ثقافة وفن < الرئيسية

متاحف الأزقة تحمي ثقافة الحضر التقليدية

: مشاركة
2019-02-27 15:33:00 الصين اليوم:Source تشانغ بنغ يوي:Author

من المعالم والرموز القديمة لمدينة بكين، عصير فول الصويا المخمّر والزلابية وأبراج الجرس والسماء الزرقاء وصافرات الحمام. غير أن كل ذلك لم يعد بوسعك أن تراه في الشوراع الواسعة، وإنما فقط في أزقة بكين ذات النكهة الخاصة.

ولكن بيوت سكان الأزقة ليست مفتوحة للزوار، كما أن متحف القصر الإمبراطوري أو القصر الصيفي حيث كان يعيش الأمراء من الطبقات الإقطاعية بعيدان عن حياة عامة الناس. من أجل توفير نافذة على أنماط حياة العائلات المحلية التقليدية في الماضي، ظهرت تدريجيا متاحف الأزقة.

في سنة ألفين وثلاثة عشر، افتتح رسميا أمام الجمهور متحف زقاق شيجيا الذي يقع في الدار رقم 24 بهذا الزقاق العتيق، ليكون أول متحف للأزقة في العاصمة الصينية. المتحف المكون من ثماني قاعات بمساحة أكثر من ألف متر مربع، كان المقر السابق للأديبة الصينية المشهورة لينغ شو هوا. الآن، يتولى إدارة المتحف، معهد بكين للتخطيط والتصميم.

في أكتوبر سنة 2018، افتتح متحف زقاق دونغسي للزوار، ليكون ثاني متحف للأزقة في العاصمة. تبلغ مساحة المتحف 1023 مترا مربعا، ويعود تاريخ إنشاء بنايته الرئيسية إلى عام 1940، ويضم خمس مناطق عرض.

التشارك في بناء المناطق الثقافية

في زقاق شيجيا، ترى طيورا تغرد على الأشجار ودراجات تتهادى أمام الدور وسكان يتجاذبون أطراف الحديث عند أبواب بيوتهم. في باحة دار تقليدية مبنية من القرميد الرمادي والبلاط الأسود والأعمدة الذهبية اللون، تعلق عند مدخلها لوحة كتب عليها الكاتب المحلي شو يي "متحف زقاق شيجيا". في هذه الباحة شجرتان طويلتان من نوع البارسول الصيني وأقفاص الطيور المعلقة تحت طنف السقف. في داخل قاعة العرض، زوار يقرأون لوحات المعلومات وهم غارقون تماما في معروضات تبين لهم كيف كانت الحياة قديما في بكين.

في الباحة دراجة قديمة ذات علامة تجارية عريقة، تجذب أنظار الزائرين. صاحبها تشن تسي يوي، من مواليد حقبة التسعينات في القرن الماضي. يحب هذا الشاب تاريخ وثقافة بكين القديمة، وفي وقت فراغه يتجول حول العاصمة، لالتقاط صور لعدد لا يحصى من لوحات أسماء الأزقة. في عام 2016، تبرع بهذه الدراجة القديمة لمتحف زقاق شيجيا. قال تشن: "لست من سكان زقاق شيجيا، لكنني أحب هذا المتحف. رأيت أن هناك العديد من الأشياء التي تبرع بها السكان المحليون، مثل أجهزة التلفزيون القديمة وأجهزة تسجيل الصوت وآلات الخياطة، ولاحظت أن عدد وسائل النقل المعروضة قليل، فقررت التبرع بهذه الدراجة القديمة."

