ثقافة وفن < الرئيسية

ولادة جديدة لحرفة قديمة

: مشاركة
2019-09-29 16:20:00 الصين اليوم:Source جياو فنغ:Author

ساعد فن الطباعة دائما على إرشاد اتجاه تطور الحضارات، من خلال تهيئة الظروف المؤاتية لنشر المعرفة والتبادل بين الحضارات على نطاق واسع. الصين أول أمة اخترعت الطباعة، وهي عنصر هام في الثقافة الصينية، إذ نشأت مع ولادة الثقافة الصينية وتطورت معها، وقدمت مساهمات كبيرة وفريدة من نوعها لتطور الحضارات في جميع أنحاء العالم.

الطباعة بالقوالب الخشبية التي اختُرعت في الصين القديمة منذ حوالي 1400 عام، مهدت لتكنولوجيا الطباعة الحديثة. على الرغم من التقدم الكبير الذي وصلت إليه الطباعة حاليا، لا تزال الحرفة التقليدية للطباعة اليدوية بالقوالب الخشبية والألواح لها دور لا غنى عنه في بعض المجالات، ومع التقدم التكنولوجي فقد وصلت هذه الحرفة القديمة إلى مستوى جديد. أكبر مثال على ذلك هو تقنية ورشة رونغباوتشاي لطباعة الألواح الخشبية بالألوان المائية. في عام 2006، تمت إضافة الطباعة الخشبية بالألوان المائية إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي الوطنية وقائمة التراث الثقافي غير المادي لمدينة بكين.

أحفورة حية لصناعة الطباعة

طباعة الخشب بالألوان المائية، كما يوحي الاسم، هي تقنية الطباعة على القوالب الخشبية باستخدام الألوان المائية. يقال إن هذه التقنية تعود إلى فترة أسرتي سوي وتانغ (581-907) في الصين. وأقدم المطبوعات بهذه التقنية، الموجودة في العالم، والمؤرخة بدقة ومحفوظة جيدا، هي نسخة من أسفار السوترا الماسية البوذية، المطبوعة في عام 868. وقد اكتُشفت هذه الوثيقة في كهف لحفظ النصوص البوذية في دونهوانغ، وهي محفوظة حاليا في المكتبة الوطنية للمملكة المتحدة.

خلال الفترة المبكرة من الطباعة بالقوالب الخشبية، كان يستخدم للطباعة الحبر فقط، وكانت طباعة كافة النصوص والمحتوى الرسمي أحادية اللون، وكان محتوى الطباعة بشكل أساسي كتابات دينية وأعمالا أدبية. في وقت لاحق من القرن الرابع عشر، ظهرت الصور الحجرية الملونة، أي الطباعة الملونة. كانت الألوان العديدة في بداية الطباعة الملونة، توضع على لوحة خشبية واحدة، ثم تُغطى بورق لطباعتها بمرة واحدة. مع مرور الوقت، طور الحرفيون التقنية، حيث نحتوا قوالب خشبية منفصلة بألوان مختلفة، ثم طباعتها بشكل منفصل على الورق. أصبحت تقنية الطباعة هذه معروفة لاحقا باسم "طباعة كروماتوغرافيا أو التفريق اللوني". منذ ذلك الوقت، دخل فن الطباعة بالقوالب الخشبية في الصين عصرا مزدهرا، حيث تشكلت أنماط وأساليب مختلفة للطباعة الدقيقة.

بعد أواسط وأواخر القرن الرابع عشر، واصل حرفيو الطباعة فصل الألوان، لصقل الحرف اليدوية، حيث طوروا نوعا أكثر تفصيلا من الطباعة. كان الحرفيون ينحتون لوحة خشبية منفصلة لكل لون في اللوحة الأصلية، ويقومون بطباعة المحتوى بواسطة اللوحات المنحوتة المتراكمة والمرتبة من اللون الخفيف إلى الغامق، وبالتالي إعادة إنتاج مواطن التظليل والأبعاد المختلفة للقطعة الأصلية بالكامل. كان هذا النوع من الطباعة الملونة هو مقدمة طباعة الألواح الخشبية بالألوان المائية لورشة رونغباوتشاي التي افتُتِحَت في عام 1896، وبدأت أعمال الحفر والنحت والطباعة فيها، مما وضع الأساس لما أصبح فيما بعد يعرف بالطباعة على القوالب الخشبية باستخدام الألوان المائية. وقد تم تناقل هذه الحرفة عبر عدة أجيال منذ أكثر من مائة عام. بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، بفضل رونغباوتشاي، تطورت الحرف اليدوية التقليدية للطباعة بالقوالب الخشبية التي اختُرعت في الصين القديمة حوالي القرن السادس الميلادي، أي قبل حوالي 1400 سنة، إلى مستوى جديد تماما. اليوم، تم بالفعل نقل حرفة الطباعة الخشبية لورشة رونغباوتشاي إلى الجيل السادس.

