ثقافة وفن < الرئيسية

تطريز بكين: فن الإبرة والخيط

: مشاركة
2020-05-19 15:37:00 الصين اليوم:Source جياو فنغ:Author

التطريز حرفة يدوية تقليدية لها تاريخ طويل في الصين. منذ فترة أسرة هان (206 ق.م - 220 م)، كانت الفتاة تبدأ تعلم مهارة التطريز منذ الصغر. كانت قطع القماش المطرزة يدويا توجد في كل ركن بالمنزل تقريبا؛ بدءا من الأشياء الصغيرة مثل حقائب العطور والمناديل ونعال الأحذية، إلى الحاجات واللوازم الكبيرة مثل الستائر والجداريات المتحركة العازلة ومعلقات الجدران والمفروشات والملابس وأدوات الزينة للبالغين والأطفال. قد تبدو كل قطعة عادية وبسيطة، ولكنها تحتوي على تصاميم مزخرفة بخيوط التطريز مما يجعل منها لوحة مليئة بالزخارف الجميلة. ونتيجة لذلك، كانت قدرة المرأة على التطريز أو افتقارها لهذه المهارة، معيارا لقياس براعتها.

تطريز بكين، أو ما يسمى بـ"جينغشيو"، هو المصطلح العام الذي يشير إلى المطرزات المصنوعة في مدينة بكين، والتي تتميز بسمات محلية مميزة. تعود بدايات تطريز بكين إلى القصر الإمبراطوري، لذا يسمى أيضا بـ"تطريز القصر". وقد وصل هذا الفن إلى ذروته خلال فترة أسرتي مينغ وتشينغ (1368- 1912). إن النمط الرائع والأنيق لتطريز القصر (فن تطريز بكين) هو شكل فريد من نوعه من فنون التطريز بالصين، ويحظى بتقدير وقيمة عالية لهواة جمع التحف. في عام 2014، تم إدراج تطريز بكين في قائمة الدفعة الرابعة للتراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني في الصين.

فن نشأ في القصر

نشأت أنماط التطريز القديمة في جميع أنحاء منطقة بكين، من تطريز يسمى "مخدع النساء"، وتطريز القصر. تطريز "مخدع النساء"، كان أحد أشكال التطريز الشعبي الذي تقوم به النساء العاديات في منازلهن. أما تطريز القصر فكان مخصصا فقط لتزيين القصر، وللإمبراطور ونساء القصر والنبلاء. بدأ تطريز القصر، في دار التطريز في يانجينغ، بكين حاليا، في فترة أسرة لياو (916- 1125). في وقت لاحق خلال فترة أسرة مينغ (1368- 1644)، أصبحت السمات الخاصة لتطريز القصر بما في ذلك تقنيات الخياطة واستخدام المواد والتصاميم أكثر تميزا، بفضل الزيادة السريعة في عدد الحرفيين العاملين بالتطريز. العصر الذهبي لتطريز القصر كان خلال فترة أسرة تشينغ (1644- 1912)، حيث زاد انتشاره وأصبحت التقنيات الفريدة لتطريز القصر مستخدمة على نطاق واسع بين الفنانين المحليين في بكين. وفي سنوات ضعف أسرة تشينغ خاصة، ظهر العديد من متاجر التطريز في بكين، مرورا بالعديد من تقنيات الإبرة والخيط وفنون تطريز القصر، وخلال هذه المرحلة أُدرجت موضوعات مستوحاة من الحياة الشعبية والأمور اليومية في أنماط التطريز. منذ ذلك الحين، تم دمج نمطي تطريز "مخدع النساء" وتطريز القصر معا، ليشكلا فيما بعد ما يُعرف بـ"النمط الفريد لتطريز بكين". في مقابلة صحفية، قال تيان بينغ، وهو وريث من الجيل الخامس لفن تطريز بكين، إنه نظرا لأن تطريز بكين تم إبداعه خصيصا للقصر، فإنه يتميز بمواد دقيقة للغاية وقوام فاخر وتصاميم رائعة وأنماط فخمة جميلة وألوان أنيقة. إن هذا الفن عامر بالزخارف بطبيعته، ويحتوي على مجموعة متنوعة من التقنيات، ويجسد مهارة حرفية رائعة، وكل تلك العناصر تمثل الثقافة المحلية لبكين.

