ثقافة وفن < الرئيسية

شاعر الشعب يانغ كه.. الشعر ملاذ آمن للروح

: مشاركة
2019-07-01 14:47:00 الصين اليوم:Source ميرا أحمد:Author

ما يكون شعر يانغ كه دائما من العناوين الهامة في الاحتفالات والمحافل الشعرية في الداخل والخارج. فقد تناولت العديد من قصائده وصف مدينة قوانغتشو (كانتون) الصينية والثقافة والحضارة والتغيرات التاريخية، ولم يتوقف منذ البداية عن سبر أغوار نفسه وعالمه الداخلي في الكتابة الشعرية. وتظهر دائما في كتاباته المعالم الجغرافية لمدينة قوانغتشو وتحمل كل كلمة وكل حرف النكهة الكانتونية المميزة.

في عام 1991، جاء يانغ كه من نانينغ في قوانغشي إلى قوانغتشو وبدأ تجربة الكتابة الشعرية الحضرية الحديثة، وكتب عدة قصائد مثل: "نزهة وسط المتاجر"، و"قوانغتشو"، و"محطة القطار"، و"ميدان تيانخه". لقد جعلت عشر سنوات من الاستكشاف الشعري يانغ كه يربط بين الطبيعة المادية للسلع الحضرية والشعر الحضري، ودفع بهذا النمط الشعري إلى الأمام. 

وباعتباره من أوائل الشعراء الذين اهتموا بالثقافة التجارية، كانت قوانغتشو مادة خصبة وغنية لكتاباته الشعرية على مر السنين. وقد قال من قبل إن قوانغتشو هي المكان الأقرب إلى قلبه ولا يعتزم مغادرتها. عاش فترة في بكين، لكن من وجهة نظره، بكين مدينة أكاديمية جدا.

يقول: "حينما يقابلك أي شخص في مناسبة أو مكان عام قد يصفك بأنك شاعر أو عالم، لكن ما إن تعود إلى قوانغتشو يتحدث الجميع عن أمور الحياة اليومية البسيطة فيشعر المرء بالراحة."

لذلك، نجد الأسواق التجارية ومحطات السكك الحديدية والمباني الشاهقة والحدائق والمتنزهات تنبض بالحياة وكأنها من لحم ودم تحت قلمه الفريد.

يعد يانغ كه ممثلا لشعراء الجيل الثالث والكتابات الشعبية. كتب العديد من القصائد التي تتناول حب الوطن ووصف الشعب، وكتب قصيدة بعنوان "الشعب" من ثلاثة أجزاء تصف الطبقة الدنيا من الشعب وتجسد معاناتهم حتى وصفه أحد النقاد بأنه "شاعر الشعب". وتجلى هذا في قصائد عديدة مثل "رأيت بلادي داخل حبة الرمان"، و"عن التبت حدثني صديقي" و"بحيرة الحب" وغيرها. في قصيدة "عن التبت حدثني صديقي"، يقول:" هناك صخور خرساء، تخرج من جوفها حياة. هناك تزهر كل عشبة، وتغدو حورية حسناء. هناك غنت صبية أغنية حلوة، وعلى خديها سال الدمع شلالا، وفي بحيرة الدموع سكبت وسكبت، وفي أقرب بقعة، من الفردوس، انبسطت."

ويرى يانغ كه، أن الشعر بغض النظر عن التيار الشعري الذي يمثله، تقع على عاتقه مسؤولية التعبير عن نفسه قدر الإمكان. ويعتبر الشعراء بمن فيهم النقاد أن يانغ كه هو أكثر الشعراء تفردا في الكتابة الحضرية. وأصبحت كتاباته الشعرية جزءا هاما في المواقف الشعبية. وتعتبر تحولاته الشعرية طبيعية وتلقائية؛ فنجده يتحول من الصور إلى اللغة، ومن الريف إلى المدينة ومن السياسة إلى الإنسانية ومن الكآبة إلى الصخب ومن التحيز إلى النقد، فسار يانغ كه على درب من الكتابات الشعرية المتنوعة. وأهم ما يميز يانغ كه عن غيره من الشعراء هو تنظيمه لحلم النشر منذ البداية وعدم إقلاعه عن هوايته في الأنشطة الشعرية.

