ثقافة وفن < الرئيسية

أزياء أوبرا بكين: عرض للتاريخ والثقافة والمهارة الحرفية

: مشاركة
2020-04-28 17:18:00 الصين اليوم:Source جياو فنغ:Author

أزياء أوبرا بكين من العناصر الرئيسية التي تساعد المشاهد على فهم أوبرا بكين والإعجاب بها كعمل مسرحي متكامل. هذه الأزياء التي تسمى في اللغة الصينية بـ"شينغتو"، أو "جيويتشوانغ"، يقصد بها الملابس التي يرتديها كل ممثل حسب الشخصية التي يؤديها في أوبرا بكين. تتميز هذه الأزياء بالألوان الزاهية المبهرة وتكون مزينة بأشكال مختلفة مطرزة بدقة، مما يُشعر المشاهدين بالجمال والمتعة. الأزياء لا تبرز السمات المميزة لكل شخصية في مسرحية الأوبرا فحسب، وإنما أيضا تمنح الجمهور متعة جميلة.

المشاهد العادي ربما لا يرى من أزياء أوبرا بكين إلا جمال ألوانها الزاهية وتألقها، ولكن وراء كل قطعة منها قصة لتصميمها الدقيق بأسلوب الرسم الرمزي والتعبيري، والذي يعتبر جوهر الثقافة التقليدية الصينية.

أزياء فاخرة

تعتبر أوبرا بكين من جوهر الثقافة الصينية، لأنها تجسد جوهر ثقافة الأوبرا الصينية. بدءا من الموسيقى والرقص في فترة أسرة هان منذ حوالي ألفي عام إلى الفنون المسرحية في فترة أسرة تانغ (618-907)، ثم إلى الأوبرا الجنوبية خلال فترة أسرة سونغ (960-1279)، وأوبرا كونتشيوي في أسرتي مينغ وتشينغ (1368-1911)، توفرت جميع العناصر اللازمة لولادة وتشكيل أوبرا بكين. إن أوبرا بكين هي خلاصة عملية طويلة من الاستيعاب لعناصر مختلفة من الفنون الأخرى. وتعكس أزياء أوبرا بكين أيضا التنوع الثقافي لهذه العملية.

تشكلت أوبرا بكين في فترة أسرة تشينغ، غير أن أزيائها تصنع على أساس نمط الأزياء المسرحية التي كانت تستخدم في فترة أسرة مينغ، مع استيعاب خصائص أنماط الأزياء المسرحية الأخرى في فترات أسرات سونغ ويوان وتشينغ، وتشكل نمطها الثابت أخيرا بعد أن أُدخلت بعض التعديلات عليها حسب حاجة حركات الممثلين والغناء والرقص. السمة الأبرز لأزياء أوبرا بكين هي الشمول، أي أنها تحافظ على مجموعتها الثابتة، لتستخدمها في كل حالة، دون تمييز بين المواسم أو الشخصيات في الفترات التاريخية المختلفة، فقط فيما يتعلق بهوية الشخصية، تكون هناك فروق صارمة للأزياء.

صنع أزياء أوبرا بكين عملية معقدة وشاملة، تضم العديد من العناصر الثقافية والفنية، مثل تصميم الأزياء والفنون الجميلة والتطريز والأساطير وغيرها. هذه العملية التي تجمع بين العديد من التقنيات، مثل التصميم والطباعة والتطريز والقص والخياطة، شكلت في النهاية حرفة فنية يدوية فريدة ونظامية. في عام 2006، أدرجت تقنيات إنتاج وتصميم أزياء أوبرا بكين في قائمة التراث الثقافي غير المادي على المستوى الوطني في الصين.

أزياء أوبرا بكين فريدة من نوعها في كل جانب؛ فالمواد المستخدمة لصنعها تكون من الحرير الأنيق العالي الجودة، وألوانها مشرقة وزاهية، وهي تجسد صنعة فاخرة ورائعة ودقيقة. والرسوم المختلفة والحيوية المطرزة على الأزياء تتمتع بقوة تعبيرية قوية، فقد أصبحت الأزياء جزءا لا يتجزأ من الأداء المسرحي لأوبرا بكين، وتعزز من جمال الأداء الرائع للفنانين.