تعكس موضوعات فن تطريز بكين في الغالب، الثقافة الصينية التقليدية، مع التمسك بمبدأ أن جميع الصور لها معنى رمزي وجميع الأنماط تجسد السعادة والحياة الميمونة. المطرزات سواء لمناظر طبيعية أو زهور أو طيور أو حيوانات متجولة أو رموز الحظ البوذية، كل موضوعاتها لها معنى ضمني ميمون.

على سبيل المثال، صنع رداء إمبراطوري من اثني عشر رمزا بتطريز بكين يتبع قواعد صارمة. كانت تصاميم الزينة الإمبراطورية الاثني عشر رمزا للمنزلة العالية في الملابس الرسمية في الصين الإمبراطورية، وكان بإمكان الإمبراطور فقط ارتداؤها. وكانت تحتوي على تطريزات تمثل الشمس والقمر والنجوم وسلاسل الجبال والتنين وطائر الدراج الذهبي، وما إلى ذلك. على الرغم من اختلاف الرموز الإمبراطورية الاثني عشر إلى حد ما في فترات الأسر الإمبراطورية المختلفة، فإن المعنى الميمون الضمني كان نفسه في كل الفترات. كل عنصر مزخرف يمثل جانبا من عهد الإمبراطور، وكذلك المُثل العليا التي كان الناس في ذلك العهد يسعون إليها. على سبيل المثال، تمثل الشمس والقمر والنجوم الطموح، ويمثل الدارج الذهبي المواهب الأدبية، وتمثل التنانين التسعة أرقام الحظ بالنسبة للإمبراطور، بينما تمثل تصميمات الأمواج الاتحاد التام.

استخدام الرموز للتعبير عن رغبة الإمبراطور يتطلب أن يكون التصميم ذا طابع جمالي، وأن يكون النمط أنيقا ومنظما، وذلك لإظهار العقل الراجح للأسرة الحاكمة. قال تيان بينغ: "هذه هي الخاصية الفريدة لتطريز بكين."

بالإضافة إلى المعنى الضمني الميمون، يظهر تصميم تطريز بكين تحديد هوية الشخص الذي يرتدي الملبس ووضعه الاجتماعي، وهذا ينطبق بشكل خاص على الألبسة المصنوعة في أسرة تشينغ، والتي كانت تفاصيل تصاميم وألوان الملابس فيها موحدة للغاية.

نأخذ على سبيل المثال التصميم المطرز المربّع الذي يزين الجزء الأمامي والخلفي من الرداء الرسمي، حيث تمثل الطيور المطرزة على ملابس المسؤولين المدنيين المواهب الأدبية، بينما تمثل الحيوانات التي تبدو متحركة التي تزين ملابس المسؤولين العسكريين، شجاعتهم. تقسم التصاميم على الرداء إلى تسعة صفوف مختلفة، تمثل مستوى منصب كل مسؤول. يزين ملبس أكبر مسؤول مدني بطائر الكركي المتوج الأحمر، في حين يزين ملبس أكبر مسؤول عسكري بـ"تشيلين"، وهو حيوان خرافي ميمون يشبه التنين الصيني. كان كل تصميم بأشكال الطيور والحيوانات قطعة رائعة من المطرزات المزخرفة تظهر منزلة من يرتديه.

الألوان الرئيسية في التطريز البكيني تشمل الأخضر والأصفر والأحمر والأزرق والأرجواني، وكل منها يحمل معنى ضمنيا محددا. الأصفر، على سبيل المثال، يمثل السلطة، وبالتالي كان يرتديه الإمبراطور والعائلة الحاكمة فقط. الأحمر يمثل الاحتفال، والأزرق يمثل النبلاء، وكان يرتديه في الغالب مسؤولو البلاط الإمبراطوري. كان تصميم تطريز بكين مختلفا أيضا عن التصميمات الأنيقة البسيطة للتطريز في جنوبي الصين، مما أظهر نمطا زخرفيا قويا جدا وفخما وأنيقا وراقيا.

