ثقافة وفن < الرئيسية

صفارات الحمام في بكين القديمة

: مشاركة
2020-03-10 16:22:00 الصين اليوم:Source جياو فنغ:Author

ربما تلاحظ وأنت تشاهد فيلما عن بكين القديمة، أسراب الحمام تحلق فوق الدور الرباعية الشهيرة (سيخيوان)، فتبث في الأزقة صوتا متناغما فريدا. إنه مشهد يتذكره السكان المحليون عندما تعود بهم الذاكرة إلى بكين القديمة. قال أحدهم: "كان في بكين القديمة، عصير فول الصويا المخمر، و"يوتياو" (لفائف عجين على شكل أعواد مقلية في الزيت)، وأبراج الجرس والطبل، والسماء الزرقاء، والغيوم البيضاء، وصوت صفارات الحمام."

لكل مدينة مشاهد فريدة وأصوات تميزها، و"صوت بكين القديمة" هو صفارات الحمام. صفارة الحمام (وتسمى أيضا بجرس الحمام)، تربط بذيل الحمام، فإذا طار وحلق، تدفق الهواء عبر الصافرة محدثا صوتا متناسقا متناغما. على مدى القرون العديدة الماضية، ظلت تربية الحمام وإطلاقه في السماء يوميا هواية وعادة أهل المدينة.

في الصباح المشمس في الربيع أو في الخريف الصافي الهواء، كانت أسراب الحمام تُرى محلقة في سماء بكين، وتسمع أصوات الصفارات الشجية التي تصدرها الطيور أثناء التحليق. لهذا السبب، أصبح صوت صفارات الحمام أحد رموز بكين، وقد أطلق عليه فنان أوبرا بكين الشهير مي لان فانغ لقب "سيمفونية في السماء". وحتى الخمسينات من القرن الماضي، كانت أسواق الحمام في بكين نشيطة للغاية، وكان يمكن أيضا شراء الحمام في العديد من أسواق المعابد.

ولكن مع مرور الوقت والتقدم في التنمية الحضرية، أصبح عشاق تربية الحمام في بكين أقل فأقل. وبالتالي، أصبح مشهد الحمام الذي يطير في سماء المدينة مصحوبا بأصوات الصفارات المتناغمة، نادرا بشكل متزايد. صفارات الحمام أصبحت اليوم ذكرى من الماضي. في عام 2014، تمت إضافة فن صناعة صفارات حمام بكين إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي لبكين.

تاريخ قديم لهواية وحرفة عريقة

حرفة صناعة صفارات الحمام لها تاريخ طويل في الصين. توضح السجلات أن جيش مملكة شيا الغربية كان يستخدم صفارات الحمام كإشارة عسكرية لمهاجمة جيش أسرة سونغ الشمالية (960-1127). بحلول فترة أسرة سونغ الجنوبية (1127-1279)، كانت صفارات الحمام قد انتشرت بالفعل بين عامة الناس. في وقت لاحق، في الفترة الأولى لأسرة تشينغ (1644- 1911)، تمتعت البلاد بفترة من السلام. فكان جنود فوج الرايات الثماني لديهم وقت فراغ كثير، حيث تم نشرهم في بكين بدلا من إرسالهم للمشاركة في الحملات العسكرية، وتلقوا بدلات من المال والحبوب من الدولة. نتيجة لذلك، بدأوا في تطوير هوايات مختلفة، بما في ذلك تربية الطيور والأسماك وغيرها. وكلما زاد الوقت الذي يقضونه في هواياتهم، زاد إتقانهم لها، وسرعان ما أصبحت هذه التقنيات والهوايات سائدة ومنتشرة.

على سبيل المثال، فإن هواة تربية الحمام، استثمروا الكثير من الوقت والطاقة في تدريب الحمام، بالإضافة إلى اهتمامهم بنسبه ومظهره، وأصبحت تربية الحمام وربط الصفارات بالحمام اتجاها شائعا، وبهذه الطريقة تطورت وتنوعت أنواع صفارات الحمام. أصبحت تقنيات صنع الصفارات أكثر دقة، وأصبح الصوت الناتج عن الصفارات أكثر جمالا، وفي النهاية، أصبحت هذه الصفارات "لعبة" في حد ذاتها، مما أدى إلى ثقافة صفارة الحمام الفريدة.

