ثقافة وفن < الرئيسية

القرد المشعر.. ديوان الحياة في بكين القديمة

: مشاركة
2019-11-29 09:52:00 الصين اليوم:Source جياو فنغ:Author

هناك في بكين مجموعة من القرود المصتنعة، التي ترتدي كسوات من الصوف متماثلة، وتعيش حياة تقليدية للسكان المحليين، بما في ذلك العيش في الدور الرباعية التقليدية "سيخهيوان"، وشرب الشاي، وحمل أقفاص الطيور في اليد أثناء المشي، والتجول في الطرقات المزدحمة في بكين، وغيرها من مظاهر الحياة في عاصمة البلاد. البعض منها يقوم بحلق الرأس بالموسى في أركان الشوارع، حاملا معه عود الشيال، بينما يبيع بعضها الآخر الزعرور المسكر الصيني.

هذه القرود تعرض ثقافة بكين التقليدية الغنية، مع أنها لا يمكنها التحدث عن أنفسها ولا يمكنها التحرك بحرية. تُعرف هذه المجموعة الخاصة من القرود باسم "القرود المشعرة" أو "ماوهو" باللغة الصينية. في سنة 2009، أدرج فن صناعة القرد المشعر إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي لبكين.

الولادة في متجر عقاقير طبية

لا أحد يعرف على وجه الدقة متى ظهر فن صنع تماثيل القرد المشعر، ولكن الرواية الشعبية تقول إن أول تمثال من هذا النوع صنع مصادفة في متجر للعقاقير الطبية العشبية في بكين. وتفاصيل الحكاية، هي أنه في فترة أسرة تشينغ (1644-1911) كان هناك شاب يعمل في متجر للعقاقير الطبية في بكين. ذات يوم، ولسبب غير معلوم، انهال مسؤول الحسابات توبيخا على هذا الشاب، الذي فضل أن يبقى صامتا خشية أن يفقد وظيفته. في مساء ذلك اليوم، وفي ظل حالة من الملل والانزعاج لما حدث، أخذ الشاب يعبث ببعض مكونات الأدوية العشبية في المتجر. في أثناء ذلك، صادف سلخة لزيز الحصاد، وهو حشرة تصدر صريرا على وتيرة واحدة، وتعرف السلخة في مجال العقاقير الطبية الصينية التقليدية باسم "تشانتوي"، ولاحظ أن صورتها تشبه الإنسان بعض الشيء. فتفتق ذهن الشاب عن فكرة لاستغلال هذا الشبه في صنع تمثال صغير للإنسان، استخدم فيه رأس وأطراف سلخة الزيز لصنع رأس وأطراف الإنسان، وبراعم زهرة الماغنوليا لجذعه، ثم لصق كل ذلك بعجينة مصنوعة من زهرة السحلبية (الأوركيد) التي تسمى بالصينية "بايجي"، فظهر تمثال يشبه قردا ذا وجه رفيع وذقن بارز.

زملاء الشاب العاملون في متجر العقاقير الطبية، ما إن رأوا التمثال حتى أجمعوا على أنه يشبه مسؤول الحسابات. في وقت لاحق، رأى صاحب متجر العقاقير الطبية التقليدية أن يستفيد من تماثيل القرد اللطيفة في عمله التجاري. وحيث أن عملية تحضير العقاقير العشبية تستغرق وقتا طويلا، فكر في تقديم شيء يتسلى به الزبون وقت الانتظار، فبدأ في تقديم حقيبة صغيرة تحتوي على مكونات صنع القرد، والتي تشتمل على "تشانتوي" وبراعم زهرة الماغنوليا و"بايجي" وعشبة كرمة الشيكولاتة المعروفة باسم "موتونغ" في الصين، لكل زبون يأتيه، فينشغل بصنع القرود المشعرة حتى الانتهاء من صنع العقاقير. أصبحت تماثيل القرود محبوبة ومشهورة على نطاق واسع، ومع مرور الوقت، أصبحت حرفة يدوية معروفة.

العقاقير التقليدية الأربعة الرئيسية لصنع القرد المشعر هي "تشانتوي" وبراعم زهرة الماغنوليا و"بايجي" و"موتونغ". يستخدم نبات "موتونغ" لصنع الدعائم و"بايجي" للصق كل الأجزاء معا. حاليا، تصنع الدعائم من مجموعة واسعة من المواد، ويستخدم المستحلب في اللصق. ولكن لا يوجد بديل للمادتين الرئيسيتين وهما "تشانتوي" وبراعم زهرة الماغنوليا.

بعد شراء المواد، يجب أن يتم تصنيفها وتعديلها. يتم إعداد براعم زهرة الماغنوليا بإزالة السيقان الإضافية، ويفصل رأس وأطراف "تشانتوي" عن الجسم، وهي عملية دقيقة تتطلب حذرا من الحرفي نظرا لضعف وحساسية "تشانتوي". الأرجل الأمامية، وهي أكثر سُمكا، تستخدم في صنع أرجل للقرد المشعر، بينما تستخدم الأرجل الخلفية الرقيقة في صنع الأطراف الأمامية. العملية الأكثر صعوبة هي فصل الرأس عن الجسد. أولا، تتم إزالة جزء الفم مع الحفاظ على سلامة مثلث الأذنين والخدين. بهذه الطريقة يظل وجه القرد ممتلئا تماما. ثانيا، يستخدم الملقاط لإخراج جزء الرأس، وبعد ذلك تزال العينان وقرون الاستشعار، وأخيرا، يتم إكمال صنع رأس القرد المشعر.