أسرة بارعة في تطريز بكين

ولد تيان بينغ في عائلة تمتهن فن تطريز بكين. عمل أحد أجداد أمه في "مصلحة التطريز" للمدينة المحرمة خلال فترة أسرة تشينغ، حيث قام بتطريز ملابس إمبراطورية للإمبراطور. وفقا للسيد تيان، كان جميع الحرفيين الذين يقومون بالتطريز في القصر الإمبراطوري في العصور القديمة من الذكور، وكان التقليد في ذلك الوقت هو أن المهارة تنقل وتورث فقط إلى أفراد الأسرة الذكور. والسبب في ذلك هو خشية الناس من فقدان الأسرة للمعرفة ومهارة الحرفة بعد زواج بناتهم. عقد جد تيان العزم على توريث الحرفة إلى ابنيه- خاليّ تيان- ولكن ابنته، أم تيان، أبدت عشقا لهذه الحرفة منذ نعومة أظفارها فتعلمت كيفية القيام بالتطريز المعقد بمفردها. كان إبداع وإصرار ليانغ شو بينغ، والدة تيان، هو الذي كسر التقاليد القديمة المتوارثة طويلا المتمثلة في نقل المهارات إلى أفراد الأسرة الذكور فقط، وأصبحت تلك الفتاة حينذاك وريثة الحرفة اليدوية للعائلة.

في عام 2000، طلب متحف القصر من ليانغ شو بينغ عمل نسخ طبق الأصل من مطرزات قصر "كوننينغ"(الطمأنينة الأرضية)، الذي كان مقر إقامة الملكة خلال فترة أسرة مينغ، ولكن تم تحويله فيما بعد إلى مكان لتقديم القرابين الكبرى وقاعة زفاف لحفلات الزفاف الكبرى لأباطرة أسرة تشينغ. وقد أمضت ليانغ شو بينغ، بمساعدة فريق من العمال الحرفيين، ثلاث سنوات كاملة لإنهاء النسخ المتماثلة للعناصر والتفاصيل المختلفة المستخدمة في حفل زفاف الأباطرة، مثل ستائر الزفاف. النسخ المتماثلة معروضة حاليا في قصر " الطمأنينة الأرضية"، لمساعدة الزوار على فهم أفضل لما كانت عليه الحياة داخل القصر خلال فترة أسرة تشينغ. السبب في أن إنجاز المطرزات للنسخ المتماثلة استغرق ثلاث سنوات، هو أن أسلوب التطريز البكيني مفعم بالتفاصيل، ويتطلب إكمال عمل بحجم يد الإنسان أكثر من عشرة آلاف غرزة.

بسبب تأثره الشديد بشغف والدته بمواصلة حرفة التطريز التقليدية، ولد داخل تيان أيضا إعجاب وحب شديد بتطريز بكين في سن مبكرة. في عام 2009، بعد أن عمل لفترة قصيرة بعد التخرج في الجامعة، قرر تيان الاستقالة من منصبه في ذلك الوقت، وعاد إلى مسقط رأسه لتعلم تطريز بكين من والدته. قال تيان: "كان تطريز بكين جزءا من طفولتي. لقد ربتني أمي بهذه الحرفة. أتمنى الآن أن أنقل حرفة العائلة إلى الجيل القادم."

وفقا للسيد تيان، فإن النسيج المستخدم في حرفة تطريز بكين هو أساسا من الحرير الخالص. أولا، يصنع المصمم مسودة رسم (نموذج أولي)، ثم يتم وضع مسودة تطريز بنفس الحجم بناء على ذلك. تركز مسودة التطريز بشكل أساسي على رسومات التطريز الدقيقة والخطوط الواضحة التفصيلية. ثم تُستخدم الأدوات لعمل ثقوب للغرز مباشرة على مسودة التطريز، وبعد ذلك يتم وضع الرسم مع الثقوب النهائية مرة أخرى على القماش. بعد ذلك، يتم تغطية النموذج الأولي بنوع خاص من القماش كغلاف أو بطانة، وبعد ذلك تغرز البطانة مع القماش عبر الثقوب، ويتم تشكيل النمط الذي سيتم إكماله بالتطريز على القماش. ثم يتم تثبيت القماش في مكانه، ثم يتم تصنيع لون الخيوط والتطريز وفقا لتصميم المسودة.