في بكين، يسمي الناس غالبا تربية الحمام بـ"تحليق الحمام" الذي يتم مرتين في اليوم، مرة في الصباح وأخرى في المساء، حيث يطلق عشاق تربية الحمام طيورهم لتحلق بحرية في دوائر في الهواء الطلق فوق منازلهم، فتطير أسراب الحمام أعلى وأعلى حتى السحاب. الصوت الصادر عن امتزاج هديل الحمام مع صوت الرياح التي تمر عبر الصفارة، يجعل المارة في الطريق يحولون رؤوسهم لمعرفة مصدر صوت الأوركسترا السماوية الشجي، مما يسعد أصحاب الحمام.

تستخدم أنواع مختلفة من الصفارات لأنواع مختلفة من أسراب الحمام، التي تنتج بالتالي أصواتا مختلفة ومتنوعة. ومع حمل الحمام لأنواع مختلفة من الصفارات، فإن كل سرب يعزف لحنا جميلا مختلفا، مثل سيمفونية طيور في السماء. الإيقاع الذي يصدره الحمام مميز بشكل خاص عندما يطير من اليمين ثم إلى اليسار بشكل متساوٍ. إن صاحب سرب الحمام، الذي يصدر من صفاراته أجمل نغمة ولديه أكبر عدد من صفارات الحمام يكون موضع إعجاب من قبل نظرائه الآخرين.

أساليب ومدارس متنوعة

تصنع صفارات الحمام عادة من الخيزران أو القرع. يتم تجويف عود الخيزران أو القرع ثم تُركب قطعة من الخيزران المنحوت في الأعلى مع وجود ثقوب تسمح بمرور الهواء. تحتوي بعض صفارات الحمام على فتحات متعددة، من أجل إنتاج صوت أكثر اكتمالا مع صدى مختلف، أثناء تحليق الحمام ذهابا وإيابا في السماء.

تنقسم صفارات الحمام في بكين إلى أربعة أنواع رئيسية، وفقا لأشكالها: نوع القرع، وهي صفارات تصنع من القرع المستدير؛ النوع الأنبوبي، وهي صفارات تصنع بصف من أنابيب القصب؛ النوع المنبسط، وهي صفارات تصنع من صفوف كثيرة من الأنابيب المتصلة ؛ النوع المدمج المركب، وهي صفارات تصنع من مزيج من القرع وعدد من الأنابيب. هذه الأنواع المختلفة من صفارات الحمام تصدر أنواعا مختلفة من الأصوات. على سبيل المثال، تصدر الصفارة الأنبوبية صوتا أكثر تموجا ونعومة، بينما يكون الصوت الناتج عن صفارة القرع أعمق. بالإضافة إلى ذلك، هناك قواعد صارمة يجب الالتزام بها عند صنع الصفارات فيما يتعلق باختلاف النغمة بين كل صفارة وأخرى. وبهذه الطريقة، يكون الصوت الناتج عن صفارات الحمام متناغما. ومع الأخذ في الاعتبار أن الحمام يحمل الصفارات على ريشه الخلفي عندما يطير، لذا، يجب أن تكون مادة صنع كل صفارة رقيقة مثل الورق وخفيفة الوزن مثل الريشة. حتى الصفارات الكبيرة المطلية بالورنيش لا يزيد وزن الواحدة منها عن ثمانية غرامات.