تتميز كل قطعة من الأزياء التقليدية لأوبرا بكين برسومها الفريدة، ومعظمها يطرز يدويا بخيوط حريرية بألوان مختلفة، بما فيها الفضي والذهبي. فن التطريز هو أهم الجوانب الحرفية المستخدمة في صنع أزياء أوبرا بكين. في هذه العملية، تستخدم أساليب التطريز التقليدية المختلفة حسب متطلبات الأدوار أو الأزياء المتنوعة التي تتطلب تقنية محددة. عند دمجها معا، تسهم كل التقنيات في خلق عرض فني رائع.

ونظرا لأن عملية التصنيع بأكملها تتم يدويا، فإن معدل الوقت اللازم لصنع قطعة واحدة من أزياء أوبرا بكين يستغرق حوالي شهرين، أما إذا كان الزي من الملابس الرسمية ذات مساحة التطريز الواسعة، فإن عملية صنعه تحتاج إلى وقت أطول، بل ولا يتم إنتاجه إلا بعمل مشترك بين عدة فنانين. وحتى الفنان الماهر في التطريز لا يستطيع إنجاز عمل فني رائع لأزياء أوبرا بكين، إلا بعد سنوات من الدراسة والممارسة لإجادة فن تحريك إبرة التطريز مع تلوين رسوم الأزياء بصورة مناسبة. ولذلك فإن بعض مشاهير الممثلين والممثلات يفضلون أن يختاروا فنانا معينا لصنع ملابسهم حسب طلبهم، وهذا يكلفهم كثيرا. ولذلك، أصبحت تلم الأزياء المسرحية من الرفاهية والترف.

إذا قلنا إن نصف روعة الأداء المسرحي يكون نتيجة لأداء وغناء الممثلين والممثلات، فإن الأزياء المسرحية الأنيقة والملونة تشكل النصف الآخر من عالم الجمال الذي يبدو على المسرح.

لكل شخصية مسرحية زي معين، لا يسمح بالخطأ في ارتدائه

على الرغم من أن أزياء أوبرا بكين لا تعرف التمييز في ارتدائها بين المواسم والفترات التاريخية المختلفة، فإنها تهتم كثيرا بتناسب الأزياء مع الشخصيات المسرحية، فيجب على الممثل ارتداء زي مسرحي وفقا لهوية ومنزلة الشخصية، ملتزما بمبدأ "إيثار ارتداء الزي المهترئ على ارتداء الزي الخطأ"، إذ إن ارتداء الملابس البالية قد يؤثر على الأداء، ولكن ارتداء الزي غير المناسب يمكن أن يجعل الممثل أضحوكة للجمهور.

كان المجتمع الصيني القديم مقسم إلى طبقات اجتماعية، وكان ارتداء ونمط الملابس أحد المجالات التي ميزت تلك الطبقات. كما نرى في أزياء أوبرا بكين، يختلف كل دور باختلاف الطبقات والمراكز. العناصر الثلاثة المكونة من الأسلوب واللون والنمط هي روح أزياء أوبرا بكين.

رداء "مانغ باو" (يعني حرفيا الجلباب ذا رسوم الثعبان)، هو الزي الرسمي الذي يرتديه الأباطرة والجنرالات في المناسبات الرسمية. الثعبان هنا حيوان يشبه التنين، ولأن رداء التنين لا يمكن أن يرتديه إلا الإمبراطور الحقيقي في الحياة الحقيقية، فجاء رداء "مانغ باو" كنسخة معدلة من تصميم الرداء الحقيقي. قماش جلباب "مانغ باو" يصنع من الحرير السميك، ويطرز الجلباب للرجال بأشكال مختلفة من الثعابين، بينما يطرز الجلباب للنساء برسوم زاهية تجسد طائر الفينيق. إن جلباب "مانغ باو" يعطي شخصية من يرتديه هيئة فخمة ورصينة. هذا النوع من أزياء الأوبرا يصنع بألوان عديدة من بينها الأصفر والأحمر والأبيض والأسود والأخضر والأرجواني والأزرق والوردي والأخضر الزيتوني. هذه الألوان المختلفة تناسب أنواعا مختلفة من الشخصيات المسرحية. على سبيل المثال، يرتدي الإمبراطور جلباب "مانغ باو" الأصفر، بينما الجلباب الأحمر يرتديه أقارب أفراد العائلة الإمبراطورية أو كبار المسؤولين، وعامة الناس يرتدون الجلباب ذا اللون الأخضر الفاتح.