أول أعمال الرسم الحديثة بالألواح الخشبية

في نهاية القرن التاسع عشر تقريبا، أدى إدخال معدات وتكنولوجيا الطباعة الميكانيكية الحديثة من الغرب إلى الصين إلى تحسين كفاءة الطباعة إلى حد كبير. نتيجة لذلك، تمت طباعة الأعمال الفنية الرائعة عن طريق الطباعة الميكانيكية، وببطء، تم استبدال الحرف اليدوية التقليدية للطباعة على الألواح الخشبية، باستثناء عدد قليل من متاجر القرطاسية التي أبقت على هذه الحرفة القديمة حية لطبع ورق خاص لكتابة قصائد الشعر الصيني التقليدي.

 في سنواتها الأولى، كان العمل الرئيسي لورشة رونغباوتشاي هو نحت وطباعة وبيع قرطاسية وأدوات كتابة الشعر الأنيقة. في أربعينات القرن العشرين، أخذ تشانغ دا تشيان، وهو فنان كبير للخط الصيني والرسم، طلابه إلى كهوف دونهوانغ، حيث نسخوا على التوالي 276 جدارية من جداريات دونهوانغ. بعد أن أصبح تشانغ فنانا معروفا، تلقى العديد من الطلبات من أشخاص يريدون اقتناء لوحاته، ولكن تشانغ، الذي يكسب رزقه عن طريق بيع اللوحات، ليس على استعداد لبيع أي منها. من أجل مسايرة هذا الوضع، حاول نسخ سلسلة لوحاته باستخدام الطباعة الخشبية بأصباغ الحبر. في عام 1945، أجرت ورشة رونغباوتشاي طباعة تجريبية لـ"مقدمي فنون دونهوانغ". كانت الصور في النسخ مفصلة ورائعة للغاية، لدرجة أن تشانغ دا تشيان كان راضيا للغاية بعد مقارنتها بلوحاته الأصلية. كان نجاح نسخ اللوحات نقطة تحول هام في تطوير استخدام الألواح الخشبية المائية في رونغباوتشاي، من طباعة قرطاسية وأدوات كتابة الشعر الخاصة إلى طباعة اللوحات الصينية التقليدية، في خطوة أحدثت هزة في العالم الثقافي بأسره.

بعد ذلك، استخدمت رونغباوتشاي الطباعة بالقوالب الخشبية بالألوان المائية لإنجاز نسخ طبق الأصل للعديد من الروائع التقليدية للفنانين المشهورين، بما في ذلك لوحة "الخيول الراكضة" للفنان شيوي بي هونغ، ولوحة "القريدس" للفنان تشي باي شي. كانت مبدعة لدرجة أنها قادرة على تكرار تأثير الحبر المتناثر على اللوحات الأصلية. إن قدرة الحرفيين في ورشة رونغباوتشاي على إنتاج نسخ واقعية من الروائع الأصلية لها نفس اللون والجماليات، ولمسات الفرشاة المتنوعة والغنية، والمحتوى، وحتى طباعتها على نفس النوع من الورق، جميع هذه المزايا حظيت بثناء كبير من الفنانين الأصليين.

واصلت رونغباوتشاي تعزيز تقنيات هذه الصناعة، ولم تكتف بالإنجازات المثمرة التي تحققت في طباعة روائع الرسامين المعاصرين، وإنما وضعت في خططها وأفق تطورها تكرار إنتاج نسخ طبق الأصل للوحات القديمة. في عام 1954، نجحت الورشة في إعادة إنتاج لوحة "جناح تحت ضوء القمر" المرسومة على الحرير للمناظر الطبيعية من فترة أسرة تشينغ، محققة السبق في طباعة هذا النوع من اللوحات، التي عجز الفنانون عن تحقيقها خلال ألف وأربعمائة عام. بعد ذلك، قامت ورشة رونغباوتشاي بنسخ اللوحات القديمة الشهيرة الصغيرة والكبيرة، وبإطار واحد لمجموعات كاملة من الألبومات. واصلت الورشة توسيع تقنياتها وأفقها بشكل مطرد. حتى الآن، أتاحت تقنية الألواح الخشبية بأصباغ الحبر نسخ أكثر من خمسة آلاف نوع من مختلف الأعمال الفنية من الخط واللوحات.