تشتمل عملية صنع الصفارات على عدة خطوات: تصميم واختيار المواد، النحت والنقر، فتح الشقوق أو التقسيم، التركيب، الربط، الصقل، وأخيرا الطلي بالورنيش، وهي عملية معقدة تماما. يستغرق صنع أبسط صفارة حمام يومين كاملين، في حين أن الأصناف الأكثر تعقيدا يستغرق صنعها وقتا أطول. الجزء الأكثر أهمية في صفارة الحمام هو الجزء الذي يصدر الصوت. يجب أن يكون لصفارة الحمام الصغيرة صوت متناغم، وأيضا يجب أن تكون قادرة على إصدار الصوت بطريقة واضحة وبإيقاعات وألحان متسقة. يتطلب ذلك دقة في التصميم وصبرا في عملية السنفرة.

عندما تكون الصفارة جاهزة للربط على الحمام، هناك أيضا تفاصيل خاصة يجب الانتباه لها. يختار أصحاب الحمام جذر الريشات الأربع المركزية في ذيل الحمام، ثم يربطون الصفارة بالريش بخيط قطني على بعد سنتيمتر واحد من طرف مؤخرة الحمام. يجب أن تتجه فتحة الصفارة إلى الأمام، ويتم تثبيت الصفارة بإحكام بسلك فولاذي، تمنعها من الحركة بغض النظر عن مقدار تحرك الحمام في الهواء.

بالعودة إلى الأيام الأولى لهذه الحرفة والهواية، كان كل حرفي يصنع صفارات الحمام، ينقش اسمه على الصفارة، تماما مثل الخطاطين الذين يكتبون أسماءهم على لوحاتهم الفنية.

في فترة أسرة تشينغ، كانت أسماء أشهر أربعة حرفيين لصناعة الصفارات، هي: هوي ويونغ (يونغ الكبير)، وشينغ، ومينغ. في وقت لاحق، خلال فترة جمهورية الصين (1912-1949)، بالإضافة إلى يونغ الابن، كان هناك حرفيون آخرون يحملون اسم شيانغ (تشو تشون تشوان)، ون (تاو تسوه ون) وهونغ (وو يوي تونغ). اللقب العام لهؤلاء الفنانين هو "الفنانون الرئيسيون الثمانية" في مجال صنع صفارات الحمام.

كانت صفارات الحمام شائعة في بكين لرخص مواد تصنيعها، ومن ثم ظل معظم الناس يعتبرون هذه الحرف متعة شخصية، فلم يستقبل الحرفيون المشهورون متدربين، ولم ينقلوا مهاراتهم وفنونهم الحرفية إلى الآخرين. كان الجميع على معرفة بكيفية صنع صفارات الحمام بالفطرة ومن دون تعلم. نتيجة لذلك، ومع انخفاض عدد الأشخاص الذين يتخذون تربية الحمام هواية، فإن عدد الأشخاص الذين يعرفون مهارة صنع صفارات الحمام يتناقص أيضا. اليوم، يعرف عدد قليل جدا من الأشخاص كيفية صنع صفارات الحمام ذات الجودة العالية، وقد أدى ذلك إلى فقدان وضياع هذه الحرفة تقريبا.

الحفاظ على فن صنع صفارات الحمام

تشانغ باو تونغ، رجل طيب يبلغ من العمر سبعين عاما، يعيش في شيوانوومن بحي شيتشنغ في بكين. كان يعمل مهندسا في شركة مملوكة للدولة. المصادفة وحدها جعلته وريثا لهذا التراث الثقافي غير المادي في بكين.

خلال طفولته، كان تشانغ جارا للسيد تاو تشو ون، واحد من أربعة مشاهير لصنع الصفارات في بكين، وكان يشاركه نفس فناء الدار. كان السيد تاو يعيش بمفرده، فلا زوجة له ولا أولاد. في سنواته اللاحقة ومع تقدمه في العمر، تولت عائلة تشانغ رعاية تاو حتى وفاته.