الأوضاع الأكثر شيوعا لتمثال القرد المشعر هي الوقوف والمشي. في حين أن وضع الجلوس والركوع يشكلان مشهدا رائعا، إلا أن عملية صنعهما في حاجة إلى دقة شديدة. بعد تجميع رأس القرد وجسمه، يمكن ضبط موضع الأطراف. واحدة من أهم الحلقات في هذه العملية هي صنع أدوات التمثيل، حيث يتصور الحرفيون دائما في أذهانهم المشهد الذي يرغبون في إظهاره، ثم يجسدونه بصورة حية مع تعبيرات القرد. على سبيل المثال، هناك مشهد مقهى للشاي، تجلس فيه ثلاثة إلى خمسة قرود مشعرة، تحتسي الشاي وتلعب الشطرنج، وهناك مشاهد أخرى من الشوارع وعادات الزفاف الصينية التقليدية مع عدة قرود مشعرة تشكل حفل الترحيب.

ديوان حياة بكين القديمة

في قرية تشيشانتشوانغ بحي تونغتشو في بكين، تدير تشانغ فنغ شيا، وهي من الجيل الرابع لوارثي حرفة صنع القرد المشعر، وابنها سونغ لي، ورشة لصنع القرد المشعر.

السيدة تشانغ التي تقاعدت عن العمل في عام 2001، أخذ فن صناعة القرود المشعرة بلبها، فشرعت تتعلم على يد العديد من خبراء تلك الحرفة، ومنهم الفنان جيانغ شو يوي، أحد وارثي فن تمثال القرد المشعر. أثناء تتلمذها على يد هذا الفنان، عملت بمفردها على صنع قرود من أنواع مختلفة وموضوعات مختلفة. اليوم، تم الاعتراف بها بالفعل كوريثة من الجيل الرابع لفن صناعة قرد بكين المشعر.

بتأثير منها، بدأ ابنها سونغ لي، الذي درس التصميم بالكمبيوتر في ألمانيا، يهتم تدريجيا بهذه الحرفية أيضا. بالإضافة إلى تعلم سونغ الحرف اليدوية التقليدية من والدته، أدخل أيضا التصاميم الحديثة في إنتاج تماثيل القرد المشعر. قال سونغ: "يجب الجمع بين الحرف التقليدية والحياة الحديثة، وذلك باستخدام تماثيل القرود لشرح أنماط حياة الناس الحديثة." وأضاف: "بهذه الطريقة، يمكننا جذب اهتمام المزيد من الشباب لهذا الفن."

مع زيادة عدد الحرفيين الذين يصنعون تماثيل القرد المشعر، شاعت في أوساطهم مقولة "من السهل تجميع القرود المشعرة، لكن يصعب صنع أدوات تمثيلها"، مما يشير إلى الأهمية الخاصة لأدوات التمثيل في حرفة صنع القرد المشعر. نظرا لأن حجم صورة القرد المشعر لا يتجاوز نصف بوصة، فمن المستحيل الاعتماد على ماكياج الوجه أو الملابس للإشارة إلى مشاعر ومهنة الشخصية التي يعبر عنها. وبالتالي، يتم توضيح معظم سمات القرد من خلال تعبيرات مجسمة، مثل حركاتها في التشخيص وأدوات التمثيل، حول موضوع معين. ومن ثم فإن قيمة هذه الحرفة ليست في عملية الإنتاج ولكن في خيال وتجربة حياة الفنان الحرفي.

في مقابلة مع ((الصين اليوم))، قال سونغ لي: "من خلال هذه القرود المشعرة الصغيرة، يمكننا تسجيل عصور وأنماط حياة مختلفة للناس في العصور المختلفة." وأضاف: "يركز الفنانون من جيل والدتي على الموضوعات التي تعرض أنماط الحياة القديمة والبيئة في بكين: أسلوب بكين التقليدي المتمثل في الطاولات المربعة والمقعد الخشبي الطويل، ومقاهي بكين القديمة، والألعاب البهلوانية في منطقة تيانتشياو الشهيرة، وساحبي العربات وزبائنهم؛ أي مشاهد بكين القديمة التي هي من ذكريات السكان المحليين المسنين. من خلال إبداعات سحرية لتماثيل القرود المشعرة، يمكن إحياء ذكريات مشاهد بكين القديمة أمام أعين أطفال اليوم." وأضاف: "شباب اليوم محاطون بثقافة بكين الحديثة لا يعرفون مشاهدها الماضية. أنا كفنان حرفي، أحاول إدخال بعض التغييرات أيضا على فن القرد المشعر، بما في ذلك أدوات التمثيل والموضوعات."