ومن أزياء أوبرا بكين ما يسمى " قونغتشوانغ"، أي ثوب القصر، هو الزي اليومي الذي ترتديه النبيلات من النساء. على الرغم من أن الثوب النسائي ليس رسميا أو مهيبا مثل جلباب "مانغ باو"، لكنه يتميز بقدر من الجمال الرائع، الذي يفوق حتى جمال الجلباب. تتزين ثوب القصر للنساء بعشرات الأشرطة، وتكون من عدة طبقات من الحرير، مع أكمام بيضاء، وبالتأكيد فإن الممثلات الراقصات بهذه الأثواب الجميلة في المسرح يشعرن الجمهور بالراحة والجمال. الفرق بين ثوب القصر للنساء والجلباب، هو أن الأخير فيه حزام يشمي يلبس حول الخصر، مما يعطيه مظهرا مهيبا ذا طابع رسمي أكثر.

"قوانيي"، أي الثوب الرسمي، هو نوع آخر من أزياء أوبرا بكين. يلبسه الموظفون المدنيون، وهو مشابه لجلباب "مانغ باو" من حيث نمطه، وفيه أيضا حزام من اليشم يلف حول الخصر. لكنه غير مزين الكثير من التطريز والزخارف، حيث يوجد التطريز فقط عند الصدر والظهر. ولونه يقتصر على الأحمر والأرجواني والأزرق والأسود، ولا يوجد الأصفر. الأحمر لون ملفت للنظر وبهيج، يرتديه عادة من يجتازون الامتحانات ذات الدرجات العالية أو الذين كان يُطلب منهم أن يكونوا أصهارا للإمبراطور. أما الأرجواني الرسمي فيلبسه الموظفون من الرتب العليا، والأزرق يرتديه الموظفون من الرتب الأدنى، وعادة ما يلبس الثوب الرسمي الأسود أصحاب المراتب الأدنى، ومعظمهم الموظفون المسؤولون عن مراقبة بوابات المدينة وإدارة السجون.

زي شخصيات الجنرالات العسكريين في أوبرا بكين يسمى بـ"كاو" أو المعطف المصفح، وهو يشبه الدروع، ومقسم إلى صفحتين، إحداهما أمامية والأخرى خلفية، عليه رسوم الدروع، وهي في الحقيقة مجرد زينة، ويُلبس هذا الثوب بشكل فضفاض على الجسم. أثناء عرض أوبرا بكين، تبرز الأزياء من هذا النوع مواقف الشخصيات التي تبدو بروح المهابة والفخامة، بينما يسهل عليها أيضا القيام بالكثير من الحركات الراقصة. في الجزء الخلفي من ثوب "كاو"، يتم وضع "رايات كاو"، وكل منها على شكل المثلث، ما يزيد من المظهر البطولي والشجاعة للجنرالات العسكريين، وفي الوقت نفسه، يظهر الشخصيات في ساحة المعركة.

الزي الذي يرتديه الممثل والممثلة في الأدوار العادية في أوبرا بكين يسمى بـ"تشهتسي". وهو أكثر ثوب استخداما في أوبرا بكين كملبس عادي ، ويتميز بألوان متنوعة. على سبيل المثال، فإن تشهتسي الأخضر دائما ما يرتديه الممثل الذي يؤدي شخصية الشباب المدلل ذي القلب القاسي من الأثرياء أو الشخصية البطولية؛ وتشهتسي الأصفر القاتم يرتديه الممثل الذي يؤدي شخصية المسن من الطبقة الدنيا؛ وتشهتسي الأسود، مع ياقات بيضاء كبيرة، يرتديه الممثل الذي يؤدي شخصية الفقير المستقيم؛ وتشهتسي الأزرق، مع ياقات بيضاء كبيرة، يرتديه الممثل الذي يؤدي شخصية الأديب، في حين يعتبر شويتسي الأسود هو أكثر زي شيوعا لشخصيات النساء. ودور المرأة التي ترتدي شويتسي الأسود من أهم الأدوار النسائية في أوبرا بكين، وتتمتع بمزاج هادئ ومسالم. تجسد تلك الأدوار عادة شخصيات مخلصة ولطيفة ولديها شعور واضح بالصواب والخطأ.