تتميز صفارة "ون" بأن الجزء العلوي منها مستدير وسلس يمكنها من تقليل مقاومة الهواء، وتكون خفيفة ويسهل على الحمام حملها أثناء الطيران. بالإضافة إلى ذلك، صنعها بديع ودقيق للغاية، يُعقد كل أجزائها بإحكام. قضى تشانغ الكثير من الوقت خلال طفولته مع تاو يراقبه ويساعده في عمله. عندما كان عمره حوالي سبع سنوات، بدأ تشانغ في تقليد تاو في عمله، ثم في سن الحادية عشرة بدأ يتعلم رسميا كيفية صنع صفارات الحمام. بمرور الوقت، أتقن تشانغ كل مهارات هذه الحرفة البكينية القديمة، مع أن تربية الحمام وصنع الصفارات مجرد هواية شخصية ونشاطه الرئيسي في وقت فراغه.

بعد وفاة تاو، أصبحت صفارات الحمام بختم "ون" مقتنيات نادرة لهواة الجمع بين عشاق صفارات الحمام. في أحد الأيام، وبينما كان خبير الآثار وانغ شي شيانغ، يبحث عن صفارة حمام أخرى بختم "ون" لتتناسب مع مجموعته من صفارات الحمام، التقى بالسيد تشانغ. في نهاية المطاف، صنع تشانغ صفارة جديدة تشبه تلك التي لدى وانغ بالفعل، لدرجة أنه لم يستطع التمييز بينها وبين الصفارات الأخرى التي بحوزته. في وقت لاحق، زار وانغ الولايات المتحدة الأمريكية وقدمها كهدية للمتحف الميداني للتاريخ الطبيعي في شيكاغو. عند مقارنتها بمجموعة صفارات الحمام الأخرى من بكين بختم "يونغ" و"شيانغ" في المتحف، وجد الموظفون المختصون أن الصفارة الجديدة مصنوعة بجودة عالية مساوية للصفارات القديمة في المتحف. بالإضافة إلى نقل وتمرير حرفة صفارات الحمام، ابتكر تشانغ أيضا بعض الأساليب الجديدة لصنع الصفارات. بدأ في استخدام قشور الجوز لأول مرة كمواد أولية، ما أدى إلى توسيع مجال المواد المستخدمة في صنع صفارات الحمام. في مقال لوانغ شي شيانغ، وصف تشانغ كفنان "يقوم بعمل ابتكارات في حرفة صفارات الحمام استنادا إلى أسلوب الرمز "ون" ، ومن ثم ابتكر أسلوب "تونغ" الخاص به لصنع صفارة الحمام بالإضافة إلى ثمانية فنانين مشهورين في هذه الحرفة من الزمن الماضي، وهو اللقب الذي يستحقه فعلا."

هذا الثناء والمديح الذي تلقاه تشانغ شجعه كثيرا لمواصلة عمله وألقى عليه مسؤولية نقل مهارة صناعة صفارات الحمام الفريدة من نوعها في بكين إلى الأجيال القادمة. ولتحقيق هذه الغاية، تخلى تشانغ عن تقليد صانعي صفارات الحمام القدامى، وتولى تدريب اثنين من التلاميذ على التوالي. الآن، وتحت إشراف وتوجيه تشانغ، تعلم هذان المتدربان مهارات صنع صفارات الحمام، وكذلك أصبح لديهما تلاميذ يتدربون على يديهما. وبالتالي، فإن أسلوب "ون" لصنع صفارات الحمام قد تم نقله إلى الجيل الرابع.

اليوم، حلت ناطحات السحاب محل الدور الرباعية التقليدية بساحات بكين القديمة، ما يجعل البيئة غير مناسبة لتربية الحمام، إضافة لغياب الأجواء التي يحتاجها الحمام للتحليق في السماء. ومع تغير أنماط حياة الناس، فإن الصوت الكلاسيكي لسيمفونية الحمام الطائر في سماء بكين تتحول ببطء إلى ذكرى قديمة. لحسن الحظ، افتتحت بكين أول متحف للصوتيات في عام 2012. في المتحف، هناك سجلات لتاريخ وذكريات بكين القديمة، محفوظة في تسجيلات صوتية، بعد أن اختفت تلك الذكريات بالفعل أو في طور الاختفاء، ومن بينها تلك الأصوات القديمة لصفارات الحمام.

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037