ومنذ بداية ممارسة يانغ كه للكتابة الشعرية، نجد أنه راصدٌ للموضات العصرية: أجواء المدينة والأصوات والألوان والظلال، كل شىء يسترعي انتباهه ويحول هذه الأشياء إلى أسطورة لغوية. حينما يستنشق روائح المدينة نجد أن حواسه كلها قد تشبعت بهذه الروائح ويبدأ في تفسير كل زواياها وأركانها بشكل حدسي. هو يرى أن الموضات نتاج للمجتمعات الحديثة ولا يمكن أن ينفصل أبناء المدينة عن الموضات العصرية، بل أصبحت دليلا ساطعا على المجتمعات الحضرية. وهي دليل استهلاكي لأبناء المدن وينبغي أن تتطابق تفاصيل الحياة اليومية للمدينة مع كتابات الشاعر، ومن ثم تحظى المدينة بتحسن روحي عبر الكتابات الشعرية.

وباعتبار يانغ كه راصدا هادئا لروح المدينة، أعاد اكتشاف أسس الحياة الحضرية، وكشف عن أزمات ورغبات أبناء المدينة وجعلنا نلاحظها ونراقبها عن كثب. فنجد كتاباته الشعرية تسجل تفاصيل الحياة الحضرية وتغوص في عوالمها السرية. فقد أدرك يانغ كه الإيقاع الحقيقي للمدينة وتطورت كتاباته من المشاعر العاطفية الأولى إلى النضج العقلاني، لذلك اتسمت أعماله الشعرية بقوة تأثيرية كبيرة.

وقد دفعت القوة في شعر يانغ كه إلى كشف عيوب ومساوئ المجتمع الحضري وتوجيه الانتقادات له. فهو يرى أنه على الرغم من أننا نرتدي أزياء عصرية، مازالت القلوب متعبة، ولاسبيل أمامنا إلا مواكبة الموجات الاجتماعية الحديثة، فالسعي خلف مواكبة الموضات العصرية، ليس فقط بسبب السعي وراء المتعة، وإنما أيضا من أجل المنافسة الشرسة على البقاء.

يأمل عادة يانغ كه في السعي عن الروح في الكتابة الشعرية وهذا مطلب يتطلب الشجاعة، وخاصة في مدينة مثل قوانغتشو التي تنغمس في أسلوب الحياة الصاخب وهو اختيار العديد من الأشخاص.

وللشاعر اعتقاد آخر في السعي وراء الحياة الشعرية، وهو البحث عن المشاعر وسط الخيال والبحث عن العزاء وسط اللغة، ليجعل الروح تمتلك ملاذا آمنا. الدافع الأول الذي يحركه في كتاباته هو الحياة اليومية والمشاهد الحية التى يراها من حوله. ويرى أن الشاعر الحقيقي ينبغي أن يتحمل معاناة التحول اللغوي ويحل السرد الشعري محل التأمل للعالم الفوضوي الذي يحيا به. ويؤمن أن التعقيد لا يعني البلاغة وأن الغموض لا يعني التنوع والتعدد. فالاهتمام بالهيكل الشعري هام جدا حتى يجعل الشعر يخاطب القراء على كافة المستويات.  يتسم أسلوبه بالبساطة والتعقيد في آن، وتستشعر بالعاطفة المستترة خلف الكلمات الهادئة التي تخلو من الضجيج المفتعل. وتعبر كتاباته الشعرية عن أصدق وأعمق تفاصيل الحياة. وتتسم لغته الشعرية بالسلاسة وعدم الغموض أو التعقيد فلا تجده على سبيل المثال يتشدق بالألفاظ، بل تجد الألفاظ تنساب مثل نهر دافق، وهذا يجعل كتاباته الشعرية مفعمة بالمشاعر وتتجلى بها الروح بدرجة عالية وتصل إلى طبقات متفاوتة من القراء. إن تنوع الموضوعات الشعرية هي الحالة التي التزم بها يانغ كه منذ البداية، لأن النمط الفردي يُفقد الشعر جمالياته، بينما التعدد يحقق الثراء الإبداعي.

