ثقافة وفن < الرئيسية

القراءة والطفل في الصين

: مشاركة
2019-10-30 17:03:00 الصين اليوم:Source مي عاشور:Author

قد يسأم المرء من الذهاب إلى نفس المكان في فترتين متقاربتين؛ يهرب من ذلك الملل الذي يتسلل إلى روحه من تكرار المشاهد وتقارب الأحداث، تفر نظراته هاربة من رؤية نفس الشئ، ببساطة لأن الإنسان يميل دائما إلى التجديد والابتكار. ولكن مع مرور الوقت اكتشفت أن الشئ الجديد قد يكون كامنا في إعادة الاكتشاف ودقة الملاحظة التي تمنحنا إياها التجارب التي تبدو مكررة في ظاهرها.

هذه هي المرة الثانية التي أشارك فيها في المعرض الدولي للكتاب في بكين، ضمن فعاليات برنامج خاص للمترجمين والكتاب الشبان من مختلف أنحاء العالم، والذي نظمه معهد كونفوشيوس ومجموعة الصين القومية للاستيراد والتصدير للنشر. وهذا البرنامج يمنح المشاركين فرصة الاشتراك في الفعاليات المختلفة في معرض الكتاب والمؤتمرات المتعلقة بالنشر، والموائد المستديرة مع الكتاب الصينيين، والنقاشات المختلفة حول الأعمال التي قاموا بترجمتها بحضور كتاب الأعمال أنفسهم وغيرهم من الكتاب الشبان والكبار.

في الحقيقة كنت أنتظر تدفق الإلهام لأكتب مقالا عن معرض الكتاب في الصين؛ حول ضخامة مساحته، وروعة التنظيم، والفعاليات الثقافية الغنية والندوات المتنوعة التي يقيمها الكُتّاب، وحفلات التوقيع، والصالونات الثقافية وغيرها. ولكن ما لفت نظري هذا العام تجاوز كل هذه التفاصيل، وتركز في الحضور القوي لمكانة الطفل في المعرض. كانت القاعة التي تقام فيها فعالياتنا مخصصة معظمها للأطفال؛ بداية من الكتب التعليمية والقصص ومرورا بالأماكن المخصصة لهم، والتي تقام فيها الأنشطة المتنوعة. كان هناك مكان على شكل قلعة مقسمة إلى أماكن كثيرة مصممة على شكل الكتب المشهوره التي تجذب الأطفال، يدخلها غالبا الأطفال مع ذويهم. أكثر ما لفت انتباهي أيضا، الحرص الشديد على أمن وسلامة الأطفال، حيث كان يوجدعلى كل البوابات التي بها أنشطة لهم رجال أمن لا يسمحون لأي شخص بالدخول إلا بعد التحقق من هويته وحمله لتذكرة خاصة بالمكان، وكذلك ليتأكدوا من عدم خروج الصغار وحدهم، فيضيعوا وسط الزحام الذي يملأ الصالة المترامية الأطراف.

جذب انتباهي الإقبال الشديد على شراء كتب الأطفال؛ مما يعني وجود صناعة ضخمة لها، وكذلك وجود سوق كبيرة جدا لنشرها وبيعها، وتنوع الكتب، وتعدد الكتاب المتخصصين في كتابة أدب الطفل.

منذ فترة ليست بعيدة، حينما كنت أشارك في مؤتمر أقامه كاتب مرموق في الصين، وبينما كنا نتناول العشاء معه، دخلت أسرة صينية وطلب طفل التقاط صورة مع هذا الكاتب. في البداية بدا لي موقفا عاديا، ولكنه أدهشني عندما فكرت لهنيهة، ذُهلت لمعرفة طفل صغير السن بكاتب صيني يكتب روايات. ومرة أخرى في المعرض وجدت مجموعة من الأطفال الصغار يتحلقون حول شخص في صخب، تبدو عليهم الفرحة والحماسة، وحينها علمت أنه كاتب متخصص في كتابة أدب الطفل. هذا ما ينشأ عليه الأطفال مؤخرا في الصين: حب القراءة.

تحرص دور النشر الصينية على إصدار طبعات مبسطة وسهلة للأعمال الأدبية المختلفة الكلاسيكية والمعاصرة لتكون في متناول يد الأطفال واليافعين، وغيرها من الكتب الأخرى المصورة الجذابة وذات المحتوى الهادف. يمكن تخمين أن هذا توجه للدولة الصينية أيضا، فالاهتمام الشديد بنشر الكتب ودعمها وخاصة كتب الأطفال جلي واضح. فوفقا لما كُتب على مواقع الإنترنت الصينية بشأن تطور سوق نشر كتب الأطفال، فإن إجمال ثمن كتب الأطفال المنشورة في الصين بلغ ما يقرب من 5ر23 مليار يوان (الدولار الأمريكي يساوي 7 يوانات حاليا) في عام 2018، وفي نفس العام أيضا، تنافست 553 دار نشر تقريبا على نشر وبيع كتب الأطفال المختلفة، ولا يمكن إغفال ذكر معرض الكتاب الدولي للأطفال الذي يقام في شانغهاي في سبتمبر من كل عام، والذي انطلق في عام 2013 حتى صار واحدا من أهم المعارض العالمية في صناعة النشر. في عام 2018، شارك في معرض الكتاب الدولي للأطفال بشانغهاي 367 دار نشر من 25 دولة ومنطقة من أرجاء العالم، ووصل عدد زواره 33 ألفا و796 شخصا/ مرة. تقام دورة هذا العام لمعرض الكتاب الدولي للأطفال في الفترة من الخامس عشر إلى السابع عشر من هذا الشهر، نوفمبر 2019، على مساحة 25 ألف متر مربع، وسيشارك فيها أربعمائة عارض من الصين والخارج.

في يوم آخر، ذهبت لزيارة مكتبة وانغفوجينغ لشراء بعض الكتب. هذه المكتبة، التي تقع في شارع وانغفوجينغ التجاري المشهور في قلب العاصمة بكين، واحدة من أكبر المكتبات في بكين، وهي أشبه بمركز تسوق من خمسة أو ستة طوابق مقسمة وفقا لأنواع الكتب وتصنيفاتها. فوجئت بتحويل دور كامل كتب عليه "حيز لقراءة الأطفال وذويهم"، وهو ساحة متكاملة للأطفال، تجدهم يجلسون في كل مكان بصحبة ذويهم، يقرأون كما يحلو لهم، علما بأن هذه مكتبة لبيع الكتب في المقام الأول، ولكن متاح فيها للجميع القراءة وكأنها مكتبة عامة. من قبل كان الجميع يفترشون الأرض في المكتبة أسفل الرفوف وفي الزوايا، ويغرقون بين صفحات الكتب التي يطالعونها، ولكن الآن وضعت المكتبة مقاعد للمتصفحين، بل وخصصت حيزا خاصا للقراءة. صار زوار المكتبة يجلسون في مكان أكثر أريحية للقراءة، ثم يقررون شراء الكتاب أم لا.

قد نقول إن صعود الصين قادم لا محالة، ولكن هذا الصعود في رأيي سيكون مبنيا على أسس أقوى بكثير من مجرد السياسية والاقتصادية، لأنه مستمد من إعادة إحياء حضارة وثقافة شعب له تاريخ طويل. أتمنى من كل قلبي أن أتكلم عن الصعود العربي في أي مجال من المجالات في المستقبل القريب.

--

مي عاشور، كاتبة ومترجمة من مصر

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037