 أثناء حديثه، أشار السيد سونغ إلى مجموعة من تماثيل القرود المشعرة تبدو كأنها تتزلج أسفل منحدر تحت شعار "الألعاب الأولمبية الشتوية". مشهد آخر يسمى "العيش معا في سلام"، يصور الأطفال وهم يساعدون آبائهم، بينما الجيران يتجاذبون أطراف الحديث بسعادة بادية، والأطفال يلعبون دون قلق في الشارع. كل هذا يعرض قيم وطبيعة الحياة في بكين. وقال سونغ: "يُظهر فن القرد المشعر الثقافة من خلال إظهار مشاعر وحالات السعادة والغضب والحزن والبهجة لسكان بكين المحليين من خلال الجمع بين أشكال ومشاهد مختلفة وتسجيل تقلبات الحياة."

حياة جديدة لفن قديم

يوما بعد يوم يتزايد عدد زوار ورشة صنع القرد المشعر للسيدة تشانغ فنغ شيا، وهم طلاب جامعات ومدارس وسياح، وبعضهم يأتي من بلدان أخرى. تم تحديد تلك الورشة كموقع تبادل للتراث الثقافي غير المادي.

في حوار مع ((الصين اليوم))، قالت السيدة تسانغ: "حرفة صناعة القرد المشعر رمز لثقافة بكين. نحن نبحث دائما عن طرق لتوسيع سوق هذه الحرفة. لكننا نواجه ثلاثة تحديات رئيسية: أولا، المنتجات هشة وغير مناسبة للحمل؛ ثانيا، عملية التصنيع طويلة، مما يزيد من التكلفة؛ ثالثا، تشابه موضوعات مجموعاتنا وتداخلها مع بعضها البعض. اليوم، وجدنا بعض الطرق لحل التحديين الأول والثاني. على سبيل المثال باستخدام العلبة الزجاجية، يمكن جعل هذه القطعة الفنية ملائمة للحمل. بالإضافة إلى ذلك، باستخدام التقنيات الحديثة، يمكننا توحيد عملية إنتاج أدوات التمثيل وبالتالي تقليل تكاليف العمالة وخفض التكاليف. لكننا مازلنا نعمل على النقطة الثالثة المتعلقة بقلة الموضوعات."

السيدة تشانغ، التي عاشت سنوات عديدة في حي تونغتشو، لديها اهتمام خاص بثقافة قناة بكين- هانغتشو الكبرى. قالت: "فن القرود المشعرة ليس مجرد إعادة صنعها، بل يجب أن يكون هناك تنوع في المشاهد وأدوات التمثيل، ويجب أن يكون لها معنى غني. قناة بكين- هانغتشو الكبرى هي تراث ثقافي غير ملموس في العالم. أنا أعيش على ضفاف هذه القناة، أود عرض مشاهد الحياة بجانبي القناة الكبرى من خلال الإبداع الفني للقرد المشعر."

هناك عمل فني يحمل اسم "القناة الكبرى الجميلة"، ويبلغ حجمه نصف متر مربع، ويعرض "ثماني مناطق ذات مناظر خلابة في تونغتشو"، ويضم مجموعة من أكثر من عشرة قرود مشعرة طول كل منها أقل من سنتيمتر. مع تعبيرات هذه الشخصيات الصغيرة النابضة بالحياة والملهمة والفريدة من نوعها، فإن مشهد القناة الكبرى مليء "بالمشاعر الإنسانية"، حيث الأحجار اللوحية على جسر يونغتونغ مرئية بوضوح، وعلى الجسر، قردان مشعران يميلان على السور، أحدهما يراقب المياه بالأسفل، بينما ينظر الآخر بعيدا في وضع مريح، وعلى ضفة القناة، تحمل أربعة تماثيل للقرد المشعر قطعة من الخشب باتجاه الرصيف، بينما يدفع قرد مشعر آخر بصعوبة عربة مليئة بقطع سميكة من الخشب. تحيط به قرود مشعرة أخرى تبيع المصاصات وتأكل البطيخ وتشرب الشاي وتقرأ الكتب. كلها تفاصيل لمشهد مفعم بالكثير من الحيوية.

قالت السيدة تشانغ: "فن تماثيل القرد المشعر يعرض نبض المجتمع، وثقافة قناة بكين- هانغتشو الكبرى هي ينبوع الإلهام. فموضوعات هذا الفن الشعبي مختلفة من فنان إلى أخر."، وأضافت: "هدفي هو جعل مسيرتي الفنية في فن القرد المشعر أفضل ما يمكن أن تكون عليه. انضم ابني إلى هذه الحرفة، وهو يساعدني كثيرا من خلال تقديم العديد من الأفكار المبتكرة للتقنيات التقليدية لصنع القرد، وغرس شعور الحداثة والموضة في هذه الحرفة اليدوية. في الوقت نفسه، نذهب إلى التجمعات ونقوم بالعديد من الأنشطة الثقافية والتعليمية. هذه طريقة عملية لنقل الثقافة، والمساهمة في جعل مزيد من الناس يعرفون فن قرد بكين المشعر، ويحبون هذه الحرفة التقليدية في بكين."

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037