يرى يانغ كه أن المسافة بين الشعر والروح قريبة جدا. وفي مثل هذه اللحظات الخاصة لا يمكن أن يستغني الشاعر عن الشعر، فالكلمات لا تحيا بمنأى عن تحقيق سلوى النفس. وقد ظهرت هذه الحالة جلية في قصيدة بعنوان "حالة الشاعر يانغ كه"، يقول فيها: "في الحانة، تناول قطعة لحم في الفلفل الأسود كانت سابحة، ثم طلب سيارة تاكسي، وانساب التاكسي عبر أكشاك المدينة الملونة. وفي الشارع الخلفي، حيث ليل طويل لا ينتهي، رأى بائعات الهوى، تعقدن صفقات الهوى المشروط، وتبعن الهوى لمن هوى، تبعن أوهاما وأحلاما ونهودا ووعودا، فأكل العفن نصف قلبه. وفي بعض من الأوقات، كان يفتش عن كلمات الشعر المنظومة، وسط كومات الثلوج المندوفة، مثل ذبابة حائرة جائعة، تقف على كومات القمامة المنثورة."

يانغ كه ليس مجرد شاعر، أو من أهم شعراء الجنوب، بل يحمل هوية أخرى وهو أنه ناشط شعري. وجهوده التي يقدمها في مجال الشعر الصيني لا يمكن أن تقارن بجهود غيره من الشعراء، من حيث تجميع الشعر والإصدارات السنوية حتى يظل الشعر يتدفق كشلال هادر لا ينضب وسط الأوساط الثقافية، أو يتراجع وسط أجواء المجتمع المادي الذي نحياه.

ولم تقف كتاباته الشعرية عند حدود وطنه وشعبه، بل تجاوز خياله السارح إلى الخارج، فقد انفتح على الثقافات الغربية الأخرى وقد تركت في نفسه أثرا بالغا جعله ينظم الشعر في رموز وأشياء وأشخاص من حضاراتها وثقافاتها. كتب قصائد بعنوان "نيلسون مانديلا"، و"موزارت"، و"عباد الشمس"، "شارون ستون"، و"الأم تريزا"، وغيرها من القصائد الأخرى.

 يسعى يانغ كه دائما إلى غاية، وهي إيجاد نقطة تقارب بين كتاباته الخاصة والفضاء العام من حوله. ولا يعتمد يانغ كه على اللغة المجردة لإضفاء الروح وتحقيق الغاية المثالية من الشعر، بل يعتمد على استكشاف تفاصيل الحياة اليومية لإضفاء الروح الشعرية على كتاباته، واستكشاف كل شىء حتى استكشاف اللغة ذاتها، وفي النهاية التركيز على المشاعر والروح. يسعى وراء القيم الروحية وسط العالم المادي المكبل بالأغلال، ويرى أن السعي وراء القيم الروحية أهم من أي شيء آخر.

يشغل يانغ كه حاليا منصب نائب رئيس اتحاد الكتاب الصينيين في قوانغتشو، ونائب مسؤول لجنة الشعر في اتحاد الكتاب الصينيين، ونائب رئيس جمعية الشعر الصينية، وغيرها من المناصب الأخرى. وقد حصل على العديد من الجوائز الأدبية الرفيعة، منها جائزة لو شيون الأدبية في دورتها الثامنة في قوانغتشو، وجائزة كامبريدج شيوي تشي موه للشعر، وجائزة الشاعر المتميز عن مؤسسة حقوق النشر الرومانية، وجائزة الكتاب الشبان في دورتها الثانية في قوانغشي، وجائزة الإبداع في أدب الشباب وغيرها من الجوائز الأدبية الرفيعة الأخرى.

--

ميرا أحمد، مترجمة وباحثة في الشؤون الصينية من مصر.

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037