الدراجة المصنوعة من فولاذ المنغنيز، يرجع تاريخ إنتاجها إلى عام 1966، وهي قوية وخفيفة في ذات الوقت. تستخدم في هذه الدراجة تقنية الفرامل التوسع، التي كانت تعتبر على أعلى مستوى في صنع الدراجات محليا في ذلك العصر. قال تشن: "في ذلك الوقت، كان سعرها 193 يوانا (الدولار الأمريكي يساوي 7ر6 يوانات)، وكان ذلك مبلغا ضخما لأسرة عادية. كما أن الناس بحاجة إلى استخدام بطاقة (كوبون) خاصة لشرائها، والتي كان من الصعب الحصول عليها ".   تجذب الدراجة العتيقة انتباه الزائرين، يتوقف كثيرون أمامها لالتقاط الصور ويسألون عما إذا كانوا يستطيعون ركوبها.

هناك أيضا ورشة صغيرة داخل متحف زقاق شيجيا فيها تسجيلات لأكثر من 80 نوعا من الأصوات المختلفة في أزقة بكين القديمة، مثل أصوات الزيز والطيور ونداء البائعين، وكلها مفعمة بنكهة بكين.

هذه الورشة أسست بفكرة من الفنان تشين سي يوان، حفيد لينغ شو هوا. إن إعادة سمع أصوات بكين المحلية في المتحف لا تمنح الشباب فرصة للتعرف على ثقافة بكين فحسب، وإنما أيضا تساعد سكان بكين القدماء على استذكار الماضي.

قال وانغ هونغ قوانغ، وهو مخطط في معهد بكين للتخطيط والتصميم: "يسعى المتحف منذ البداية لخدمة السكان المحليين، نأمل أن يصبح هذا المتحف فضاء ثقافيا عاما لدى كل من الزائرين والسكان المحليين."

في متحف زقاق دونغسي الذي افتتح في الفترة الأخيرة، يتم التبرع بالعديد من المعروضات أيضا، مثل خزانات المياه والبلاط من قبل السكان المحليين. شاهدت ليو تشيو تشين، وهي إحدى المتبرعات، لقطة وعاء قديم للأسماك، كان شيئا عاديا في منازل بكين في الماضي، في فيلم إعلامي لزقاق دونغسي، فتبرعت به إلى متحف زقاق دونغسي. هي ترى أن وعاء الأسماك جزء لا يتجزأ من الدار الرباعية، وتريد التعريف بحياة العائلات المحلية ببكين بوعاء الأسماك هذا.

بالإضافة إلى اللوازم اليومية لعائلات بكين القديمة، هناك لوحة في قاعة المعرض لعائلة دونغ التي كانت تدير أكبر أربعة بنوك صينية قديمة الطراز. تعتبر الشعارات المكتوبة على اللوحة "الانسجام والتعاطف والتوفيق والمرح"، انعكاسا لثقافة بكين العائلية القديمة.

من أجل بناء تجمع سكني متناغم

متحف زقاق شيجيا، الذي افتتح قبل ست سنوات، لديه علاقة متناغمة مع السكان المحليين، حيث ينظم الأنشطة المختلفة خلال المهرجانات التقليدية. وفي مهرجان تشيشي (عيد الحب في الصين) عام 2018، نظم المتحف فعاليات "التصوير للأزواج المسنين". قال لي شاو بي، وهو أحد السكان المحليين: "إن الأنشطة في زقاقنا قريبة جدا من قلوب السكان المحليين." وخلال عيد لابا السنوي، يدعو العاملون في المتحف السكان للمشاركة في الأنشطة التقليدية الخاصة بالعيد مثل صنع عصيدة لابا بالثوم، ثم التمتع بتناول الطعام معا.

قال السيد موه: "عندما كنا في الجامعة، شاركتُ مع صديقتي في نشاط صنع القرد المشعر في متحف زقاق شيجيا. استخدمنا قشر الزيز في صنع رأس وأطراف القرد المشعر وبراعم زهرة الماغنوليا في صنع الجسم. القرد المشعر الذي صنعناه كان نابضا بالحياة، وهو دليل على حبنا، وما زلنا نحتفظ به في منزلنا."