عمل فني منسوخ شبه الأصل

عند تناول موضوع طباعة الألواح الخشبية بالألوان المائية في ورشة رونغباوتشاي، يجب أن نذكر لوحة فنية شهيرة مرسومة على الحرير أعيد إنتاجها في سبعينات القرن، وهي "مأدبة هان شي تساي المسائية". التحفة الأصلية لهذا العمل الفني، التي تم إنجازها خلال القرن العاشر الميلادي، موجودة الآن في متحف القصر ببكين. طول النسخة الأصلية 5ر335 سم وعرضها 7ر28 سم. في المجموع، تضم اللوحة 46 شخصا. الأغراض في اللوحة تشتمل على أَسِّرَة وطاولات طويلة وحواجز فاصلة وآلات موسيقية وترية، وأواني الطعام، وما إلى ذلك، وكل هذه التفاصيل مجسدة بدقة عالية، لا سيما تصوير اللحى والأقمشة المزخرفة والزخارف.

"مأدبة هان شي تساي المسائية" مرسومة على قطعة حرير رقيقة، ما جعل إعادة إنتاج هذا العمل الفني تحديا كبيرا، لأن طبيعة التركيبة المشدودة المتراصة للحرير تجعله لا يمتص اللون مثل ورق الأرز، وهذا جعل الأمور أكثر صعوبة. لم يتمكن أي شخص من نسخ لوحة على الحرير حتى ذلك الوقت. كان المشروع إلى حد بعيد أصعب مهمة قامت بها ورشة رونغباوتشاي حتى تلك المرحلة.

خلال مقابلة مع الحرفيين في ورشة رونغباوتشاي، تعرفت ((الصين اليوم)) على الحرفيين الماهرين المميزين الذين قاموا بإنجاز هذا المشروع الفريد. استغرقت إعادة إنتاج اللوحة 20 عاما، منها ثمانية أعوام في تجهيز اللوحة. خلال المشروع، تم نحت 1667 مجموعة من القوالب الخشبية، واستلزم إنجاز طباعة نسخة واحدة من اللوحة أكثر من ثمانية آلاف عملية طباعة كروماتوغرافية. في النهاية، طبعت رونغباوتشاي 35 نسخة فقط من اللوحة.

من أجل إكمال طباعة اللوحة، قامت الورشة بتصنيع نوع من الحرير عالي الجودة خصيصا لهذا العمل، واستخدمت نفس الأصباغ المعدنية والألوان، مثل اللازورد والحجر الأخضر والزنبق والذهب الأحمر. مع المستوى العالي من التعقيد لمحتوى هذا العمل الفني المطبوع، سجل هذا الإنجاز رقما قياسيا في تاريخ طباعة الألواح الخشبية في الصين. على سبيل المثال، تم استخدام ثلاثة قوالب خشبية لنسخ التفاصيل المزخرفة لشعيرات لحى الأشخاص في اللوحة. حتى الأجزاء الباهتة والتالفة من العمل الأصلي تم استنساخها تماما. المستوى الفني الذي عرضته رونغباوتشاي في النسخ المماثلة لا مثيل له، لدرجة أن النسخ لا يمكن تقريبا تمييزها عن الأصل. وقد وصفها متحف القصر الوطني "بالنسخة شبه الأصل ". ويمكن القول إن الاستنساخ الناجح للوحة "مأدبة هان شي تساي المسائية" نقل تكنولوجيا طباعة الألواح الخشبية الصينية بالألوان المائية إلى ذروة تألق جديدة.

 التعاون وتقسيم المسؤولية

على الرغم من أن النسخ المطبوعة آليا، متطابقة مع الأصل في المظهر، فإنها تفتقر إلى سحر النسخ الأصلية، ويمكن للمشاهد أن يعرف من النظرة الأولى أنها "عمل منسوخ"، بينما تقنية الطباعة الخشبية بالألوان المائية تصنع نموذج رسم بناء على سُمك وشكل وجفاف وصلابة ألوان الطلاء الأصلي، ثم يتم نقشه على عدة أجزاء من القوالب الخشبية، قبل مقارنة أبعاد الأعمال الأصلية وطباعتها. وبالتالي، فإن المنتج النهائي بهذه الطريقة يكون نسخة مطابقة للأصل ويعكس شكل وسحر العمل الأصلي. تحقيق ذلك يتطلب التعاون في عملية من ثلاث خطوات، تتألف من الرسم التصويري والنحت والطباعة. نظرا لأن نجاح كل خطوة في العملية أو فشلها يؤثر على جودة ونتائج اللوحة بأكملها، يجب أن يكون لدى الفنانين في كل من الخطوات الثلاث فهم متكامل للمنتج النهائي، والعمل معا لتحقيق نسخ مثالي للوحة، إذا كان الهدف المرجو تحقيقه هو النسخ الناجح للوحة.