الميزة البارزة الأخرى في أزياء أوبرا بكين تظهر على أطراف الأكمام التي تزين بقطع بيضاء طويلة من الحرير، فتبدو وكأنها أمواج المياه عندما تهتز، لذا سميت بـ"بأكمام المياه"، والتي تعتبر وسيلة فنية مأخوذة من نموذج الحياة الواقعية، وبها يمكن للممثلة تمديد وتوسيع حركات يد الشخصية المسرحية أثناء العرض، للتعبير عن أفكارها ومشاعرها، وخلق العديد من إيماءات الرقص الجميلة.

متحف فن أزياء أوبرا بكين

تحتضن منطقة الخليج السياحية في شانغهاي معرضا متميزا، يسمى بمتحف باو وان رونغ لفن أزياء أوبرا بكين في الصين. مؤسسها باو وان رونغ (1928-2017) كان ممثلا لأوبرا بكين وجامعا لنماذج أزياء أوبرا بكين. كان باو مولعا بأوبرا بكين منذ طفولته، وفي سن الخامسة عشرة أصبح طالبا رسميا لدى أستاذ أوبرا بكين الشهير شون هوي شنغ. في وقت لاحق، تعلم على أيدي ممثلي أوبرا بكين المشهورين هوانغ قوي شيو ووانغ ياو تشينغ، حيث تعلم أكثر من 100 مسرحية للأوبرا الكلاسيكية. مع مرور الوقت، تشكل تدريجيا أسلوبه الفني الخاص.

مثلما كان باو مولعا بعروض الأوبرا كان جيدا أيضا في الرسم، وفي وقت فراغه من عروض الأوبرا، كان يقوم بتصميم الأزياء وصنعها بمساعدة معلمه هوانغ قوي شيو ووالدته قو يون يو. كان العديد من الممثلين في ذلك الوقت يعتمدون على تصميماته في أزيائهم الخاصة، التي كانت تلقى إشادة العديد من المشاهير في مجال أوبرا بكين. ابتداء من سبعينات القرن العشرين، بدأ باو في تركيز طاقته على جمع أزياء أوبرا بكين وإبداعها وأحرز تقدما كبيرا، إذ أدخل العديد من التحسينات والابتكارات على أزياء أوبرا بكين، وصمم مجموعة من أزياء الأوبرا الرائعة. من بين مجموعة الأزياء في المتحف اليوم، هناك جلباب "مانغ باو" المطرز بالخيوط الذهبية، وهو الأغلى بالنسبة للسيد باو. عمل باو وان رونغ مع خياط بارع لمدة ثلاث سنوات للانتهاء من خياطة هذا الزي الذي استخدمت فيه عشرات الآلاف من خيوط الذهب. اليوم يعتبر هذا الرداء "كنز المتحف".

يعرض متحف باو وان رونغ لأوبرا بكين مئات من أنواع الأزياء المختلفة، مثل جلباب "مانغ باو"، وثوب القصر، والمعطف المصفح، وغيرها من الأزياء التي يرتديها ممثلو أوبرا بكين لأدوار شنغ (الذكور)، ودان (الإناث)، وجينغ (الرجل الشجاع والصريح)، وتشو (المهرج). وبعض الأزياء المعروضة في المتخف ارتداها بعض مشاهير فناني أوبرا بكين في فترات مختلفة مثل مي لان فانغ وشون هوي شنغ.

لا تعرض الأزياء الرائعة لأوبرا بكين جمالا كلاسيكيا للناس فحسب، وإنما أيضا تكمن فيها الثقافة الصينية التقليدية. خلال مسيرة تطورها الطويلة أصبحت أزياء أوبرا بكين تدريجيا عنصرا لا ينفصل عن الأداء، وقدمت مساهمة هامة في فن أوبرا بكين بكمال جمالها.

 

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037