وقال وانغ هونغ قوانغ، وهو مخطط في معهد بكين للتخطيط والتصميم: "من أجل بناء تجمع سكني أفضل، علينا أن نشجع كل السكان للمشاركة في بناء وإصلاح المناطق العامة والاهتمام بحاجاتهم ومتطلباتهم." يهدف المتحف إلى تعزيز التفاهم والثقة المتبادلة بين السكان، ويضع الأساس لتحسين البيئة المعيشية وحماية ثقافة الأزقة.

في عام 2014، أسس مكتب شارع تشاويانغمن، بمساعدة المخططين في معهد بكين للتخطيط والتصميم، جمعية حماية ثقافة زقاق شيجيا، التي تعتبر منصة للمقيمين ووحدات حقوق الملكية والخبراء والمتطوعين للمشاركة في حماية وتجديد التجمع السكني، والتي تتخذ من "تحسين البيئة العامة والملامح الإنسانية" هدفا لها. "الحديقة الصغيرة عند الزقاق" مشروع في زقاق شيجيا، بدأه أساتذة وطلاب من الأكاديمية المركزية للفنون في بكين، حيث أعيد استخدام الأواني القديمة لزراعة الفواكه والخضراوات والنباتات الأخرى لمساعدة سكان الزقاق في تجميل باحاتهم. قالت تسونغ شيو يينغ، إحدى سكان زقاق شيجيا: "صارت باحتي جميلة إلى هذا الحد بفضل الزهور المزروعة في الأواني الفخارية."

قال ما يوي مينغ، المخطط في معهد بكين للتخطيط والتصميم ومدير متحف زقاق شيجيا، إن المتحف يحتوي على قاعة للمؤتمرات حيث يمكن للسكان المحليين أن يناقشوا فيها المسائل المحلية، مثل ركن السيارات وتصميم دورات المياه العامة. أضاف: "في السنوات الثلاث الماضية، تم تجديد سبع باحات."

الاحتفاظ بذكريات وورث ثقافة حضرية

 الحفاظ على الثقافة الحضرية التقليدية وتسجيل التغيرات الاجتماعية في ظل التطور الاجتماعي السريع مسألة هامة. في السنوات الأخيرة، نشأت في العديد من المدن الصينية متاحف مثل متاحف الأزقة في بكين، مقامة في التجمعات السكنية ومصممة للحفاظ على الذكريات الثقافية الحضرية.

في يناير 2018، افتتح رسميا متحف زقاق حديقة شيوانغ، أول متحف زقاق في شانغهاي. آلة الخياطة وساعة سانوو (سانوو ماركة محلية) وتشيباو (فستان مقبب مشقوق من الجانبين) كلها مقتنيات تحكي قصة الحياة في شانغهاي القديمة.

في يوليو عام 2018، تم افتتاح متحف شيانغتشو (الحنين إلى مسقط الرأس) في مدينة تشنغدو حاضرة مقاطعة سيتشوان. أكثر من ستمائة قطعة من أدوات السكان المحليين تظهر التغيرات التي طرأت على حياة الناس اليومية في تشنغدو منذ الثلاثينات حتى التسعينات في القرن الماضي. يحظى المتحف بإقبال كبير من السكان المحليين، حيث يمكن للمسنين أن يتذكروا الماضي وللشباب أن يتعرفوا على الثقافة المحلية القديمة.

من خلال ورشة الصور القديمة ومشروع تسجيل التاريخ الشفوي، يتم ترتيب الملفات الثمينة التي تسجل حياة سكان الأزقة للأجيال القديمة. في معرض "الصور القديمة من بيتي"، تحكي تشانغ تشي هونغ، وهي من سكان زقاق شيجيا، القصة وراء الصورة التي تبرعت بها. كما يذهب الموظفون في مشروع تسجيل التاريخ الشفوي إلى منازل السكان المحليين ويتحدثون معهم حول حياة الأزقة الماضية.

--

تشانغ بنغ يوي، صحفي في الطبعة الخارجية لصحيفة ((الشعب اليومية)).

 

©China Today. All Rights Reserved.

24 Baiwanzhuang Road, Beijing, China. 100037