تتبع الرسم التصويري هو الخطوة الأساسية لطباعة نقش الخشب بالألوان المائية. أولا، بعد تحليل اللوحة الأصلية، يقوم الفنان بالتفريق اللوني، ويجمع كل الآثار المشتركة في لون واحد في اللوحة في قالب واحد. بعد ذلك يقوم الفنان الذي يتولى عملية التتبع بتغطية اللوحة الأصلية بنوع من شريط السلوفان الشفاف المقاوم للماء، ويتتبع الخطوط وتركيبة النسيج وكتل الألوان على اللوحة، ثم يعيدها إلى ورق العمل حسب الحاجة للنقش. يصبح المنتج النهائي لعملية التتبع مسودة للخطوة التالية المتمثلة في نحت القوالب الخشبية. أثناء هذه العملية، وبغض النظر عن مدى صعوبة الخطوط أو كونها حرة مطلقة في العمل الأصلي، يجب عرض التفاصيل الدقيقة وعكس حدود وأثر الفرشاة في العمل بأمانة. لإنجاز هذا، يجب على الفنان أن يتمتع بمهارات جيدة في الرسم. 

الخطوة الثانية في عملية الطباعة هي نحت القوالب الخشبية. يتم لصق العينة المرسومة على لوح من خشب الكمثرى، ويستخدم الفنان الأزميل في النحت، مثلما يستخدم الرسام الفرشاة في الرسم، لينحت الخطوط المختلفة على القوالب الخشبية. تكمن الصعوبة في حقيقة أن النحات يجب أن يدرس بعناية التقنيات المعروضة في اللوحة الأصلية، وأن ينسخ بالكامل آثار الفرشاة الدقيقة والمتنوعة المتروكة على اللوحة. إذا لم يتم عكس أثر حركة فرشاة واحدة فقط بأمانة من أسلوب اللوحة الأصلية، فلا يمكن طباعة نسخة مماثلة طبق الأصل من اللوحة الأصلية، مهما تكن مهارة الفنان في عمل الطباعة.

الخطوة الأخيرة في العملية هي الطباعة، وهي الخطوة الأكثر أهمية. بالإضافة إلى إتقان فن الطباعة باستخدام القوالب الخشبية، يحتاج عمال الطباعة أيضا إلى أن تكون لديهم مهارات في الرسم وأن يكونوا على دراية بأساليب وتقنيات اللوحات التي يقومون بطباعتها. على الرغم من مراعاة ملاءمة الطباعة قدر الإمكان في تتبع ونقش القوالب الخشبية، فإن التعبير النهائي عن أسلوب اللوحة الفني يعتمد إلى حد كبير على مهارة حرفي الطباعة وخبرته في وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل خلال الخطوة الأخيرة. تكمن صعوبة الطباعة في أن اللوحات المختلفة تتطلب تقنيات ورق وطباعة مختلفة. تستخدم اللوحات الصينية التقليدية ورق الأرز وورق التوت ولفائف الحرير. وبالتالي، يجب استخدام طرق مختلفة للطباعة لإنتاج نسخ مطابقة للأعمال الأصلية تماما.

تعد طباعة القوالب الخشبية بالألوان المائية نوعا من إعادة التشكيل الفني، فتتطلب أن يكون لدى الحرفيين مهارات عالية. في كل عام، تقوم ورشة رونغباوتشاي بحشد عدد من المتدربين للتعلم من حرفييها طباعة الألواح الخشبية بالألوان المائية. في الوقت نفسه، يتم اتخاذ الترتيبات اللازمة لموظفيها لزيارة المعارض والمشاركة في دورات الرسم والخط والمحاضرات وغيرها من أشكال الأنشطة المعنية.

الهدف من هذه الأنشطة هو تحسين القدرات الفنية لكل حرفي، وكذلك تشجيع التعلم الفردي والمهني، وبالتالي مساعدتهم على الاستمرار في تحسين تقنيات الحرف التقليدية وصقلها. الابتكار يعد أيضا مصدر التطوير المستمر للطباعة الخشبية بالألوان المائية في ورشة رونغباوتشاي. بالإضافة إلى إنتاج لوحات فن الخط واللوحات الصينية التقليدية، يعمل الحرفيون بالورشة دائما على توسيع قدرتهم على استنساخ اللوحات الزيتية ولوحات الألوان المائية غير الشفافة (غواش) وغيرها من المجالات الفنية باستخدام تقنية طباعة الألواح الخشبية بالألوان المائية. حتى أنها تبدع مطبوعات جديدة، وتعطي حياة جديدة للفن القديم من الطباعة اليدوية الصينية التقليدية.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037