحوكمة الاجتماعية الأجنبية. خامسا، إزالة حواجز النظام والآليات التي تعيق التقدم الاجتماعي، وإقامة وتحسين منظومة الحوكمة الحديثة للدولة والتي تلبي متطلبات التحديث الاشتراكي ذي الخصائص الصينية. سادسا، التخلص من التأثيرات السلبية للتمحور حول البيروقراطية.
وفي ظل دفع التحديث الصيني النمط على نحو شامل، فإن فهم منظومة الحوكمة الوطنية هو فهم ماضي الصين وحاضرها ومستقبلها. كتاب ((كيف تُحكم الصين؟ طريق تحديث منظومة حوكمة الصين)) ليس مجرد مؤلف أكاديمي، بل مفتاح يحل لغز حوكمة الصين، ويجعلنا نفهم أن تحديث حوكمة الصين لا يُنجز دفعة واحدة، بل يمر بعملية استكشاف مستمر في الممارسات وإكمال مستمر في الإصلاحات، كما يجعلنا نعي أن "حوكمة الصين" تجسد التفوقات المؤسسية بشكل مستفيض والارتفاع المستمر للقدرة على الحوكمة والدفاع الحازم عن مصالح الشعب.
سواء كنت باحثا يريد معرفة عميقة عن منطق تنمية الصين أو قارئا عاديا يرجو أن يفهم تغيرات مجتمع الصين، فإن هذا الكتاب يستحق القراءة بدقة، لأنه يعرض الاتجاه الحتمي لتنمية الصين، ويجعلنا مفعمين بالثقة لمستقبل تحديث حوكمة الدولة.