أنواع الخيوط المستخدمة في تطريز بكين تشمل خيوط الحرير غير الملتوية وكميات كبيرة من الخيوط الذهبية والفضية. وفي بعض الأحيان، تُستخدم الأحجار الكريمة الثمينة أيضا كأنواع من الزينة حسب طلب العائلة المالكة. يستخدم في القطعة المطرزة عادة مزيج من أنواع مختلفة من تقنيات الخياطة، مما يمنح التصميم بالكامل تأثيرا فنيا فريدا. أكثر تقنيات التطريز التي تمثل تطريز بكين هي تقنية تعرف بتطريز "بينغجين داتسي" أو غرزة البذرة. عند القيام بالتطريز، يقوم الحرفي بلف خيوط ذهبية حول طرف الإبرة لتشكيل عقدة دائرية بحجم البذرة. يتم إنجاز العمل بالكامل بهذه النقاط الشبيهة بالبذور، مما يجعل الموضوع أكثر حيوية. المهارة الموضحة في صنع كل قطعة من تطريز بكين تمثل النمط الإمبراطوري، حيث تتغلغل وتتجسد قوة الإمبراطور في كل خيط من خيوط التطريز.

دمج التقاليد القديمة مع أنماط الحياة الحديثة

في نظر تيان، فإن والدته ليست مجرد محافظة على الفنون التقليدية القديمة، فقد بدأت في تدريب الراغبين مجانا وإنشاء ورشة للتطريز خلال ثمانينات القرن الماضي. قال تيان: "الجهود التي بذلتها والدتي لم تساعد في إضفاء الطابع الرسمي ورفع مستوى عملية صنع تطريز بكين فحسب، وإنما أيضا ساعدت في إنشاء أشكال جديدة من هذا التطريز الفريد من نوعه." طورت والدته تطريزا ثلاثي الأبعاد، وبفضل ذلك حصلت على شهادة براءة اختراع نموذج منفعة. بفضل جهودها، هناك أكثر من ألف نوع من منتجات تطريز بكين حاليا. قال تيان: "بفضل مهارة والدتي، تم وضع أساس جيد لصنع قطع أكثر ابتكارا في هذا المجال".

لم يتوقف تيان عن التعلم من والدته ومن الآخرين. فقد شارك هذا الشاب في العديد من أنواع التدريب وحضر دروسا في العديد من المعاهد والجامعات الشهيرة بما في ذلك معهد بكين لتكنولوجيا الموضة وأكاديمية الفنون والتصميم في جامعة تشينغهوا وفي جامعة تيانقونغ.

قال تيان: "من كل تجربة تعليمية وتدريبية، اكتسبت إلهاما لكيفية دمج تطريز بكين التقليدي مع الملابس الحديثة، والمحافظة على العناصر الأساسية للفن التقليدي مع إعطائه مظهرا عصريا." وأضاف: "يجب أن ننقل هذا الفن الإمبراطوري القديم إلى حياة الناس الحديثة." بالإضافة إلى ذلك، تعاون تيان أيضا مع مؤسسات التعليم العالي، مما مكنه من تحقيق المزيد من الابتكارات في منتجات تطريز بكين.

في أكتوبر 2019، طلب أستاذ بجامعة تشينغهوا، من تيان صنع عمل مطرز لتقديمه هدية لمستشار فرنسي في الجامعة. قام تيان بصنع قطعة مطرزة يدويا بزهرة السوسن بأسلوب تطريز بكين؛ وأطلق على تلك القطعة الفنية اسم "آليس السعيدة" أي "زهرة السوسن السعيدة"، لأن زهرة السوسن تسمى "آيريس" بالفرنسية، وهي الزهرة الوطنية في فرنسا. قال تيان: "استخدمت المهارات الصينية التقليدية لإكمال هذا العمل الفني، ولكن المنتج النهائي كان مزيجا من الثقافة الصينية والغربية. إنها طريقة ذات مغزى لتعريف المزيد من الأجانب بالثقافة الصينية."

في يناير من هذا العام، شارك مقدم برامج تلفزيونية من مقاطعة هونان بوسط الصين في برنامج في بولندا عرض خلاله طائرة ورقية مطرزة من صنع تيان. تطريز بكين والطائرة الورقية كلاهما من التراث الثقافي غير المادي في الصين. كانت هذه هي المرة الأولى التي شارك فيها تيان في مثل هذا النشاط المتعدد الثقافات. إن الطائرة الورقية المزينة بتطريز بكين، والتي أبدعها تيان مع العناصر الثقافية البولندية، قد أدهشت الجمهور البولندي بجمالها الفريد.

نجاح هذا النشاط كان له أثر كبير وشجعه كثيرا. إن أكبر حلم للسيد تيان هو جلب التراث الثقافي غير المادي إلى حياة الناس الحديثة، وإلهام المزيد من الناس لحماية الفن التقليدي بنشاط، وتطويره على نحو مستدام، ونقله إلى الأجيال القادمة.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037